الفصل 19

الفصل 19

12 0

بقي سامر محدقًا في شاشة جهاز القلب لعدة ثوانٍ دون أن يرمش.

الرقم اختفى بسرعة.

عاد كل شيء طبيعيًا.

نبضه: 82

الأكسجين: مستقر.

الصوت المنتظم للجهاز عاد هادئًا.

لكن سامر شعر بالبرد ينتشر ببطء داخل معدته.

لأنه لم يخطئ رآه بوضوح.

13

ليس كخلل عابر.

بل كشيء ينظر إليه للحظة… ثم يختفي حين ينتبه له.

لم ينم بقية الليل.

كلما أغمض عينيه رأى أبواب المصعد تنغلق مجددًا.

سمع صوت النسخ الأخرى.

ورأى ذلك الشيء الزاحف بعينيه السوداوين وفمه المفتوح بلا صوت.

لكنه هذه المرة بدأ يفكر بطريقة مختلفة.

هناك شيء لم يفهمه بعد.

شيء أخفاه الحارس.

إذا كان كل ما رآه مجرد اقتراب من الموت…

فلماذا تكرر؟

ولماذا بدت العمارة وكأنها تعرفه مسبقًا؟

في الصباح، دخل الطبيب ليتفقده.

رجل نحيل في أواخر الخمسينات، شعره الرمادي مرتب بعناية، وصوته هادئ أكثر من اللازم.

راجع الملف الطبي طويلًا قبل أن ينظر إلى سامر.

“كيف تشعر اليوم؟”

أجاب سامر بعد تردد:

“كأنني عدت من مكان بعيد.”

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة باهتة.

لكنها لم تصل إلى عينيه.

قال سامر فجأة:

“كم دقيقة توقف قلبي؟”

رفع الطبيب نظره إليه.

“ثلاث دقائق تقريبًا.”

تجمد سامر.

“فقط؟”

“فقط؟”

كرر الطبيب الكلمة ببطء.

ثم أغلق الملف.

“بالنسبة للقلب… ثلاث دقائق ليست وقتًا قليلًا.”

لكن سامر لم يكن يسأل عن الطب.

لأن ما عاشه بدا أطول من ذلك بكثير.

أيامًا… أو ربما أكثر.

بعد خروج الطبيب، بقيت الجملة تدور في رأسه:

 “إذا عاد قلبك بالكامل… سيغلق الباب.”

لكن الباب لم يُغلق.

أو على الأقل… لم يختفِ تمامًا.

وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:

جزء منه ما يزال هناك.

في المساء، طلب الذهاب إلى الحمام وحده رغم اعتراض الممرضة.

وقف بصعوبة جسده ما يزال ضعيفًا جدًا.

كل خطوة تجعل الألم يعود إلى صدره كتحذير.

خرج ببطء إلى ممر المستشفى.

الإضاءة بيضاء الهواء بارد.

والهدوء ثقيل بصورة مزعجة.

ثم رآه في نهاية الممرالمصعد.

توقف فورًا.

باباه مغلقان طبيعيان تمامًا.

فولاذ لامع.

لا شيء غريب.

لكن قلبه بدأ يتسارع رغم ذلك.

بدأت أنفاسه تضيق.

ليس بسبب المرض فقط…

بل لأن جسده يتذكر.

حتى قبل أن يفكر عقله.

اقترب ببطء شديد.

شعر بالعرق البارد على ظهره.

وفي كل خطوة…

كان يسمع صدى اصوات بعيدة داخل رأسه:

 “لا تبدأ من جديد…”

“لا تصعد…”

 “لقد مت هنا…”

توقف أمام لوحة الطوابق.

الأرقام طبيعية.

1

2

3

4…

لا يوجد 13.

تنفس ببطء.

مجرد مصعد.

مجرد خوف متبقٍ.

رفع يده المرتجفة وضغط زر الاستدعاء.

جاء الصوت فورًا.

دينغ.

شعر بقلبه ينقبض بعنف.

ثم انفتح الباب فارغ.

لا ظلال.

لا ظلام.

فقط مصعد مستشفى عادي.

لكنه لاحظ شيئًا صغيرًا جدًا.

في زاوية المرآة المعدنية…

انعكاس إضافي.

شخص يقف خلفه.

استدار بعنف.

لا أحد.

عاد ينظر إلى المرآة الانعكاس اختفى.

لكن أنفاسه لم تعد طبيعية.

ضغط يده على صدره محاولًا تهدئة قلبه.

ثم بدأت الأبواب تُغلق ببطء.

وفجأة…

قبل أن تنطبق تمامًا…

توقف المصعد وحده.

ثم انفتح مجددًا بدون سبب.

وفي الشاشة الصغيرة فوق الباب ظهر رقم واحد فقط.

0

تراجع سامر خطوة كاملة.

الهواء اختفى من رئتيه.

لا يوجد طابق صفر في هذا القسم.

كان يعرف ذلك.

نظر حوله بسرعة.

الممر خلفه طبيعي.

الممرضات يتحركن بعيدًا.

أصوات الأجهزة موجودة.

إذن لماذا…

لماذا يشعر أن شيئًا يقف داخل المصعد يراقبه الآن؟

ثم جاء الصوت.

هادئ جدًا ضعيف جدًا.

لكن واضح.

صوته هو.

 “أنت تركت الباب مفتوحًا.”

تجمد سامر بالكامل.

“من هناك؟”

لا جواب.

فقط الإضاءة داخل المصعد بدأت تخفت ببطء.

ثم ظهر الرقم:

13

واختفى فورًا.

ركض سامر للخلف فورًا.

الألم انفجر داخل صدره بسبب الحركة المفاجئة.

اصطدم بالجدار وهو يلهث بعنف.

الممرضة القريبة التفتت نحوه بقلق.

“سيد سامر؟!”

أشار بيد مرتجفة نحو المصعد.

“هل… هل رأيتِ الرقم؟!”

نظرت الممرضة باستغراب.

“أي رقم؟”

التفت سامر مجددًا.

المصعد عاد طبيعيًا.

الرقم 4 ظاهر فوقه.

الباب مغلق لا شيء.

أعادوه إلى غرفته بعد أن ظنوا أنه تعرض لنوبة هلع.

لكنه كان يعرف.

هذه ليست هلوسة فقط.

الشيء لم ينتهِ معه داخل ذلك العالم.

بل تبعه.

لكن ليس بالكامل.

وكأنه يحاول فتح الباب مجددًا من الجهة الأخرى.

في منتصف الليل، بينما كانت والدته نائمة على الكرسي قرب النافذة

جلس سامر وحده يراقب انعكاسه في زجاج الغرفة.

كان شاحبًا.

مرهقًا.

لكنه حي.

أو قريب من ذلك.

ثم لاحظ شيئًا جعل الدم يبرد داخله ببطء.

انعكاسه…تأخر

جزء صغير جدًا من الثانية.

ابتلع ريقه بصعوبة.

ثم رفع الانعكاس رأسه نحوه ببطء…

وابتسم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة