توقف سامر أمام باب المصعد المفتوح بينما الدخان يلتف حوله ككائن حي.
الحرارة خانقة.
أشد مما تخيله.
كل نفس كان يحرق حلقه ورئتيه.
لكن رغم ذلك…
لم يستطع إبعاد عينيه عن نسخته القديمة داخل المصعد.
ذلك الشاب لم يكن وحشًا.
ولا شبحًا.
بل إنسانًا محطمًا تمامًا.
يرتجف فوق أرضية المصعد المعدنية، ووجهه مبلل بالدموع والعرق، بينما أصابع يده تغرس نفسها في صدره كأنه يحاول الإمساك بقلبه الهارب.
أما الطفل…
فكان مستندًا إلى والدته شبه الفاقدة للوعي.
عيناه حمراوان من الدخان.
شفته السفلى ترتجف وهو يحاول ألا يبكي بصوت عالٍ.
الممرضة قرب الباب كانت تضرب الأزرار بلا فائدة.
ثم بدأت تحاول فتح الباب المعدني بيديها المرتجفتين.
لكن المصعد عالق.
لا يتحرك ولا يفتح أكثر.
قالت الممرضة وهي تسعل بعنف:
“أرجوك ساعدني!”
لكن النسخة القديمة من سامر بالكاد رفعت رأسها.
كان ينظر إلى السقف بعينين زائغتين وهو يلهث:
“قلبي… قلبي…”
شعر سامر الحالي بشيء يتمزق داخله.
لأنه فهم أخيرًا لماذا ظل الباب مفتوحًا طوال هذه العقود.
ليس بسبب الحريق وحده.
بل بسبب تلك اللحظة بالتحديد.
لحظة اختار فيها الخوف نفسه بدل أي شيء آخر.
لكن هل كان ذلك اختيارًا فعلًا؟
هذا السؤال ضربه بقوة.
حين يكون الإنسان على حافة الموت…
هل يبقى قادرًا على التفكير بغيره أصلًا؟
أم أن الرعب يسحق كل شيء؟
اقترب سامر خطوة من المصعد.
وفورًا…
التفتت نسخته القديمة نحوه بعنف.
وكأنها تراه فعلًا.
اتسعت عينا الشاب بذهول مرعب.
“أنت…”
ثم بدأ يبكي.
بكاء حقيقي.
منهار.
“أرجوك… لا تتركني أموت هنا…”
شعر سامر بالاختناق.
لأن الصوت كان صوته.
نفس نبرته حين ينهار تمامًا.
فجأة عاد الألم إلى صدره بقوة ساحقة.
ترنح للحظة.
قلبه الحالي بدأ يدخل في اضطراب حقيقي.
حتى هنا…
حتى داخل الماضي…
قلبه يطارده.
ثم سمع صوت الحارس داخل رأسه:
“ولا تصدق ما يقوله لك.”
رفع سامر رأسه ببطء.
وفهم.
الباب سيحاول إعادته إلى الخوف نفسه.
سيجعله يكرر اللحظة.
بدأت الإضاءة داخل الممر تخفت.
والدخان يزداد كثافة.
وسمع شيئًا آخر.
همسات كثيرة.
النسخ الأخرى منه.
أصواتهم خرجت من جدران المصعد نفسها:
“أنقذ نفسك…”
“أنت ستموت…”
“اتركهم واركض…”
بدأ قلبه يضرب بعنف أشد.
أصواتهم لم تكن مجرد إغراء.
بل ذكريات حقيقية لكل المرات التي هرب فيها سابقًا.
وفجأة…
بدأت أبواب المصعد تتحرك.
ببطء شديد تغلق.
صرخت الممرضة.
الطفل بدأ يبكي بذعر.
أما النسخة القديمة من سامر…
فقد أمسكت بذراع سامر الحالي فجأة.
يدها كانت حقيقية.
ساخنة.
وترتجف بعنف.
“لا تتركني…”
في تلك اللحظة رأى كل شيء.
كل الدورات السابقة.
كل الحيوات التي عاشها بخوف دائم.
كل المرات التي اقترب فيها من الموت وهو يهرب داخليًا.
حتى مرض قلبه الحالي…
لم يكن مجرد مرض جسدي.
بل ارتداد و امتداد للحظة الأولى التي تشقق فيها داخله شيء ما داخل هذا المصعد.
بدأ الباب يناديه.
ليس بصوت واضح.
بل بإحساس.
إغراء هائل بالاستسلام.
فكرة دافئة ومخيفة تقول له:
“اترك كل شيء… فقط ابقَ.”
وهنا فهم لماذا بقيت الأرواح عالقة.
لأن الباب لا يسجن الناس بالقوة.
بل يجعلهم يريدون البقاء.
شعر سامر بالتعب ينهار فوقه فجأة.
تعب سنوات كاملة.
الخوف.
الألم.
المستشفيات.
الانتظار.
كان جزء منه يريد فعلًا أن يستسلم.
أن يتوقف عن القتال.
ثم نظر إلى الطفل.
الصغير كان ينظر إليه مباشرة الآن.
بعينين ممتلئتين بالذعر والرجاء.
وفجأة…
تذكر والدته.
تذكر كيف كانت تبكي قرب سريره.
كيف بقيت تستيقظ كل ليلة لتطمئن أنه ما يزال يتنفس.
وشعر بشيء يعود إليه.
شيء لم يشعر به منذ زمن طويل جدًا.
الرغبة في العيش…
لكن ليس خوفًا من الموت.
بل لأن هناك من ينتظره.
صرخ سامر فجأة بأعلى صوته:
“افتح الباب!”
ثم اندفع نحو الأبواب المعدنية.
الممرضة ساعدته فورًا.
حاولا دفع الباب بكل قوتهما.
المعدن ساخن بشكل مرعب.
حتى إن جلده بدأ يحترق.
لكن الباب تحرك سنتيمترات إضافية.
الطفل بدأ يزحف للخارج.
والدته بالكاد تتحرك.
أما النسخة القديمة من سامر…
فظلت مكانها.
تحدق فيه بعينين غارقتين بالرعب.
ثم قالت شيئًا أخيرًا:
“إذا خرجوا… سأبقى وحدي…”
وهنا كان سامر يعرف الحقيقة الأخيرة.
الباب الحقيقي لم يكن المصعد.
بل ذلك الجزء داخله الذي أراد دائمًا النجاة وحده.
ولهذا بقيت الدورة مستمرة.
لأن نسخته الأولى ظلت متمسكة بالخوف… وترفض الرحيل.
بدأت النار تقترب من الممر بسرعة.
السقف فوقهم يصدر أصوات تشقق مخيفة.
والممرضة تصرخ:
“سينهار المكان!”
لكن سامر لم يتحرك.
بل انزل قدمه وانحنى قليلًا أمام نسخته القديمة مباشرة.
ورغم الدخان والحرارة…
تكلم أخيرًا بهدوء:
“أنا أعرف أنك خائف.”
بدأت دموع الشاب تنهمر بصمت.
“أعرف أنك لا تريد الموت.”
ثم اقترب أكثر.
ووضع يده فوق صدر نسخته المرتجفة.
“لكنهم خائفون أيضًا.”
Jumana||جمانة