الفصل14

الفصل14

11 0

الصمت الذي تبع الرقم “0” لم يكن صمتًا عاديًا.

كان صمتًا يشبه انقطاع العالم نفسه عن تفسيره.

لا حركة داخل المصعد.

لا اهتزاز.

لا صوت للمحرك.

وكأن المعدن الثقيل الذي يحيط بسامر لم يعد آلة تتحرك بين الطوابق، بل صندوقًا مغلقًا خارج الزمن.

وقف داخله بلا قدرة حقيقية على الإحساس بقدميه.

حتى جسده لم يعد يرسل إشارات واضحة.

كأن القلب نفسه دخل حالة انتظار طويلة لا تعرف إن كانت حياة أم تعليقًا مؤقتًا.

ثم حدث التغير الأول.

الضوء الأصفر الخافت بدأ يبرد.

يتحول تدريجيًا إلى لون أبيض سريري قاسٍ.

ذلك الأبيض الذي لا يشبه الضوء الطبيعي… بل يشبه غرف العمليات.

ارتجف سامر ليس خوفًا هذه المرة.

بل لأن جسده تعرّف على هذا اللون.

تعرفه قبل أن يفهمه عقله.

ثم سمعه.

بيب…

صوت جهاز مراقبة.

قريب جدًا.

لكن لا يوجد جهاز داخل المصعد.

رفع رأسه ببطء.

الجدران المعدنية بدأت تختفي تدريجيًا.

تحولت إلى زجاج معتم.

ثم إلى جدران مستشفى بيضاء.

ثم…

إلى غرفة المستشفى التي استيقظ فيها سابقًا.

نفس السرير.

نفس الإضاءة.

نفس الستارة الزرقاء.

لكن هذه المرة…

كان هو داخلها.

واقفًا.

لا مستلقيًا.

شعر بانقباض مرعب في صدره.

ليس ألمًا.

بل انكسار إدراك.

نظر إلى يديه.

كانت ترتجف.

لكن عليها آثار لاصقات طبية.

نفس الآثار التي رآها على النسخة الأخرى سابقًا.

خطوط خفيفة على الجلد.

علامات متكررة.

كأن جسده مرّ هنا أكثر من مرة مما يجب.

ثم التفت ورأى جهاز القلب.

الخط الأخضر يتحرك.

لكن ليس وفق نبضه.

بل متأخر عنه.

كأن الجهاز يسجل شيئًا حدث بالفعل… وليس ما يحدث الآن.

ثم دخل الصوت من الباب.

فتحت الستارة الزرقاء ببطء.

لكن لا أحد دخل فقط ظل.

ثم صوت الحارس.

نفس الصوت.

لكن أقرب.

أهدأ.

وأثقل:

 “كل مرة تستيقظ فيها هنا… تظن أنك نجوت.”

تجمد سامر.

“من أنت؟”

لم يجب.

بل تحرك الظل داخل الغرفة.

لكن ليس كشخص.

بل كشيء يعرف المكان أكثر من الجدران نفسها.

بدأ الألم يعود.

لكن بشكل مختلف.

ليس ألم القلب المعتاد.

بل إحساس بأن القلب نفسه يُعاد تشكيله.

نبضه لم يعد منتظمًا.

بل كأنه يُكتب من جديد في كل ثانية.

بيب…

ثم توقف طويل.

ثم بيب… أضعف.

وكل مرة يتباطأ فيها، يشعر سامر أن شيئًا منه يختفي.

جزء صغير من ذاكرته.

أسماء.

أماكن.

حتى شعور بسيط بالأمان.

قال الصوت مرة أخرى:

 “أنت لست في مصعد… أنت في نقطة الإعادة.”

شعر سامر بأن الهواء يضيق حوله.

“أنا… كنت في العمارة…”

ضحكة خافتة خرجت من الظل.

“نعم… هذه هي النسخة الأولى من الفخ.”

اقترب الظل أكثر.

“ثم المستشفى… النسخة الثانية.”

توقف.

ثم أضاف:

“وأنت لا تتذكر عدد المرات التي سقطت فيها بينهما.”

بدأت الغرفة تتغير مجددًا.

المستشفى تذوب.

الجدران تنكسر بصمت.

وظهر الممر ممر العمارة.

لكن هذه المرة أطول أعمق.

لا نهاية له تقريبًا.

وفي آخره…

المصعد مفتوح.

ينتظر.

شعر سامر بأن جسده يتحرك دون إرادة.

خطوة.

ثم أخرى.

ليس مشيًا.

بل دفعًا خفيفًا نحو الأمام.

كأن شيئًا داخل النظام كله قرر أن هذه الجولة يجب أن تُعاد من جديد.

حاول التوقف.

لكن قدميه لم تستجب.

وفي كل خطوة…

كان قلبه ينهار أكثر.

ليس بالتوقف…

بل بالإجهاد.

وقف أخيرًا أمام المصعد.

هذه المرة لم يكن هناك رقم.

ولا شاشة.

فقط باب مفتوح كفمٍ صامت.

وخلفه…

ظلام لا يشبه الظلام العادي.

بل فراغ لا يعكس الضوء.

ثم سمع صوته.

من الداخل.

لكنه لم يكن صوته هذه المرة.

بل صوت جميع نسخه السابقة مجتمعة.

متعبة.

منهكة.

تهمس بصوت واحد:

“لا تبدأ من جديد…”

في اللحظة التي رفع فيها قدمه للدخول…

توقف قلبه فجأة.

ليس توقفًا كاملًا.

بل لحظة فراغ طويلة جدًا.

كأن الزمن نفسه قرر أن ينسى ضربته التالية.

سقط سامر على ركبته.

عيناه مفتوحتان.

الممر يدور.

المصعد يبتعد.

وآخر ما سمعه…

كان صوت جهاز بعيد جدًا يعود للحياة:

بيب…

لكن هذه المرة…

كان بطيئًا.

كأنه يعود من مكان لا يجب أن يعود منه أحد.

ثم انطفأ كل شيء مرة أخرى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة