توقّف الصوت الطويل لجهاز المراقبة كأنه سحب الهواء من الغرفة دفعة واحدة.
الخط الأخضر تمدّد على الشاشة باستقامة باردة.
لا صعود.
لا هبوط.
فقط خط ثابت.
لكن قلب سامر لم يكن ثابتًا.
كان هناك شيء داخله ينهار ببطء، لا يُسمّى موتًا بعد… لكنه لم يعد حياة أيضًا.
شعر بثقل كامل يضغط على صدره، كأن كل الذكريات، وكل الخوف، وكل النوبات السابقة اجتمعت في نقطة واحدة داخل جسده.
وحين حاول أن يصرخ…
لم يخرج الصوت.
النسخة الأخرى كانت ما تزال تمسك كتفيه بقوة.
لكن قبضتها لم تعد تشبه محاولة إنقاذ.
بل كانت تشبه تثبيت شخص على حافة السقوط.
قالت بصوت منخفض جدًا، كأنه يخرج من مكان بعيد داخل الزمن:
“لا تقاوم الآن… المقاومة هي ما يعيده.”
رفع سامر عينيه بصعوبة.
“يعيده…؟”
لم يحصل على إجابة.
لأن الباب كان قد اختفى بالكامل.
أو بالأصح… لم يعد بابًا.
بل صار فتحة مظلمة، تقف خلفها العمارة.
الممر القديم.
الإضاءة الصفراء.
وأرضية المصعد المفتوحة في نهاية الطريق.
بدأت الحرارة تنخفض داخل الغرفة بسرعة غير طبيعية.
حتى أنفاس سامر خرجت كبخار خفيف.
شعر برجفة قوية تمر في جسده كله.
لم تكن رجفة خوف فقط…
بل انهيار جسدي حقيقي.
القلب لم يعد يضرب بشكل منتظم.
بل بشكل متقطع، كأنه يحاول أن يتذكر وظيفته.
ثم جاء الألم.
ليس ألمًا حادًا هذه المرة.
بل إحساس عميق جدًا، كأن قلبه يُسحب ببطء بعيدًا عن مكانه الطبيعي.
النسخة الأخرى اقتربت أكثر من وجهه.
كانت عيناها مرهقتين بشكل لا يُحتمل.
وفيها شيء يشبه الاستسلام.
قالت:
“أنت لا تفهم… كل مرة تصل فيها إلى هنا، تحاول أن تختصر الطريق.”
“أي طريق؟…”
لكن صوته انكسر.
الكلمات خرجت ضعيفة، متقطعة، كأن الهواء لا يكفي لصياغتها.
ثم سمع مجددًا.
الصوت الذي لا ينتمي إلى الغرفة.
صوته هو.
من الممر.
قريب جدًا.
“سامر… انتهى الوقت.”
رفع رأسه بصعوبة نحو الفتحة ورآه.
هذه المرة لم يكن مجرد ظل أو انعكاس.
بل هو.
لكن ليس نسخة واحدة.
بل عدة نسخ.
تقف في الممر الواحد.
بدرجات مختلفة من الانهيار: واحد واقف.
آخر على ركبتيه.
ثالث يزحف ببطء.
ورابع… لا يتحرك أصلًا.
كأن كل احتمال لحياته موجود هناك.
مقسوم أمامه.
بدأ سامر يفقد الإحساس بأطرافه تدريجيًا.
اليد اليمنى لم تعد تستجيب.
ثم اليسرى.
حتى أصابعه أصبحت ثقيلة كأنها ليست جزءًا منه.
تنفسه أصبح سطحيًا جدًا.
كل شهيق يبدو كأنه الأخير.
والغريب…
أنه لم يعد يشعر بالخوف كما في البداية.
بل بشيء آخر.
تعب.
تعب عميق جدًا يشبه الاستسلام الطويل.
قالت النسخة القريبة منه بصوت أخف:
“أنت لم تدخل المصعد هذه المرة فقط… أنت دخلت الحلقة بشكل كامل.”
“حلقة…؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة جدًا.
“كل مرة تموت فيها هناك… تعود هنا، لكنك لا تعود أنت بالكامل.”
شعر سامر بأن وعيه يتشقق.
كأن الكلمات نفسها تمزق فهمه للواقع.
اقتربت منه النسخة أكثر.
ووضعت يدها على صدره.
في اللحظة نفسها، شعر بانقباض قوي جدًا.
ليس ألمًا هذه المرة…
بل دفعة.
كأن قلبه يُعاد تشغيله قسرًا.
ثم قال الصوت من الممر مجددًا، لكن هذه المرة كان أقرب من أي وقت مضى:
“افتح الطابق.”
تغير كل شيء فجأة.
الممر أصبح واضحًا بالكامل أمامه.
المصعد مفتوح.
والرقم الأحمر ظهر على الشاشة مرة أخرى:
13
لكن أسفل الرقم…
بدأت أرقام أخرى تظهر ببطء.
12
11
10
9…
كأن المصعد لا يصعد ولا ينزل.
بل يعيد ترتيب الزمن نفسه.
شعر سامر بأن جسده يُسحب نحو الأمام.
رغم أنه لا يتحرك.
الغرفة خلفه بدأت تختفي تدريجيًا.
والنسخة الأخرى بدأت تذوب ببطء، كأنها مجرد أثر صوتي داخل ذاكرته
وقبل أن تختفي تمامًا، همست:
“إذا استيقظت هذه المرة… لا تحاول الدخول مجددًا.”
ثم اختفت.
الآن كان وحده.
لكن ليس في غرفة.
بل على عتبة المصعد.
الهواء ثقيل.
والضوء أصفر قاتم.
وصوته الداخلي أصبح واضحًا بشكل مرعب.
نبضه… بطيء جدًا.
كأنه يختار التوقف.
ثم سمع آخر شيء.
صوت جهاز بعيد… حقيقي… من العالم الآخر.
بيب… بيب…
لكن هذه المرة كان ضعيفًا.
ينطفئ تدريجيًا.
رفع سامر عينيه ببطء شديد نحو المصعد.
وبدون أن يتحرك جسده…
دخل الضوء أُغلق.
والباب بدأ يُغلق خلفه.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن ينغلق تمامًا…
لم يعد هناك 13.
بل رقم واحد فقط على الشاشة:
0
ثم…
سقط كل شيء في الصمت
Jumana||جمانة