بقيت الكلمات معلقة بينهما بينما النار تلتهم أطراف المصعد ببطء.
“لكن ليس وحدنا.”
النسخة القديمة من سامر حدقت فيه طويلًا، كأنها تسمع الجملة للمرة الأولى في حياتها.
ثم بدأت قبضتها المرتجفة ترتخي تدريجيًا عن ذراعه.
منذ رآها…اختفى الخوف الشديد من عينيها.
حلّ مكانه شيء آخر.
حزن عميق.
وإرهاق لا يوصف.
المصعد كله أخذ يئن حولهما.
المعدن يتمدد من الحرارة.
الأسلاك فوق السقف تتفجر بشرارات متقطعة.
والدخان صار كثيفًا لدرجة أن الرؤية أصبحت ضبابية.
لكن رغم ذلك…
شعر سامر بشيء غريب جدًا:
الهواء أخف.
كأن المكان نفسه بدأ يهدأ.
خارج المصعد، كانت الممرضة تسحب الطفل ووالدته عبر الممر المشتعل.
والطفل ما يزال ينظر إلى سامر بخوف وارتباك.
كأنه لا يفهم لماذا بقي الرجلان داخل النار.
أما سامر…
فقد فهم أخيرًا.
طوال كل هذه العقود، بقي الباب مفتوحًا لأن اللحظة لم تكتمل.
الخوف جمدها.
حوّلها إلى دائرة.
أما الآن…
فلأول مرة، هناك شخص بقي داخل المصعد دون أن يحاول الهرب.
قالت النسخة القديمة بصوت مبحوح:
“كنت أظن أنني أريد النجاة…”
ثم نظرت حولها ببطء.
إلى النار.
إلى الدخان.
إلى الأبواب العالقة.
“لكنني كنت فقط خائفًا.”
شعر سامر بانقباض داخل صدره.
لأن هذه الجملة اختصرت حياته كلها.
حتى بعد ولادته الجديدة…
حتى بعد مرور السنين…
عاش بالطريقة نفسها:
فحوصات.
أدوية.
قلق دائم.
مراقبة نبضه كأنه عدّ تنازلي.
لم يكن يعيش فعلًا بل ينتظر الكارثة التالية.
ولهذا ظل الباب يجده دائمًا.
لأنه لم يغادره داخليًا أبدًا.
بدأت الوجوه العالقة داخل الجدران تتحرك ببطء.
لكنها لم تعد مرعبة.
بل حزينة.
كأنها تستيقظ من كابوس طويل جدًا.
بعضها بدأ يختفي تدريجيًا داخل الدخان.
وبعضها كان يحدق بصمت نحو المصعد.
نحو سامر.
ثم حدث شيء لم يتوقعه.
الطفل عاد.
رغم صراخ الممرضة.
ركض نحو باب المصعد المفتوح، وعيناه دامعتان.
“تعالوا!”
شهق سامر فورًا.
“ارجع!”
لكن الطفل ظل واقفًا مكانه.
ثم قال شيئًا بسيطًا جدًا:
“أمي قالت إن الناس لا يجب أن يموتوا وحدهم.”
توقف الزمن داخل سامر للحظة.
الجملة ضربته بقوة هائلة.
لأن هذا كان عكس كل ما فعله في تلك الليلة.
هو انعزل داخل خوفه.
أغلق العالم كله خارجه.
أما هذا الطفل…
فرغم الخوف عاد.
بدأت النسخة القديمة تبكي مجددًا.
لكن ليس بخوف هذه المرة.
بل كأن شيئًا ثقيلًا جدًا انكسر أخيرًا داخلها.
نظر الشاب إلى الطفل.
ثم إلى سامر.
وهمس:
“كنت أريد فقط أن يبقى أحد معي…”
اقترب سامر منه ببطء.
ثم وضع جبهته على جبينه.
كأنه يواجه نفسه أخيرًا بعد عقود من الهرب.
وقال بهدوء:
“أنا هنا.”
في اللحظة التي قالها…
اهتز المصعد بعنف هائل.
ثم انطفأت كل الأضواء.
ليس فقط داخل المصعد.
بل في المكان كله.
سقطت العمارة والمستشفى داخل ظلام كامل.
لكن الغريب…
أن سامر لم يشعر بالخوف.
لا صوت قلبه.
لا خوف
لا رغبة بالهرب.
فقط ظلام هادئ جدًا.
ثم بدأت الذكريات تمر داخله.
ليس الحريق فقط.
بل حياته كلها.
طفولته، مرضه، والدته
وكل اللحظات الصغيرة التي تجاهلها لأنه كان مشغولًا بالخوف من النهاية.
وفهم أخيرًا شيئًا بسيطًا ومؤلمًا:
الخوف من الموت سرق منه الحياة نفسها.
ثم ظهر الضوء ليس ضوء المصعد.
ولا المستشفى.
بل ضوء أبيض هادئ جدًا.
وشعر أن النسخة القديمة بدأت تختفي بين ذراعيه ببطء.
لم تعد ترتجف ولا تبكي.
فقط تنظر إليه بتعب عميق.
ثم سألت بهدوء:
“هل انتهى الأمر؟”
نظر سامر حوله.
الأصوات اختفت.
النار اختفت.
حتى المصعد نفسه بدأ يتلاشى.
ثم أجاب أخيرًا:
“أظن ذلك.”
ابتسمت النسخة القديمة لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا حزينة.
لكن مرتاحة.
ثم همست:
“إذن… عش جيدًا هذه المرة.”
وبعدها… اختفت.
فجأة عاد كل شيء دفعة واحدة.
الصوت أولًا.
أجهزة طبية.
أصوات أطباء.
ثم الضوء الأبيض القاسي.
فتح سامر عينيه بعنف.
كان على سرير المستشفى.
أنبوب أكسجين فوق وجهه.
والأطباء يتحركون حوله بسرعة.
سمع أحدهم يقول:
“عاد!”
بدأ يسعل بعنف رئتاه تؤلمانه.
قلبه يؤلمه كل جسده مرهق.
لكنه حي
حي بطريقة مختلفة هذه المرة.
ليس كمن هرب من الموت.
بل كمن عاد من مكان بعيد جدًا.
التفت ببطء والدته كانت تبكي قربه.
لكن حين فتحت عيناه…
ابتسمت فورًا رغم دموعها.
ابتسامة حقيقية.
مرهقة ومليئة بالحب.
شعر سامر بغصة قوية.
ثم أمسك يدها بهدوء.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم يتحسس نبضه بعدها.
Jumana||جمانة