لم يكن هناك “سقوط” هذه المرة بالشكل الذي يفهمه العقل.
لم تكن هناك لحظة انتقال واضحة.
بل كان الأمر أشبه بانطفاء طبقات متتالية من الوعي… واحدة بعد الأخرى.
الفراغ الذي يسبق الإدراك الكامل.
ثم، ببطء شديد، بدأ الصوت يعود.
ليس صوتًا واحدًا.
بل أصواتًا متداخلة:
بيب…
احتكاك معدني بعيد…
خطوات في ممر طويل…
تنفس شخص لا تعرفه… أو تعرفه جيدًا…
فتح سامر عينيه.
لكن لم يكن متأكدًا إن كان قد أغلقهما أصلًا.
السقف فوقه أبيض مألوف ثقيل.
الإضاءة قاسية، لكنها ثابتة هذه المرة، بلا وميض، بلا تشوه.
رائحة المعقمات موجودة.
إذن هو عاد إلى المستشفى.
أو… لم يخرج منه أصلًا.
حاول تحريك يده.
استجابت.
بطء شديد، لكنه حقيقي.
التفت بصعوبة.
جهاز مراقبة القلب بجانبه يعمل.
الخط الأخضر يتحرك بشكل منتظم.
لكن ليس منتظمًا تمامًا.
هناك تأخير صغير.
كأن الزمن لا يثق بنفسه.
دخلت الممرضة.
لكنها لم تتفاجأ عند رؤيته مستيقظًا.
وهذا كان أول شيء غير طبيعي.
كل مرة يستيقظ فيها مريض من نوبة خطيرة، يظهر القلق على الوجوه.
أما هي…
فكانت هادئة أكثر من اللازم.
اقتربت منه، نظرت إلى الجهاز، ثم دوّنت شيئًا.
قالت بهدوء:
“هذه المرة كانت أطول من المعتاد.”
لم يرد سامر.
حلقه جاف.
ثم سأل بصوت مكسور:
“كم مرة… دخلت هنا؟”
توقفت يدها عن الكتابة لجزء من الثانية.
ثم أكملت وكأن السؤال لم يكن موجودًا.
“حاول ألا تتحرك كثيرًا.”
هذا التجاهل لم يكن طبيعيًا.
جلس سامر ببطء شديد.
شعر بأن جسده أثقل من المعتاد.
لكن ما أخافه لم يكن الألم.
بل شيء آخر.
شيء صغير.
على ذراعه.
رفعها بصعوبة.
ورأى آثارًا جديدة.
ليست آثار إبرة واحدة.
بل عشرات.
بعضها قديم.
بعضها حديث.
بعضها فوق بعض، كأن الذراع نفسها تُستخدم مرارًا في سيناريو متكرر.
بدأت الذاكرة تعود بطريقة غير مستقرة.
المصعد.
الرقم 13.
النسخة الأخرى منه.
الممر الذي يتحول بين العمارة والمستشفى.
ثم فكرة واحدة بدأت تتشكل ببطء:
هو لا “ينجو”.
هو يعاد تشغيله.
كل مرة يصل فيها إلى النهاية…
يعود إلى نقطة قريبة من البداية، لكن ليست البداية نفسها.
شيء يتغير في كل دورة.
شيء يتآكل.
فجأة، سمع الصوت.
ليس من الخارج هذه المرة.
بل من داخله.
صوته هو.
هادئ جدًا.
متعب جدًا.
كأنه لا ينتمي لجسده الحالي، بل لجسد آخر أقدم:
“هذه ليست المرة الأولى.”
تجمد.
نظر حوله.
لا أحد في الغرفة.
لكن الصوت تابع:
“في المرة الأولى، كنت تخاف من المصعد.”
“في الثانية، كنت تخاف من قلبك.”
“في الثالثة… بدأت تفقد الفرق بينهما.”
ارتفعت ضربات قلبه قليلًا
في تلك اللحظة ليس بسبب الجهد.
بل بسبب الإدراك.
سأل بصوت منخفض جدًا:
“من يتكلم؟”
لم يكن هناك رد مباشر.
بل تغير الضوء في الغرفة.
أصبح أكثر برودة.
وأصبح بإمكانه رؤية انعكاسه في زجاج النافذة الصغيرة.
لكن الانعكاس…
لم يتحرك معه.
الانعكاس رفع رأسه ببطء.
ثم ابتسم.
ابتسامة لا تنتمي للراحة ولا للشر.
بل تنتمي للتعب الطويل جدًا.
ثم قال:
“أنت لا تعود لأنك نجوت…”
“أنت تعود لأن قلبك لم ينتهِ بعد.”
تراجع سامر على السرير.
لكن جسده لم يعد يستجيب بالكامل.
كأن الحركة أصبحت اختيارًا ثقيلاً جدًا.
بدأت الغرفة تتغير مجددًا.
الجدران تهتز بصمت.
الصوت القادم من الأجهزة يصبح متأخرًا عن الواقع.
ثم ظهر شيء في زاوية الغرفة.
باب.
ليس باب غرفة بل باب المصعد.
داخل المستشفى مفتوح.
لكن هذه المرة…
لم يكن مظلمًا بالكامل.
كان هناك ضوء في الداخل.
ضعيف.
ودافئ بشكل مخيف.
كأنه يدعو بدل أن يهدد.
اقترب الباب خطوة واحدة من السرير.
ليس فعليًا.
بل إدراكيًا.
كأن المسافة بينه وبين المصعد تختصر.
ثم سمع مرة أخرى:
كل النسخ السابقة منه.
ليست صوتًا واحدًا.
بل طبقات:
“لا تذهب…”
“هذه المرة مختلفة…”
“إذا دخلت، لن تعود كما كنت…”
رفع سامر يده ببطء شديد.
لم يكن متأكدًا لماذا.
لكن شيئًا داخله كان يريد أن يتحقق.
هل هذا نهاية الحلقة؟
أم بداية أخرى؟
نظر إلى قلبه شعر به.
ليس كعضو طبي.
بل كشيء حي يتعب معه.
ثم قال بصوت خافت:
“إذا دخلت… ماذا يحدث؟”
لم يأته جواب مباشر.
بل صمت طويل.
ثم قال الصوت الأخير:
“هذه المرة… قد لا يكون هناك عودة.”
المصعد انتظر.
لا حركة.
لا ضغط.
فقط باب مفتوح.
والضوء فيه يزداد دفئًا تدريجيًا.
سامر شعر بشيء غريب جدًا.
ليس خوفًا.
بل إرهاقًا نهائيًا.
كأن جسده يقول له:
“انتهى ما يمكن احتماله.”
وقف ببطء.
خطوة.
ثم أخرى.
لم يكن يمشي نحو الموت.
ولا نحو النجاة.
بل نحو شيء لا يملك اسمًا بعد.
قبل أن يضع قدمه داخل المصعد…
توقف الزمن أو شعر هو بذلك.
كل شيء أصبح ساكنًا حتى نبضه.
ثم سمع آخر صوت.
ليس من الغرفة.
وليس من المستشفى.
بل من مكان لا يمكن تحديده:
“هل ستكمل الحلقة… أم ستكسرها؟”
رفع سامر عينيه.
وبقي على العتبة.
بين الداخل والخارج.
بين المستشفى والعمارة.
بين الحياة… والعودة.
ثم…
انقطع المشهد.
ولا أحد يعرف إن كان قد دخل فعلًا.
أو بقي واقفًا إلى الأبد عند تلك اللحظة.
Jumana||جمانة