تجمد سامر في مكانه تمامًا.
الخطوات خارج الشقة استمرت ببطء ثابت، قادمة عبر الممر كما لو أن صاحبها يعرف المكان جيدًا… يعرف عدد الخطوات بين المصعد وباب شقته تحديدًا.
خطوة.
ثم سكون قصير.
ثم أخرى.
كان يسمع الاحتكاك الخفيف ذاته الذي يصدره حذاؤه عندما يجر قدمه اليمنى قليلًا أثناء التعب.
ذلك العرج البسيط الذي اكتسبه منذ أشهر بسبب الإرهاق المتكرر وضعف الدورة الدموية.
شيء لا ينتبه له معظم الناس.
لكنه انتبه له الآن.
لأن الصوت بالخارج كان صوته هو.
بدأ الألم في صدره يزداد بعنف.
شعر وكأن قلبه يحاول الضرب بإيقاعين مختلفين في الوقت نفسه.
نبضة سريعة…
ثم فراغ طويل ومخيف.
ثم قفزة قوية تؤلمه حتى في حلقه.
ضغط سامر كفه على صدره بقوة حتى بدأت أصابعه ترتجف.
التنفس أصبح أصعب.
ليس بسبب المرض وحده هذه المرة، بل لأن الخوف نفسه بدأ يغلق صدره تدريجيًا.
الذعر دائمًا كان عدوه الأسوأ.
الأطباء أخبروه بذلك مرارًا:
“القلب المرهق لا يتحمل الخوف جيدًا.”
لكنه لم يعرف يومًا كيف يمنع نفسه من الخوف.
وصلت الخطوات أخيرًا إلى باب الشقة.
ثم توقفت.
ساد الصمت صمت طويل جدًا.
شعر سامر أن العمارة كلها توقفت معه.
لا صوت مواسير.
لا مصعد.
لا ريح خلف النافذة.
حتى الكهرباء بدت ساكنة.
ثم…
طرق مرة واحدة فقط.
خفيفة جدًا.
لكن داخل رأسه بدت كأنها ضربة مباشرة على قلبه.
أغلق عينيه فورًا.
بدأ يعد أنفاسه مجددًا محاولًا منع النوبة من الانفجار بالكامل.
لكنه فجأة سمع صوتًا خلف الباب.
صوته.
هادئ… ومتعب… ومبحوح قليلًا.
“افتح يا سامر…”
شعر بالقشعريرة تمتد في ذراعيه فورًا.
الصوت لم يكن يقلده.
بل كان يتحدث بنفس طريقته فعلًا.
نفس التردد الخفيف بين الكلمات.
نفس النفس المتعب.
ثم قال الصوت مجددًا:
“أنا أعرف إنك هناك.”
فتح سامر عينيه ببطء.
رأسه بدأ يدور قليلًا بسبب اضطراب النبض.
أراد أن يرد.
أن يسأل من بالخارج.
لكنه لم يستطع إجبار صوته على الخروج.
ثم حدث شيء أسوأ.
الصوت خلف الباب بدأ يسعل.
سعالًا جافًا ومتقطعًا.
السعال نفسه الذي يصيب سامر بعد كل نوبة قلب قوية.
تراجع سامر للخلف فورًا حتى اصطدم بالجدار.
يده المرتجفة ما زالت فوق صدره بينما بدأ عقله يدخل تلك المنطقة الخطيرة بين المنطق والذعر.
كيف يمكن لشخص أن يعرف ذلك؟
كيف يمكن لصوت أن يقلده بهذا الشكل؟
ثم سمع الجملة التي جمدت الدم داخله:
“القلب يؤلمك الآن… صحيح؟”
اتسعت عينا سامر فورًا.
بدأ الهواء يختفي من رئتيه تدريجيًا.
في تلك اللحظة، لم يعد يشعر أن ما يحدث مجرد مزحة مريضة أو هلوسة بسبب التعب.
كان هناك شيء بالخارج يعرفه.
يعرفه بطريقة لا ينبغي لأي شخص أن يعرفها.
أخذ هاتفه المرتجف بسرعة.
أراد الاتصال بالإسعاف.
أو بأي شخص.
لكن عندما فتح الشاشة، توقف.
الوقت على الهاتف كان: 12:13
ثابتًا.
الثواني لا تتحرك.
رفع رأسه ببطء نحو ساعة الحائط في غرفة المعيشة.
هي الأخرى متوقفة.
نفس الوقت.
12:13
شعر بالغثيان فورًا.
ثم عاد الصوت خلف الباب، أخفض هذه المرة:
“لا فائدة… الوقت لا يتحرك هنا عندما يصل المصعد.”
أغمض سامر عينيه بقوة.
كان يحاول التمسك بأي شيء منطقي أي تفسير.
لكن جسده بدأ ينهار تدريجيًا تحت الضغط.
العرق البارد يغطي عنقه.
أصابعه مخدرة قليلًا.
وقلبه…
لم يعد ينتظم أبدًا.
شعر للحظة حقيقية أن هذه قد تكون النهاية.
ليس بسبب الشيء خلف الباب…
بل لأن قلبه نفسه قد يتوقف قبل أن يفهم ما يحدث.
وفجأة…
اختفى الصوت تمامًا.
لا خطوات.
لا تنفس.
لا حركة.
مجرد صمت.
مرّت دقيقة كاملة قبل أن يجرؤ سامر على التحرك.
وقف بصعوبة شديدة مستندًا إلى الجدار، ثم بدأ يقترب من الباب ببطء.
كل خطوة كانت تجعل صدره يؤلمه أكثر.
حتى وصل أخيرًا إلى العين السحرية.
نظر الممر فارغ.
لكن المصعد…
كان مفتوحًا مجددًا.
وفي الداخل، كانت الإضاءة خافتة جدًا هذه المرة.
رمادية تقريبًا.
وفوق الباب ظهر الرقم:
13
ثم، ببطء شديد…
رأى شيئًا يتحرك داخل المصعد.
شخصًا يجلس في الزاوية الخلفية.
منحني الرأس.
يرتدي نفس ملابسه تمامًا.
توقف تنفس سامر للحظة.
اقترب أكثر من العدسة دون وعي.
الشخص داخل المصعد كان نحيلًا بشكل مرعب.
رأسه منخفض، ويداه ترتجفان فوق ركبتيه.
ثم رفع وجهه ببطء.
وشعر سامر وكأن الأرض اختفت تحته.
لأنه رأى نفسه.
لكن نسخة أسوأ.
شاحبة جدًا.
أكبر عمرًا.
وعيناها غارقتان بتعب مرعب، كأن ذلك الشخص لم ينم منذ سنوات.
ثم ابتسمت النسخة ببطء.
ابتسامة منهكة وحزينة أكثر من كونها مخيفة.
ورفعت يدها نحو باب المصعد…
كأنها تدعوه للدخول.
Jumana||جمانة