الفصل9

الفصل9

18 0

توقف كل شيء داخل سامر للحظة.

الانعكاس خلفه بقي ثابتًا في الجدار المعدني للمصعد، شاحبًا ومنهكًا بصورة لا تشبه البشر الأحياء تمامًا.

أما الجملة…

 “قلبنا لن يتحمل كثيرًا بعد الآن.”

فقد استقرت داخله كإبرة باردة.

شعر فورًا بالضربة العنيفة داخل صدره.

نبضة قوية جدًا… ثم اضطراب حاد كأن القلب فقد انتظامه دفعة واحدة.

تجمدت أنفاسه.

يده ارتفعت تلقائيًا نحو صدره بينما انحنى قليلًا محاولًا التقاط الهواء.

لا…

ليس الآن.

المصعد واصل الصعود ببطء.

4…

5…

لكن الأرقام بدأت تتشوش أمام عينيه.

الرؤية تضيق.

والضوء الأصفر داخل المصعد أصبح أكثر قسوة.

شعر بأن الأرض تميل تحته قليلًا.

رفع رأسه مجددًا نحو الانعكاس.

الشخص ما يزال هناك.

يقف خلفه بهدوء.

لكن هذه المرة كان أقرب.

قريبًا جدًا حتى إن سامر استطاع رؤية التفاصيل: شحوب الجلد.

العروق الداكنة تحت العينين.

والتعب العميق في الوجه، تعب شخص عاش ألمًا طويلًا جدًا.

ثم لاحظ شيئًا مرعبًا آخر.

الانعكاس كان يضع يده على صدره بنفس مكان الألم تمامًا.

جاءت النوبة كاملة هذه المرة.

شعر بقلبه يضرب بسرعة فوضوية، بلا إيقاع مفهوم.

نبضات سريعة جدًا…

ثم توقف مرعب.

ثم ارتطام مؤلم داخل صدره.

أطلق سامر أنفاسًا متقطعة وهو يحاول الوقوف مستقيمًا.

لكن ساقيه بدأتا تضعفان.

الهواء لم يعد يدخل جيدًا.

الغثيان صعد بسرعة إلى حلقه.

ومع كل ثانية، كان الخوف يزيد الأمر سوءًا.

كان يعرف هذه الدائرة جيدًا: الخوف يزيد اضطراب القلب… واضطراب القلب يزيد الخوف.

ثم ينغلق كل شيء.

ضغط زر الطوارئ بعنف.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

لا استجابة.

فقط ذلك الطنين الكهربائي الخافت.

“لا… لا…”

خرج صوته ضعيفًا ومبحوحًا.

أخرج هاتفه بسرعة مرتجفة.

الشاشة كانت ضبابية أمام عينيه بسبب الدوار.

فتح الطوارئ بصعوبة.

اتصل بالإسعاف.

رنّ الهاتف.

مرة…

مرتين…

ثم جاء صوت امرأة هادئ:

“خدمات الطوارئ، ما الحالة؟”

فتح سامر فمه ليتكلم، لكن الألم ضرب صدره بعنف جديد حتى انقطع نفسه.

“أنا… قلبي…”

الكلمات خرجت متقطعة.

“الموقع لو سمحت؟”

رفع عينيه بصعوبة نحو شاشة المصعد.

الرقم اختفى.

لا يوجد طابق.

فقط ذلك الخط الأفقي الباهت مجددًا.

ثم…

توقف المصعد.

انطفأت الإضاءة للحظة.

وعندما عادت…

لم يعد وحده.

انعكاسه الآخر لم يعد داخل الجدار فقط.

بل أصبح واقفًا خلفه فعلًا.

داخل المصعد.

شعر سامر بأن عقله توقف عن الفهم للحظة.

الرجل كان قريبًا جدًا.

نفس الوجه.

نفس الصوت.

لكن عينيه…

كانتا مرهقتين بطريقة لا توصف، كأنهما تنظران من داخل سنوات طويلة من الألم.

في الهاتف، ما تزال موظفة الإسعاف تتحدث:

“سيدي؟ هل تسمعني؟”

لكن سامر بالكاد كان يسمعها.

لأن النسخة الأخرى اقتربت أكثر.

ثم قالت بهدوء:

 “كل مرة تخاف… القلب يضعف أسرع.”

سقط سامر على ركبتيه أخيرًا.

الهاتف انزلق من يده إلى أرضية المصعد.

أصبحت أنفاسه قصيرة جدًا.

سطحية سريعة.

والألم في صدره تحول إلى ضغط ساحق يكاد يشلّه.

شعر بالخدر يمتد إلى ذراعه اليسرى.

ثم إلى أصابعه.

هذه المرة مختلفة.

عرف ذلك فورًا.

هذه ليست مجرد نوبة عادية.

في الهاتف، أصبح صوت موظفة الإسعاف بعيدًا ومشوّهًا:

“سيدي؟ هل ما زلت معنا؟”

حاول الرد.

لكن الكلمات لم تخرج.

رأسه بدأ يدور بعنف.

الإضاءة تتمدد وتنكمش أمام عينيه.

ثم سمع شيئًا مرعبًا.

الشخص الآخر بدأ يلهث.

نفس لهاثه تمامًا.

ثم جلس القرفصاء أمامه ببطء.

حتى أصبح وجهه مقابلًا لوجه سامر مباشرة.

ورغم الرعب…

لاحظ سامر شيئًا غريبًا جدًا.

النسخة الأخرى لم تبدُ شريرة.

بل بدت خائفة.

ومتعبة.

وحزينة بصورة ساحقة.

ثم همست:

 “كنت أحاول أحذرك.”

بدأ وعي سامر يتفكك تدريجيًا.

الأصوات أصبحت بعيدة.

الضوء باهتًا.

حتى الألم بدأ يفقد حدّته، وهو الشيء الذي أخافه أكثر من أي شيء.

لأن والدته أخبرته مرة، بعد أول انهيار له في المستشفى:

 “اللحظة الخطيرة ليس ما يوجعك… اللحظة الخطيرة عندما فجأة يخف.”

شعر ببرودة تنتشر داخل جسده.

ثم مال جسده للأمام ببطء.

في آخر لحظة قبل أن يفقد الوعي، رفع عينيه نحو شاشة المصعد.

ورأى الرقم يظهر ببطء شديد.

ثم انفتحت الأبواب.

لكن ما كان خلفها…

لم يكن ممر العمارة.

بل مستشفى قديم جدًا.

صامت ومظلم.

وكأنه مهجور منذ سنوات طويلة.

آخر شيء سمعه قبل أن يغيب عن الوعي تمامًا…

كان صوت النسخة الأخرى يقول:

 “لا تذهب إلى هناك مرة ثانية…”

ثم ابتلع الظلام كل شيء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة