الفصل17

الفصل17

10 0

ظل سامر واقفًا بين المصعد وغرفة المستشفى، بينما الكلمات الأخيرة للحارس تتردد داخله بثقل ساحق:

 “ستعود… إلى الألم.”

الغريب أنه لم يشعر بالغضب.

ولا الخوف بل تعب قديم جدًا.

تعب شخص قضى سنوات ينتظر الكارثة التالية.

سنوات يعيش نصف حياته داخل المستشفيات، والنصف الآخر وهو يخاف من العودة إليها.

نظر إلى جسده على السرير مرة أخرى.

والدته ما تزال تمسك يده الباردة.

تبكي بصمت مرهق، كأنها تجاوزت مرحلة الانهيار ووصلت إلى شيء أكثر هدوءًا… وأكثر قسوة.

شعر بشيء يمزقه من الداخل.

لأنه لأول مرة يرى الحقيقة من الخارج:

هو لم يكن الوحيد الذي يتألم طوال تلك السنوات.

تراجع خطوة عن المصعد فورًا، تغيّر الضوء داخله.

خفت دفؤه قليلًا.

ثم سمع الصوت نبضة بعيدة.

بيب…

ضعيفة جدًا لكنها حقيقية.

شعر بشيء يتحرك داخل صدره للمرة الأولى منذ اختفى الألم.

نبضة صغيرة مرهقة.

كأن القلب يحاول العودة من مسافة بعيدة جدًا.

وفورًا عاد الألم معه.

خفيف في البداية ثم أعمق تدريجيًا.

حتى اضطر للانحناء قليلًا.

ابتسم الحارس ابتسامة حزينة.

 “الحياة لا تعود وحدها.”

بدأت المستشفى تستقر حوله أكثر.

الجدران أصبحت أوضح الأجهزة عادت تعمل.

والهواء فقد ذلك البرود الغريب.

لكن بالمقابل…

بدأ المصعد يغضب.

الأبواب المعدنية أطلقت صوت احتكاك طويل ومزعج.

ثم بدأ الرقم يظهر فوقه ببطء:

13

ثم اختفى.

ثم ظهر مجددًا.

كأن شيئًا داخله يحاول إبقاء الباب مفتوحًا بالقوة.

فجأة…

انطفأت الأنوار.

كل شيء غرق في الظلام للحظة كاملة.

ثم عادت الكهرباء بشكل متقطع.

ومع الوميض الأول…

لم يعد الحارس وحده في الممر.

ظهرت النسخ الأخرى من سامر.

عشرات.

تقف بصمت قرب الجدران.

كل نسخة تحمل شكلًا مختلفًا من الانهيار:

واحد يمسك صدره ويتقيأ دمًا.

آخر مربوط بأسلاك طبية.

ثالث يجلس على الأرض بعينين فارغتين.

وبعضهم… لا يتحركون أصلًا.

شعر سامر بالغثيان.

كلهم ينظرون إليه.

ثم تحدث أحدهم.

نسخة تبدو أكبر عمرًا من البقية، شعرها أطول قليلًا وعيناها غائرتان بتعب مرعب.

 “لا ترجع…”

وقال آخر، بصوت متكسر:

 “كل مرة ترجع… يزداد الأمر سوءًا.”

ثم تحدث ثالث وهو يضحك ضحكة منهارة:

“في مرة وصلت لعشر سنوات قبل أن يعود المصعد.”

بدأت أنفاس سامر تضطرب.

“ماذا يعني هذا؟!”

اقتربت النسخة الأكبر سنًا خطوة.

“الطابق لا يريد موتك.”

“إذن ماذا يريد؟!”

ساد الصمت.

ثم قال الرجل:

 “يريدك خائفًا.”

شعر سامر بانقباض بارد داخل معدته.

وفجأة…

كل شيء بدأ يترابط.

النوبات.

التكرار.

العودة.

المصعد لم يكن يقتله مباشرة.

بل يعيده دائمًا إلى الحافة.

إلى تلك المنطقة بين الحياة والموت حيث يكون الخوف في أقصى حالاته.

وهناك…

يبقى الباب مفتوحًا.

بدأت الأرض تهتز بخفة.

صوت المصعد أصبح أعلى أقرب.

ثم بدأت أبوابه تنفتح وحدها ببطء.

لكن هذه المرة…

لم يكن الداخل مظلمًا.

بل ممتلئًا بشيء يتحرك.

ظلال كثيرة.

أشخاص.

وجوه.

بعضها يشبه سكان العمارة.

بعضها مرضى.

وبعضها… يشبه سامر.

لكنهم جميعًا يبدون وكأنهم عالقون في لحظة ألم أخيرة لا تنتهي.

شعر سامر بألم حاد يعود فجأة إلى صدره.

أقوى من السابق.

حتى كاد يسقط.

صرخ جهاز القلب داخل الغرفة الواقعية:

بيب! بيب! بيب!

والدته رفعت رأسها فجأة نحو جسده.

الأطباء بدأوا يدخلون الغرفة بسرعة.

الأصوات تداخلت:

“النبض عاد!”

“جهّزوا الحقنة!”

“الضغط يهبط!”

أما سامر…

فكان ما يزال واقفًا في الممر.

بين العالمين.

اقترب الحارس منه أخيرًا.

ولأول مرة بدا خائفًا فعلًا.

قال بصوت منخفض:

 “إذا عاد قلبك بالكامل… سيغلق الباب.”

“وهذا جيد… أليس كذلك؟”

لكن الحارس لم يجب مباشرة.

بل نظر نحو المصعد.

ثم قال:

“ليس إذا تبعك شيء منه.”

شعر سامر بأن الدم تجمد داخله.

“ماذا؟”

لكن الأوان كان قد فات.

لأن إحدى الظلال داخل المصعد بدأت تخرج.

ببطء شديد.

على أربع أطراف.

تتحرك كإنسان يتعلم المشي من جديد.

ثم رفعت رأسها.

وكان وجهها…

وجه سامر نفسه.

لكن فمه مفتوح بشكل مرعب، كأنه يصرخ منذ سنوات دون صوت.

تراجع سامر بعنف.

الألم في قلبه انفجر مجددًا.

سقط على ركبته وهو يلهث بعنف.

الشيء بدأ يقترب منه بسرعة أكبر.

يزحف فوق أرضية الممر وهو يصدر صوت احتكاك رطب ومقزز.

والنسخ الأخرى بدأت تتراجع إلى الخلف بخوف واضح.

حتى الحارس ابتعد خطوة.

صرخ سامر:

“ما هذا؟!”

أجابه الحارس أخيرًا:

 “هذا… ما يبقى منك بعد دورات كثيرة.”

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة