شعر سامر أن الكلمات فقدت معناها للحظة.
“أنت كنت الأول.”
الجملة استقرت داخله كصدمة باردة.
ظل يحدق بالصورة القديمة فوق الطاولة، بينما بدأت أنفاسه تضيق تدريجيًا.
الشاب الواقف قرب المصعد…
لم يكن مجرد شخص يشبهه.
بل هو.
نفس العينين المتعبتين.
نفس انحناءة الكتفين.
حتى طريقته في الوقوف وكأنه يضغط صدره بخفة، خوفًا من ألم يعرفه جيدًا.
تراجع خطوة ببطء.
“هذا مستحيل…”
لكن المشكلة أن عقله لم يعد يرفض الفكرة تمامًا.
لأن هناك شيئًا داخله شعر بهذه الحقيقة قبل أن يسمعها.
الحارس لم يتكلم مباشرة.
بل ظل يراقبه بصمت طويل، كأنه يعرف أن الكلمات التالية لن تغيّر شيئًا، لأن سامر بدأ يتذكر بالفعل.
ليس تذكرًا واضحًا.
بل انكسار مر داخله للحظة
إحساس غريب بممرات يعرفها دون أن يكون قد رآها.
رائحة دخان قديم.
صوت أجهزة قلب بدائية.
وحرارة خانقة خلف أبواب مصعد مغلق.
جلس سامر ببطء على الكرسي المقابل.
شعر أن ساقيه لم تعودا تحملانه.
“اشرح…”
خرجت الكلمة ضعيفة.
مرهقة.
تنهد الحارس أخيرًا.
ثم قال:
“في عام 1987 لم تكن تُدعى سامر.”
رفع سامر رأسه ببطء.
“ماذا؟”
“لكن قلبك كان نفسه.”
بدأت الأنوار داخل بهو العمارة تخفت قليلًا.
أو ربما خُيّل إليه ذلك.
ثم أكمل الحارس:
“كنت مريضًا أيضًا. شابًا خائفًا من الموت… تمامًا مثلك الآن.”
“هذا لا يفسر شيئًا!”
“لأنك تنظر للأمر كأنه حياة واحدة.”
ساد الصمت.
ثم أضاف الرجل:
“لكنه ليس كذلك.”
بدأ الألم يعود إلى صدر سامر ببطء.
ذلك الألم الثقيل الذي يظهر حين يبدأ عقله بالانهيار تحت الضغط.
“هل تقول… إنني تناسخت؟”
هز الحارس رأسه ببطء.
“لا.”
“إذن ماذا؟!”
اقترب الحارس قليلًا.
وكان صوته أخفض هذه المرة.
أعمق.
“الباب لا يوجد فيه أرواحًا جديدة للانسان فهو ليس مكان تولد الارواح منه
لكنه يحتفظ بالإنسان عند لحظة معينة.”
شعر سامر بالقشعريرة تمتد في ذراعيه.
“لم أفهم.”
“حين اقتربت من الموت هناك لأول مرة… لم تعبر بالكامل.”
بدأت الصور تتسلل إلى رأس سامر فجأة.
بشكل أعنف من السابق.
رأى نفسه أو ذلك الرجل القديم داخل المستشفى المحترق.
الدخان يملأ الممرات.
الأضواء الحمراء تومض.
والمرضى يصرخون بعيدًا.
ثم المصعد.
المصعد نفسه.
أبوابه مفتوحة وسط الفوضى.
والشاب يركض نحوه مذعورًا وهو يضغط على صدره.
قبض سامر رأسه بيديه بعنف.
الصور أصبحت أوضح.
صوت إنذار الحريق.
حرارة النار.
ثم انقطاع الكهرباء.
المصعد توقف بين الطوابق.
الظلام.
الاختناق.
والخوف.
يا إلهي…
الخوف.
ذلك الخوف الوحشي من أن يموت محاصرًا داخل صندوق معدني بينما قلبه ينهار ببطء.
ثم سمع صوت الحارس داخل الذكرى:
“وهناك… فتح الباب لأول مرة.”
فتح سامر عينيه بعنف.
كان يتنفس بسرعة.
والعرق البارد يغطي رقبته.
“أنا… مت هناك؟”
صمت الحارس للحظة طويلة.
ثم قال:
“جزء منك فقط.”
بدأت الحقيقة تتكشف أخيرًا.
وكلما توضحت…
أصبحت أكثر رعبًا لسامر
الإنسان الذي كان داخل المصعد عام 1987 لم يمت بشكل كامل.
الخوف الشديد، مع توقف القلب، ومع المكان المليء بالموت والذعر…
كان قد تسبب في وجود شيء ما
تمزقً توتر شعور حيث لاتوجد اي كمية لوصفه
نسخة علقت بين النهاية والبقاء.
ومنذ ذلك الوقت…
كل شخص يشبهه بما يكفي، يحمل نفس الخوف، ونفس القلب المرهق…
ينجذب إلى الباب.
ليس صدفة.
بل كأن الباب يبحث عن “صورته الأصلية” مجددًا.
همس سامر بصوت مبحوح:
“ولهذا رأيت نفسي دائمًا…”
أومأ الحارس ببطء.
“لأن الباب يتذكرك.”
ساد الصمت طويلًا.
ثم سأل سامر السؤال الذي كان يخشاه منذ البداية:
“وأنت؟”
لأول مرة…
تغير وجه الحارس فعلًا.
اختفت هدوءه المعتاد للحظة.
ثم نظر نحو المصعد القديم في آخر البهو.
وقال:
“كنت هناك أيضًا.”
شعر سامر بالبرد يجتاحه.
“من أنت أصلًا؟”
ابتسم الرجل ابتسامة متعبة جدًا.
“أحد الذين بقوا قريبين من الباب أكثر مما ينبغي.”
ثم نهض ببطء من كرسيه.
ولاحظ سامر شيئًا لم ينتبه له سابقًا.
الحارس لا يصنع صوت خطوات.
اتجه الرجل نحو المصعد.
وقف أمامه بصمت.
ثم لمس الباب المعدني بخفة.
في اللحظة نفسها…
صدر صوت بعيد جدًا.
صرخات.
أجهزة إنذار.
ودخان بدأ يتسرب للحظة قصيرة من الفاصل بين الأبواب.
تراجع سامر فورًا.
أما الحارس فأغلق عينيه.
وقال بهدوء:
“كلما فُتح الباب أكثر… اقترب الحريق مجددًا.”
“ماذا يعني ذلك؟”
استدار الحارس نحوه ببطء.
“يعني أن المكان لا يعيد الذكريات فقط.”
“بل ماذا؟”
نظر الرجل مباشرة في عينيه.
ولأول مرة ظهر خوف حقيقي في وجهه.
“إنه يحاول إعادة الليلة كاملة.”
Jumana||جمانة