تجمّد سامر في مكانه وهو يحدق بالشيء الزاحف نحوه.
كل حركة يصدرها كانت خاطئة بشكل يصعب على العقل احتماله.
الأطراف تنثني ببطء غير طبيعي.
الرأس يميل بزاوية مؤلمة.
والفم المفتوح بلا صوت بدا كجرح طويل في الوجه أكثر من كونه فمًا بشريًا.
لكن الأسوأ…
أن سامر كان يعرفه.
ليس لأنه يشبهه فقط.
بل لأنه شعر به.
شعر أن ذلك الشيء يحمل داخله كل لحظة خوف عاشها، كل ليلة ظن فيها أن قلبه سيتوقف، كل مرة نام فيها وهو يتوقع ألا يستيقظ.
وكأن الرعب نفسه أخذ شكلًا ماديًا أخيرًا.
بدأت الأرض تهتز بعنف أكبر.
الممر يتشقق.
إضاءة العمارة تختلط بأضواء غرفة الإنعاش الواقعية.
صار يرى العالمين فوق بعضهما:
الأطباء يتحركون حول جسده بسرعة.
والممر الطويل يمتد خلفهم بلا نهاية.
صوت جهاز القلب يختلط بصوت المصعد المعدني.
وصراخ الأطباء يذوب داخل همسات النسخ الأخرى.
“ارجع…”
“لا تنظر إليه…”
“إذا لمسَك… ستبقى هنا…”
شعر سامر بألم هائل داخل صدره.
هذه المرة لم يكن مجرد اضطراب.
بل إحساس حقيقي بأن قلبه يُسحب بين عالمين.
صرخ دون وعي وهو يضغط على صدره بقوة.
وفجأة…
رأى الطبيب في العالم الواقعي يضرب جهاز الصدمات على صدره.
تششش!
ضوء أبيض انفجر داخل رؤيته.
في اللحظة نفسها، تراجع الشيء الزاحف فجأة، كأنه احترق.
أطلق حركة عنيفة للخلف وهو يرتجف بطريقة مقززة.
ثم بدأ يصرخ أخيرًا.
لكن صرخته…
كانت صوت نبضات قلب غير منتظمة.
تقدم الحارس بسرعة نحو سامر وأمسكه من ذراعه.
لأول مرة كانت قبضته قوية وحقيقية.
“اسمعني جيدًا!”
رفع سامر رأسه بصعوبة.
“الباب يُغلق!”
نظر نحو المصعد.
الأبواب بدأت تنطبق ببطء شديد.
لكن الظلال داخله كانت تتحرك بعنف الآن، كأنها تحاول الخروج قبل الإغلاق.
أما ذلك الشيء المشوه…
فقد بدأ يزحف أسرع نحو سامر.
في العالم الواقعي، كان الأطباء يصرخون:
“النبض عاد!”
“مرة ثانية!”
“لا تفقدوه!”
شعر سامر بأن شيئًا ثقيلًا يشده للخلف.
نحو السرير.
نحو جسده الحقيقي.
لكن بالمقابل…
كان الشيء الزاحف يقترب أكثر.
ثم فهم الحقيقة المرعبة.
إذا أمسك به ذلك الشيء قبل أن يعود…
فلن يعود وحده.
بدأت النسخ الأخرى من سامر تتحرك فجأة.
واحد تلو الآخر.
تقدموا نحو الممر.
ليس لمهاجمته…
بل لاعتراض الشيء الزاحف.
النسخة الأكبر سنًا أمسكت به أولًا.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
أصواتهم امتزجت معًا وهم يصرخون:
“ارجع!”
“لا تُعِده معنا!”
“اخرج قبل أن يغلق!”
الشيء أخذ يرتعش بعنف محاولًا الإفلات.
لكن النسخ تشبثت به بكل ما تبقى منها.
حتى تلك النسخ التي بدت ميتة تقريبًا بدأت تتحرك.
نظر سامر إليهم بذهول كامل.
ثم فهم أخيرًا.
كل هؤلاء…
لم يكونوا نسخًا عبثية بل بقاياه.
الأجزاء التي ضاعت منه في كل دورة.
كل خوف ترك أثرًا.
كل انهيار أخذ قطعة منه.
وهؤلاء بقوا هنا عالقين.
يحاولون منع الشيء الأخير من الخروج.
صرخ الحارس بعنف:
“الآن يا سامر!”
شعر سامر بالسحب يزداد.
الواقع بدأ ينتصر أخيرًا.
أصوات المستشفى أصبحت أوضح:
حركة الأجهزة.
أنفاس الأطباء.
بكاء والدته.
وصوت جهاز القلب يعود بإيقاع ضعيف لكنه حقيقي.
أما الممر…
فبدأ ينهار.
الجدران تتشقق.
الأضواء تنطفئ.
والمصعد يُغلق ببطء أخير.
لكن قبل أن يختفي كل شيء…
نظر سامر إلى النسخة الأكبر سنًا.
الرجل الذي بدا أكثر تعبًا من الجميع.
ابتسم له ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم قال:
“لا تخف من قلبك بعد الآن…”
وبعدها…
دفع الشيء الزاحف بكل قوته نحو داخل المصعد.
انطبقت الأبواب المعدنية بعنف.
داااام.
واختفى الرقم 13.
ثم انهار العالم كله.
فتح سامر عينيه بعنف.
هواء بارد اندفع إلى رئتيه دفعة واحدة حتى سعل بقوة مؤلمة.
الأضواء البيضاء فوقه حقيقية.
صوت الأجهزة حقيقي.
الأطباء حوله حقيقيون.
وأول شيء رآه…
والدته.
كانت تبكي وهي تمسك يده بقوة.
“سامر… سامر…”
شعر بالألم يعود كاملًا إلى صدره.
حادًا مرهقًا لكنه حقيقي.
وحينها فقط…
عرف أنه عاد.
مرّت ساعات قبل أن يستقر وضعه.
الأطباء أخبروه أن قلبه توقف لدقائق.
“كنت قريبًا جدًا.”
هذه الجملة سمعها مرات كثيرة.
لكن هذه المرة شعر بثقلها فعلًا.
ظل صامتًا أغلب الوقت.
يراقب جهاز النبض.
يتأكد أن الخط يتحرك فعلًا.
أنه هنا في الواقع.
بعد يومين، خرج من العناية المركزة إلى غرفة عادية.
المدينة خارج النافذة بدت طبيعية أخيرًا.
السيارات.
الأصوات.
الشمس.
كل شيء بسيط بصورة مؤثرة.
حتى الألم في صدره بدا مطمئنًا مقارنة بما رآه.
وفي تلك الليلة…
استيقظ فجأة على صوت خافت.
دينغ.
تجمد جسده.
نظر ببطء نحو باب الغرفة.
صمت.
ثم سمع عربة ممرضة تمر في الممر.
تنفس أخيرًا ابتسم بتعب.
مجرد مصعد.
مجرد مصعد عادي.
لكنه عندما نظر نحو شاشة جهاز القلب بجانبه…
توقف.
لأن الرقم الظاهر لجزء من الثانية قبل أن يعود طبيعيًا كان:
13
Jumana||جمانة