في البداية، لم يكن هناك سوى الصوت.
صوت متقطع… منتظم… بارد.
بيب…
بيب…
بيب…
ثم جاءت الرائحة.
رائحة معقمات قوية اختلطت بشيء معدني خفيف يعرفه سامر جيدًا؛ رائحة المستشفيات التي التصقت بذاكرته منذ سنوات الجامعة.
بعدها فقط بدأ يشعر بجسده.
ثقل هائل فوق صدره جفاف في الحلق.
وألم عميق تحت عظمة القلب، ليس حادًا هذه المرة… بل مرهق، كأن قلبه نفسه خرج من معركة طويلة.
فتح عينيه ببطء شديد.
الضوء الأبيض فوقه كان قويًا لدرجة جعلته يغمضهما فورًا.
تنفس بصعوبة.
ثم حاول مجددًا.
السقف الأبيض.
الستارة الزرقاء قرب السرير.
جهاز مراقبة النبض بجانبه.
لقد كان في مستشفى.
شعر بشيء يشبه الراحة للحظة قصيرة جدًا.
شيء طبيعي أخيرًا.
شيء مفهوم.
حاول التحرك، لكن التعب ضرب جسده فورًا.
حتى رفع ذراعه احتاج مجهودًا مؤلمًا.
التفت ببطء نحو النافذة القريبة.
ليل.
المدينة بالخارج غارقة في ضباب خفيف وأضواء بعيدة.
لم يكن يعرف كم مضى من الوقت.
دخلت ممرضة بعد دقائق.
امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا، ملامحها هادئة ومتعبة كمعظم العاملين الليليين في المستشفيات.
لاحظت أنه استيقظ فتقدمت نحوه سريعًا.
“الحمد لله… كيف تشعر؟”
استغرق ثوانٍ قبل أن يستطيع الكلام.
“أين أنا…؟”
“مستشفى النوران المركزي.”
أغمض عينيه للحظة.
إذًا هو لم يحلم.
المصعد…
الإسعاف…
النوبة…
كلها حدثت.
بلع ريقه بصعوبة.
“كيف وصلت؟”
ترددت الممرضة قليلًا.
ثم قالت: “وجدوك فاقد الوعي داخل العمارة.”
قطب حاجبيه مباشرة.
“من وجدني؟”
“حارس المبنى اتصل بالإسعاف.”
شعر بشيء بارد يمر داخله.
هو لم يخرج أصلًا من المصعد.
تذكر ذلك جيدًا.
بعد خروج الممرضة، بقي سامر وحده مجددًا.
هدوء المستشفى في الليل كان مختلفًا عن هدوء العمارة.
هنا، الصمت ليس غامضًا… بل مرهق.
صمت أماكن اعتادت الألم حتى أصبح جزءًا من روتينها.
أدار رأسه نحو جهاز النبض.
الخط الأخضر يتحرك ببطء منتظم.
راقبه طويلًا.
كم مرة فعل هذا في حياته؟
كم مرة استلقى على سرير مشابه وهو ينتظر أن يخبره طبيب إن كان قلبه ما يزال صالحًا للاستمرار؟
فكر فجأة بوالدته.
لو عرفت بما حدث ستنهار تمامًا.
لهذا لم يخبرها كما في كل مرة.
دخل الطبيب بعد حوالي نصف ساعة.
رجل في الخمسينات، يضع نظارات رفيعة ويتحدث بهدوء متعب.
تفحص الملف الطبي للحظات، ثم نظر إلى سامر.
“أنت محظوظ.”
ضحكة صغيرة جافة خرجت من سامر دون وعي.
كم مرة سمع هذه الجملة؟
اقترب الطبيب أكثر.
“النوبة هذه المرة كانت أخطر من المعتاد. اضطراب النبض كان شديدًا جدًا.”
صمت قليلًا، ثم أضاف:
“إذا استمر الضغط النفسي بهذا الشكل… الوضع لن يبقى مستقرًا طويلًا.”
نظر سامر إلى السقف بصمت.
ثم قال بصوت خافت: “أعرف.”
بعد مغادرة الطبيب، عاد الصمت مجددًا.
لكن شيئًا بدأ يزعجه تدريجيًا.
شيء صغير جدًا.
صوت بعيد وخافت.
دينغ.
تجمد جسده بالكامل.
لا.
مستحيل.
رفع رأسه ببطء نحو باب الغرفة.
ثم سمعه مجددًا.
صوت مصعد المستشفى.
يفتح… ثم يغلق.
شعر فورًا بانقباض بارد في معدته.
بدأ قلبه يتسارع رغم محاولته المقاومة.
ليس هنا أيضًا…
حاول إقناع نفسه بأن الأمر طبيعي.
كل مستشفى يملك مصاعد.
لكن عقله لم يعد قادرًا على الفصل بسهولة بين الطبيعي والمخيف.
ظل محدقًا نحو الباب.
ثم لاحظ شيئًا غريبًا.
الساعة المعلقة فوق التلفاز.
العقارب تتحرك…
لكن ببطء شديد.
ببطء غير منطقي تقريبًا.
شعر بالدوار يعود فورًا.
ثم انتبه لشيء آخر.
جهاز النبض بجانبه…متأخر.
الصوت يأتي بعد النبضة بجزء صغير من الثانية.
بيب…
ثم يتحرك الخط.
كأن الزمن نفسه داخل الغرفة فقد تزامنه الطبيعي.
أخذ نفسًا مرتجفًا.
لا…
لا تبدأ مجددًا.
رفع يده نحو زر استدعاء الممرضة.
لكن قبل أن يضغطه…
مر شخص خارج الغرفة.
انعكاسه ظهر سريعًا على الزجاج الصغير في الباب.
شخص طويل… نحيل… يمشي ببطء شديد.
ثم توقف أمام غرفته مباشرة.
توقف قلب سامر للحظة.
لأنه عرف طريقة الوقوف تلك.
نفس انحناءة الكتفين.
نفس التعب.
ظل الظل ثابتًا خلف الزجاج لثوانٍ طويلة.
ثم…
طرق مرة واحدة.
خفيفة جدًا.
كما حدث في العمارة.
بدأ الألم يعود إلى صدره فورًا.
ثم جاء الصوت من خلف الباب.
صوته هو نفسه.
هادئ… ومتعب…
“قلت لك لا ترجع هنا.”
Jumana||جمانة