الفصل 24

الفصل 24

10 0

تردّد صوت الطفل داخل المصعد مرة أخرى.

 “افتح الباب…”

لكن هذه المرة لم يكن الصوت بعيدًا.

بل قريبًا جدًا.

قريبًا لدرجة أن سامر شعر بأنفاسه تختلط برائحة الدخان الخارجة من المصعد.

تراجع خطوة كاملة للخلف، ويده فوق صدره، بينما بدأ قلبه يضرب بعنف جديد.

كل نبضة كانت مؤلمة ثقيلة.

كأن جسده يحاول الهروب قبل عقله.

أما الحارس…

فقد تغيّر وجهه بالكامل.

لم يعد يبدو هادئًا أو غامضًا.

بل مرعوبًا حقيقيًا.

تقدم بسرعة نحو لوحة الكهرباء القديمة قرب المصعد وبدأ يضغط الأزرار بعنف.

الأنوار في البهو ومضت بشكل هستيري.

لكن أبواب المصعد استمرت بالانفتاح ببطء.

والدخان يزداد كثافة.

شعر سامر بحرارة ترتفع تدريجيًا في المكان.

في البداية ظنها وهمًا.

لكن بعد ثوانٍ بدأ العرق يظهر فعلًا على جبينه.

الهواء أصبح خانقًا وثقيلًا.

كأن العمارة نفسها بدأت تختنق بالحريق القديم.

ثم سمع أصواتًا أخرى داخل الدخان.

صرخات متعددة.

أصوات ارتطام.

وبكاء بعيد.

الماضي لم يعد مجرد ذكرى.

بل بدأ يتسرّب إلى الحاضر حرفيًا.

قال الحارس بصوت مرتفع:

 “لا تنظر داخل المصعد!”

لكن سامر فعل.

ورأى المستشفى.

ليس انعكاسًا.

ولا وهمًا.

بل الممر الحقيقي من عام 1987.

الأضواء الحمراء تدور فوق السقف.

الدخان يملأ المكان.

والناس يركضون في الخلفية وهم يصرخون.

ثم رأى المصعد القديم متوقفًا بين الطوابق…

والأبواب نصف مفتوحة.

شعر بالدوار فورًا.

الذكرى لم تعد مجرد صورة داخل رأسه.

بل مكانًا كاملًا عاد إليه.

بدأ يسمع الأصوات كما لو أنه يقف هناك فعلًا.

أجهزة إنذار الحريق.

صراخ المرضى.

السعال.

ثم…صوت قلبه.

سريع جدًا.

فوضوي جدًا.

وفجأة…رأى نفسه.

الشاب القديم داخل المصعد.

يجلس على الأرضية وهو يلهث بعنف.

وجهه مغطى بالعرق والدخان.

وعيناه مليئتان بالرعب الشديد

كان يضغط على صدره ويصرخ:

 “لن أموت هنا… أرجوكم… لا…”

شعر سامر بأن شيئًا انكسر داخله.

لأنه رأى الحقيقة أخيرًا دون تشويه.

ذلك الشخص لم يكن شريرًا.

بل إنسانًا مذعورًا جدًا.

مرعوبًا من النهاية.

ثم رأى الطفل.

كان حيًا وقتها.

يبكي قرب والدته المختنقة بالدخان.

الممرضة تحاول فتح الباب المعدني بيديها المرتجفتين.

أما هو…

فلم يساعدهم.

لم يستطع.

كان غارقًا تمامًا في رعبه الشخصي.

بدأ سامر يرتجف.

“أنا… تركتهم…”

الحارس لم ينظر إليه.

بل بقي يراقب المصعد بخوف.

 “لم يكن لديك وقت.”

“لا… أنا…”

اختنق صوته.

“كنت أفكر بنفسي فقط…”

ثم حدث الشيء الذي لم يتوقعه.

داخل الذكرى…

رفع الشاب القديم رأسه فجأة.

ونظر مباشرة إلى سامر الواقف في الحاضر.

كأنه يراه.

ثم بدأ يصرخ نحوه:

 “ساعدني!”

تجمّد سامر بالكامل.

الحدود بين الماضي والحاضر بدأت تختفي.

الحارس أمسكه بعنف من ذراعه.

 “لا تقترب!”

لكن سامر بالكاد كان يسمعه.

لأن شيئًا داخله انفتح بالكامل الآن.

بدأ يتذكر كل شيء.

اللحظة الأخيرة داخل المصعد.

حين توقف قلبه لأول مرة.

حين شعر بالعالم يتشوّه حوله.

وحين ظهر الرقم 13 داخل الظلام.

في تلك اللحظة…

لم يكن يريد النجاة فقط.

بل رفض الموت تمامًا.

ورفضه العنيف هذا…

كان سبب ظهور الباب.

بدأت الأرض تهتز بعنف أكبر.

الدخان خرج إلى البهو بالكامل الآن.

وأجهزة إنذار العمارة بدأت تعمل وحدها.

لكن المشكلة…

أن أصوات الإنذار لم تكن حديثة.

بل قديمة ومشوشة، كأنها تأتي من الثمانينات.

صرخ الحارس:

“اسمعني جيدًا! إذا اكتملت الذكرى، سيصبح الحريق حقيقيًا هنا أيضًا!”

رفع سامر رأسه بصعوبة.

“كيف نوقفه؟!”

صمت الرجل للحظة.

ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد داخل سامر:

 “يجب أن تنهي اللحظة التي بدأت كل شيء.”

“كيف؟!”

اقترب الحارس منه.

والدخان يحيط بهما.

“في كل مرة كنت تهرب.”

“ماذا؟”

“كل دورة… كل حياة… كنت تهرب من الحقيقة نفسها.”

شعر سامر بألم حاد في صدره.

“أي حقيقة؟”

نظر الحارس مباشرة في عينيه.

 “أنك كنت مستعدًا لترك الجميع يموتون مقابل أن تعيش.”

الكلمات ضربته بعنف.

لأنها صحيحة.

حتى الآن، كل خوفه كان متمحورًا حول نفسه.

قلبه.

موته.

ألمه.

حتى حين عاد من الباب…

كان يريد النجاة فقط.

أما الآخرون العالقون داخله؟

لم يفكر بهم حقًا.

ثم جاء الصوت مجددًا من داخل المصعد.

الطفل.

هذه المرة كان أضعف.

أكثر اختناقًا.

“أرجوك…”

شعر سامر أن قلبه يتمزق.

وفجأة فهم ما يعنيه الحارس.

الباب لم يكن يريد الدم أو الأرواح.

بل التكرار.

إعادة لحظة الخوف والأنانية والهرب نفسها مرارًا.

ولهذا لم يُغلق أبدًا.

لأن اللحظة الأصلية نفسها لم تتغير قط.

بدأت النيران تظهر فعلًا داخل الممرات.

ليست أوهامًا هذه المرة.

اللهب انعكس على الجدران الحقيقية للعمارة.

وأصوات السكان بدأت ترتفع من الطوابق العليا.

الناس يفتحون أبوابهم مذعورين بسبب الدخان.

الحريق ينتقل.

نظر الحارس إلى سامر للمرة الأخيرة.

وعيناه مليئتان بشيء يشبه الرجاء.

“إذا أردت إغلاق الباب… عليك العودة إلى الليلة الأولى.”

“وإذا فشلت؟”

ساد الصمت للحظة.

ثم أجاب:

“فلن تبقى هناك حدود بين الحريق والعالم الحقيقي بعد الآن.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة