الفصل3

الفصل3

17 0

ظل سامر واقفًا قرب الباب عدة ثوانٍ دون حركة.

عينه ما تزال معلقة على المشهد خلف العدسة الصغيرة.

الممر فارغ تمامًا.

الإضاءة الصفراء الثابتة تجعل الجدران تبدو أضيق مما هي عليه، بينما بقي باب المصعد مفتوحًا في نهاية الممر، ساكنًا بطريقة غير طبيعية.

لم يكن الأمر مخيفًا بوضوح.

وهذا ما جعله مزعجًا.

لو كان هناك صوت… حركة… شخص يقف في الداخل… لكان الأمر أسهل على عقله.

لكن الفراغ وحده جعل المشهد يبدو كأنه ينتظر شيئًا.

ابتعد أخيرًا عن الباب.

ثم عاد إلى السرير محاولًا إقناع نفسه بأن أحد السكان ربما نسي إغلاق المصعد أو عطّله أثناء الاستخدام.

تفسير بسيط طبيعي.

لكنه لم ينم بسهولة بعد ذلك.

استيقظ متأخرًا في اليوم التالي.

الضوء الرمادي المتسلل من خلف الستائر جعل الوقت يبدو أبكر مما هو عليه، لكنه عندما نظر إلى هاتفه وجد أن الساعة تجاوزت العاشرة صباحًا.

جلس ببطء على طرف السرير.

كان رأسه ثقيلًا، وقلبه ينبض بإيقاع مزعج غير منتظم.

تناول دواءه مع الماء البارد، ثم بقي للحظات ينظر نحو باب غرفة النوم.

لسبب لم يفهمه، تذكر المصعد فور استيقاظه.

وكأن جزءًا منه ظل مستيقظًا طوال الليل يراقب تلك اللحظة.

قرر أن يخرج لاستكشاف الحي قليلًا قبل أن يبدأ البحث عن عمل جديد.

أثناء نزوله، اختار السلالم بدل المصعد دون تفكير واعٍ.

وفي الطابق السابع تقريبًا، لمح باب شقة مفتوحًا نصف فتحة.

امرأة مسنة كانت تقف داخله، تنظر إليه بصمت.

توقفت عيناه عليها للحظة قصيرة.

كانت نحيلة جدًا، ترتدي ثوبًا داكنًا، وشعرها الأبيض مربوط بعناية خلف رأسها.

قال بأدب: “صباح الخير.”

لكنها لم تجب.

بل استمرت بالنظر إليه بطريقة أربكته قليلًا.

ثم قالت أخيرًا: “أنت الجديد.”

لم تكن جملة سؤال.

أومأ سامر بهدوء.

سكتت المرأة لحظة، ثم سألت: “أخذت الشقة 904؟”

“نعم.”

تغير شيء بسيط جدًا في ملامحها.

ليس خوفًا تمامًا…

بل نوع من التردد.

ثم قالت: “لا تفتح الباب إذا سمعت أحدًا ينادي اسمك ليلًا.”

قطب سامر حاجبيه فورًا.

“ماذا؟”

لكن المرأة أغلقت الباب بهدوء قبل أن يضيف شيئًا آخر.

خرج إلى الشارع وهو يشعر بانزعاج خفيف بدأ يتراكم داخله.

الحارس.

المصعد.

المرأة.

كل شخص في هذه العمارة يتحدث بطريقة ناقصة، وكأن الجميع يعرف شيئًا ولا يريد قوله كاملًا.

حاول تجاهل الأمر.

أمضى ساعتين يتنقل بين المتاجر والمقاهي الصغيرة باحثًا عن إعلان وظائف.

مدينة النوران بدت غريبة كلما سار أكثر داخلها.

الشوارع متشابهة بشكل مبالغ فيه.

بعض الأزقة أعادته لنفس المكان مرتين رغم أنه أقسم أنه اختار طرقًا مختلفة.

حتى الناس هنا يتحركون بهدوء غير مألوف، كأن المدينة كلها تعيش بسرعة أبطأ قليلًا من الطبيعي.

عاد قرب العصر وهو يشعر بإرهاق واضح.

عندما دخل الردهة، لم يجد الحارس هذه المرة.

المكتب كان فارغًا.

لكنه لاحظ شيئًا آخر.

لوحة صغيرة معلقة قرب المصعد.

لم ينتبه لها ليلة أمس.

كانت تحتوي أسماء الطوابق:

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

ثم فراغ.

لا يوجد 13.

شيء طبيعي طبعًا، كثير من المباني تتجاوز هذا الرقم.

لكن الغريب لم يكن ذلك.

بل وجود أثر خافت جدًا أسفل الرقم 12.

كأن لوحة معدنية أخرى كانت مثبتة هناك يومًا ما ثم نُزعت بعنف.

وقف سامر يحدق فيها للحظات.

ثم سمع صوتًا خلفه:

“بعض السكان اشتكوا من الرقم.”

التفت فورًا.

الحارس كان يقف خلفه دون أن يسمع خطواته.

سأله سامر: “تقصد 13؟”

هز الرجل رأسه ببطء.

“الناس هنا لا يحبون وجوده.”

“لكن لا يوجد أصلًا.”

رفع الحارس نظره نحو شاشة المصعد.

ثم قال بهدوء: “هذا يعتمد على الوقت.”

في تلك الليلة، حاول سامر أن يبقى مستيقظًا عمدًا.

جزء منه أراد أن يثبت لنفسه أن كل ما يحدث مجرد توتر بسبب الانتقال والتعب.

أعد قهوة وجلس في غرفة المعيشة يعمل على حاسوبه.

الساعة تجاوزت منتصف الليل بقليل.

صمت العمارة كان أثقل من الليلة السابقة.

حتى أن سامر بدأ يسمع صوت أنفاسه بوضوح.

ثم…سمع صوت

دينغ.

تجمدت أصابعه فوق لوحة المفاتيح.

صوت المصعد.

مرة أخرى لكن هذه المرة…

أعقبه شيء مختلف.

صوت احتكاك معدني طويل، كأن الأبواب لم تُفتح بشكل كامل.

ثم سكون مرّت ثوانٍ.

ثم سمع شيئًا آخر.

صوتًا خافتًا جدًا…

كأن أحدهم يتحدث داخل الممر.

لم يستطع تمييز الكلمات.

وقف ببطء القلب بدأ ينبض أسرع.

اقترب من الباب دون صوت ووضع عينه على العدسة.

في البداية لم يرَ شيئًا الممر فارغ.

لكن بعد ثانيتين أدرك المشكلة.

المصعد لم يكن في مكانه.

الفتحة الموجودة في آخر الممر كانت مظلمة بالكامل.

كأن المصعد غير موجود أصلًا.

شعر ببرودة تسري في ذراعيه.

ثم…

ظهر رقم فوق باب المصعد.

رقم أحمر خافت.

13

توقف تنفسه للحظة.

الرقم بقي ثابتًا عدة ثوانٍ.

ثم بدأت الأبواب تنفتح ببطء شديد.

ببطء غير طبيعي.

وكأن شيئًا ثقيلًا جدًا يقف خلفها.

شعر سامر فورًا بألم حاد في صدره.

تراجع خطوة غريزية، يده تضغط على قلبه.

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمصعد.

الأبواب لم تُفتح بالكامل بعد ومع ذلك…

كان متأكدًا أن هناك شخصًا يقف في الداخل.

ينظر مباشرة نحو شقته.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة