الفصل27

الفصل27

5 0

بقيت يد سامر فوق صدر نسخته القديمة بينما المصعد يهتز بعنف حولهما.

الحرارة أصبحت لا تُحتمل.

الدخان يملأ الرئتين حتى صار كل نفس مؤلمًا كابتلاع النار نفسها.

لكن النسخة القديمة لم تنظر إلى الطفل.

ولا إلى الممرضة.

بل بقيت تحدق بسامر فقط، بعينين منهارتين تمامًا.

عينَي إنسان وصل إلى أقصى حدود الرعب الممكنة.

همس الشاب بصوت متقطع:

 “أنا لا أريد أن أختفي…”

خرجت الجملة مثل اعتراف 

ليس عن الموت فقط بل عن الفناء.

عن ذلك الرعب البدائي الذي يختبئ داخل كل إنسان: أن ينتهي ويمحى وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

شعر سامر بأن الكلمات تضربه في مكان عميق جدًا داخله.

لأنه عاش بهذا الخوف سنوات طويلة دون أن يسميه.

طوال مرضه…

لم يكن يخشى الألم فقط.

بل فكرة أن يصبح مجرد ذكرى قصيرة في حياة الآخرين.

أن تتوقف نبضاته ثم يستمر العالم بدونه ببساطة.

ولهذا كان يتمسك بالحياة بعنف دائم.

ولهذا فتح الباب أول مرة.

بدأت أبواب المصعد ترتجف بقوة.

والأنوار الحمراء فوق السقف تومض بجنون.

أما الأصوات داخل الجدران…

فصارت أعلى.

النسخ الأخرى بدأت تصرخ معًا:

 “لا تتركه!”

 “إذا رحل سنختفي!”

“ابقَ معنا!”

شعر سامر أن المصعد نفسه حي.

كأنه يتغذى على هذا الخوف 

الطفل خرج أخيرًا من الفتحة الضيقة مع والدته.

الممرضة سحبتهما بصعوبة إلى خارج المصعد.

لكنها حين التفتت عائدة نحو سامر…

توقفت.

لأن شيئًا تغير داخل المصعد.

الظلال بدأت تظهر على الجدران.

وجوه كثيرة.

وجوه الأشخاص الذين ماتوا هناك.

بعضهم كان يبكي.

بعضهم يصرخ.

وبعضهم يحدق بسامر بصمت مخيف.

لكنهم جميعًا بدوا عالقين داخل اللحظة نفسها.

كأن الزمن لم يسمح لهم بالوصول إلى النهاية.

صرخت الممرضة:

“اخرج الآن!”

لكن سامر بقي مكانه.

لأنه فهم أخيرًا ما الذي يريده الباب فعلًا.

ليس الأرواح.

ولا الموت.

بل الرفض.

رفض النهاية.

رفض الرحيل.

كل شخص يبقى متشبثًا بخوفه يتحول إلى جزء منه.

نظر سامر إلى نسخته القديمة مجددًا.

الشاب يرتجف بالكامل الآن.

والدموع مختلطة بالسخام على وجهه.

ثم قال بصوت ضعيف جدًا:

 “إذا تركت الباب… ماذا سيبقى مني؟”

ساد الصمت للحظة.

حتى الحريق بدا أبعد.

أجاب سامر أخيرًا:

 “الذي عاش.”

الشاب لم يفهم.

أما سامر…

فبدأ يفهم نفسه لأول مرة.

الإنسان لا يبقى لأنه رفض الموت.

بل لأنه عاش فعلًا قبل أن يصل إليه.

أما هو…

فقضى سنوات يراقب النهاية حتى نسي الحياة نفسها.

تذكر أشياء صغيرة جدًا فجأة:

صوت ضحكة والدته حين كان طفلًا.

المطر على نافذة غرفته.

أول مرة خرج من المستشفى بعد عملية ناجحة.

شعور الشمس على وجهه بعد ليلة طويلة من الخوف.

أشياء بسيطة.

لكنها حقيقية.

أكثر حقيقة من الرعب.

ثم أدرك شيئًا آخر.

كل النسخ الأخرى منه…

لم تكن فاشلة لأنها ماتت.

بل لأنها لم تستطع التخلي عن خوفها أبدًا.

ولهذا بقيت عالقة.

ولهذا استمرت الدورة.

بدأت أرضية المصعد تتشقق.

اللهب صار يدخل من الفتحات.

والحرارة أصبحت جحيمية.

صرخت الممرضة من الخارج مجددًا:

“سينهار!”

لكن النسخة القديمة أمسكت سامر بقوة فجأة.

“إذا تركتني… سأموت وحدي…”

شعر سامر بأن قلبه يتمزق.

لأن هذه لم تكن مجرد نسخة.

بل الجزء الأكثر خوفًا داخله.

الجزء الذي ظل يصرخ طوال حياته.

اقترب سامر أكثر.

ثم احتضن نسخته القديمة فجأة.

تجمد الشاب بالكامل.

حتى الأصوات داخل الجدران صمتت للحظة.

قال سامر بهدوء رغم النار حولهما:

“أنت متعب فقط.”

بدأ الشاب يرتجف بعنف أكبر.

ثم انهار باكيًا.

بكاء طفل مرعوب أخيرًا وجد من يسمعه.

وفي تلك اللحظة…حدث شيء غريب.

الأصوات بدأت تختفي تدريجيًا.

الوجوه على الجدران بدأت تتلاشى.

حتى الحرارة نفسها خفت قليلًا.

كأن الباب فقد شيئًا كان يُبقيه مفتوحًا.

ثم سمع سامر صوت الحارس بعيدًا جدًا، كأنه يأتي من نهاية نفق طويل:

 “الآن… دعه يرحل.”

أغلق سامر عينيه للحظة.

شعر بنبض قلبه.

ضعيف.

متعب.

لكنه هادئ لأول مرة منذ سنوات.

ثم همس في أذن نسخته القديمة:

 “لا بأس…”

رفع الشاب رأسه ببطء.

وعيناه لم تعودا مذعورتين كما قبل.

بل مرهقتين فقط متعبتين جدًا.

ثم سأل بصوت صغير:

“هل سنموت؟”

نظر سامر إلى النار حولهما.

ثم ابتسم ابتسامة حزينة وهادئة.

 “نعم…”

ساد الصمت للحظة.

ثم أضاف:

“لكن ليس وحدنا.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة