الفصل5

الفصل5

21 0

ظل سامر محدقًا بباب المصعد كأن جسده فقد القدرة على الحركة فجأة.

الاسم الذي سمعه قبل لحظات ما زال يتردد داخل رأسه بصوت واضح ومخيف.

صوته هو.

ليس شبيهًا به.

ليس قريبًا منه.

بل صوته تمامًا، بنفس النبرة الخافتة التي يستخدمها عندما يكون مرهقًا.

شعر بالألم في صدره يشتد بسرعة.

هذه المرة لم يكن مجرد خفقان.

بل ضغط ثقيل بدأ ينتشر تحت عظمة القفص الصدري ثم صعد تدريجيًا نحو كتفه الأيسر.

التقط أنفاسه بصعوبة، ومد يده المرتجفة إلى جيبه بسرعة أكبر.

علبة الدواء.

فتحها بصعوبة بسبب ارتجاف أصابعه، ثم وضع الحبة تحت لسانه وأغلق عينيه بقوة.

تنفس.

ببطء.

كما علّمه الطبيب.

لكن المشكلة لم تكن في قلبه وحده.

بل في الخوف.

ذلك النوع القديم من الخوف الذي يعرفه جيدًا.

الخوف الذي يسبق شعوره بأن جسده قد يخونه فجأة.

منذ سنوات، أصبح سامر يخاف من الأماكن المغلقة.

ليس بشكل مباشر أو واضح، لكنه تعلم أن يتجنبها دون أن يعترف لنفسه بذلك.

المصاعد.

الأنفاق.

الغرف الضيقة.

أي مكان يشعر فيه أن الهواء محدود.

بدأ ذلك بعد أول انهيار حقيقي له.

كان في الثانية والعشرين حينها، داخل قطار مزدحم أثناء عودته من الجامعة.

تذكر اللحظة بدقة مرعبة حتى الآن:

الضوء الأبيض القاسي.

الوجوه المتلاصقة.

ثم تلك الضربة المفاجئة داخل صدره.

في البداية ظن أنها نوبة هلع.

ثم بدأ قلبه يضرب بعنف غير طبيعي.

يتسارع… ثم يتباطأ… ثم يقفز بشكل مؤلم.

سقط وقتها أرضًا أمام الجميع وهو يحاول التقاط الهواء كالغريق.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يثق بقلبه تمامًا.

ولا بجسده.

فتح عينيه ببطء داخل المصعد.

الصوت بالخارج اختفى.

لا خطوات.

لا حركة.

فقط الطنين الكهربائي الخافت للإضاءة.

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم رفع رأسه نحو الشاشة الصغيرة.

الخط الأفقي اختفى.

الرقم عاد مجددًا:

8

اهتز المصعد فجأة، ثم أكمل نزوله وكأن شيئًا لم يحدث.

7…

6…

5…

وقف سامر في مكانه محاولًا استيعاب ما حدث.

ربما سمع خطأ.

ربما النوبة أثرت على سمعه.

ربما…

لكن الفكرة الأخيرة ظلت ثابتة داخله رغم كل شيء:

ذلك الصوت عرف اسمه.

عندما وصل إلى الطابق الأرضي، خرج بسرعة أكبر مما أراد إظهاره.

كان الهواء في الردهة باردًا بشكل غريب.

الحارس عاد إلى مكانه خلف المكتب، يقرأ صحيفته القديمة بصمت.

رفع عينيه نحو سامر فور خروجه من المصعد.

ولثانية قصيرة جدًا…

شعر سامر أن الرجل يعرف.

يعرف أن شيئًا حدث.

اقترب منه بخطوات مترددة.

“المصعد توقف بين الطوابق.”

لم يبدُ على الحارس أي اندهاش.

“قديم.”

“سمعت شخصًا بالخارج.”

هذه المرة رفع الحارس نظره بالكامل نحوه.

الصمت طال قليلًا.

ثم قال بهدوء: “هل فتح الباب؟”

“لا.”

أومأ الرجل ببطء شديد.

وكأنه ارتاح لسماع ذلك.

جلس سامر أمام المكتب دون دعوة، يحاول تهدئة أنفاسه.

لاحظ الحارس أخيرًا شحوب وجهه.

“قلبك؟”

رفع سامر رأسه نحوه متفاجئًا.

“كيف عرفت؟”

أشار الرجل نحو يده المرتجفة قليلًا.

“الناس اللي يخافون من الموت… يختلف شكلهم.”

سكت سامر.

ثم قال بصوت منخفض: “أنا لا أخاف الموت.”

ابتسم الحارس ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.

“كل المرضى يقولون ذلك.”

عاد سامر إلى شقته بعد دقائق طويلة.

لكن شيئًا داخله تغيّر منذ تلك اللحظة.

الخوف لم يعد مجرد توتر غامض من عمارة قديمة.

بل أصبح شخصيًا مباشرًا.

لأن الشيء الذي سمعه لم يكن مجهولًا تمامًا.

كان قريبًا منه بشكل مخيف.

في المساء، حاول أن يشغل نفسه بأي شيء.

فتح الحاسوب.

شاهد مقاطع عشوائية.

قرأ أخبارًا بلا تركيز.

لكن انتباهه كان ينكسر كل بضع دقائق باتجاه الباب.

ومع كل ساعة تمر، بدأ شعور ثقيل يعود ببطء:

إحساس الترقب.

كأن الليل نفسه يقترب.

عند التاسعة تقريبًا، بدأت النوبة الثانية.

أقوى من الصباح.

كان واقفًا في المطبخ عندما شعر بالضربة المفاجئة داخل صدره.

توقف فورًا ممسكًا حافة الطاولة.

ثم جاء الألم.

حاد.

عميق.

يمتد نحو الكتف والفك.

تسارع النبض بعنف حتى بدأ يسمعه داخل أذنيه.

حاول التنفس ببطء لكنه شعر أن الهواء لا يدخل كاملًا.

الذعر بدأ يتسلل فورًا.

ليس لأنه يتألم…

بل لأنه يعرف هذا الإحساس.

ذلك الإحساس المرعب الذي يسبق فقدان السيطرة.

جلس بصعوبة على الأرض.

أخذ دواءه مرة أخرى.

أغمض عينيه.

عدّ النبضات.

واحد…

اثنان…

ثلاثة…

لكن قلبه لم يهدأ بسرعة هذه المرة.

ثم سمعه.

دينغ.

صوت المصعد.

رفع سامر رأسه فورًا.

لا…ليس الآن.

ليس وهو بهذه الحالة.

حاول إقناع نفسه بأن يتجاهله.

لكن بعد ثوانٍ، سمع شيئًا أسوأ.

صوت المصعد يتحرك ببطء شديد.

يصعد.

طابق…

ثم آخر…

ويتوقف طويلًا عند كل رقم.

كما لو أن أحدًا يزور الطوابق واحدًا واحدًا.

1…

صمت.

2…

صمت أطول.

3…

ثم بدأ يقترب أكثر.

شعر سامر ببرودة حقيقية هذه المرة.

ليس خوفًا نفسيًا فقط.

بل إحساس جسدي كامل بأن شيئًا ما يصعد نحوه تحديدًا.

وصل المصعد أخيرًا إلى الطابق التاسع.

الصوت توقف.

ثم…

دينغ.

فتح الباب.

ساد صمت كامل في الممر.

سامر كان ما يزال جالسًا على أرض المطبخ، يتنفس بصعوبة، وعيناه معلقتان بالممر المؤدي إلى باب الشقة.

ثم بدأت الخطوات بطيئة ثقيلة قليلًا.

لكنها ليست خطوات شخص غريب هذه المرة.

بل خطوات يعرف إيقاعها.

خطواته هو.

توقف قلبه تقريبًا للحظة.

لأنه أدرك الحقيقة قبل أن يصل الشيء إلى الباب:

الذي بالخارج…

كان يمشي بنفس عرجه الخفيف الذي يظهر عند إرهاقه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة