إخوة

إخوة

96 0

الفصل الرابع والثلاثون — إخوة

كان لويد جالسًا في زاوية زنزانة مظلمة، مستندًا إلى الجدار البارد.

كان جسده لا يزال يتألم من المواجهة مع كارِف، لكن الألم لم يكن أكثر ما يشغل تفكيره.

كان وجه صديقه القديم يطارده.

كارِف، الذي ظن أنه مات منذ سنوات، أصبح أحد أقوى قادة الأوني.

كيف حدث ذلك؟

ولماذا لم يقتله عندما هزمه؟

رفع لويد رأسه، ثم نظر إلى جهاز الاتصال الذي يحمله.

— معلم... هل تسمعني؟

لم يصله أي رد.

حاول مرة أخرى.

— كارك، هل تسمعني؟

بقي الجهاز صامتًا.

أغلق لويد عينيه للحظة، ثم أنزل يده.

— يبدو أنني سأضطر إلى تدبر أمري بنفسي.

حاول النهوض، لكن الألم في جسده أجبره على الاستناد إلى الجدار.

نظر إلى يديه، ثم إلى المكان الذي كان يحمل فيه سيفه.

لقد أخذ كارِف سيفه.

والآن، لم يعد يملك حتى السلاح الذي اعتمد عليه طوال رحلته.

قبض لويد يده بقوة.

— لن أبقى هنا طويلًا.

---

مر وقت لا يعرف لويد مقداره.

كان السجن هادئًا، لا يُسمع فيه سوى خطوات الحراس بين الحين والآخر.

لكن وسط ذلك الصمت، شعر لويد بوجود شخص آخر قريب منه.

رفع رأسه ونظر نحو الزنزانة المجاورة.

— من هناك؟

لم يجبه أحد.

نهض بصعوبة، واقترب من القضبان.

— أعلم أنك تسمعني.

بعد لحظات، جاءه صوت رجل من خلف الظلام:

— أنت الذي واجه كارِف؟

توقف لويد.

— وكيف عرفت؟

— سمعت الحراس يتحدثون عنك. يقولون إنك بشري يحمل دم الأوني، وإنك دخلت أرض فالهالا وحدك.

ابتسم لويد بسخرية.

— يبدو أن أخباري انتشرت بسرعة.

— ليس كل يوم يدخل شخص مثلك إلى هذه الأرض ويخرج حيًا من مواجهة مع أحد القادة.

تأمل لويد الظلام خلف القضبان.

— وما الذي أتى بك إلى هنا؟

— لا أظن أنني اخترت هذا المكان.

لم يُجب لويد.

عاد وجلس قرب الجدار، لكنه ظل يشعر بشيء غريب تجاه ذلك الرجل. لم يكن يعرفه، ومع ذلك، كان وجوده يثير داخله إحساسًا لا يستطيع تفسيره.

وبعد لحظات، عاد الصوت:

— ما اسمك؟

رفع لويد رأسه.

— لويد.

ساد الصمت في الزنزانة المجاورة.

ثم سمع حركة مفاجئة، كأن الرجل نهض من مكانه بسرعة.

— ماذا قلت؟

قطب لويد حاجبيه.

— قلت إن اسمي لويد. لماذا؟

لم يصله رد.

اقترب لويد من القضبان مرة أخرى.

— هل تعرفني؟

ظهر الرجل تدريجيًا في الضوء الخافت، حتى استطاع لويد رؤية ملامحه.

كان شابًا ذا نظرة حادة، وعلى وجهه آثار سنوات طويلة من المعاناة.

ظل ينظر إلى لويد، وكأنه يحاول التأكد من أن الشخص الذي أمامه حقيقي.

ثم قال بصوت منخفض:

— لويد... هل أنت حقًا لويد؟

تراجع لويد خطوة.

— نعم، لكن من أنت؟

لم يُجب الرجل مباشرة.

اقترب من القضبان، وظل يحدق في وجه لويد.

— لقد تغيرت كثيرًا.

شعر لويد باضطراب غريب.

لم تكن ملامح الرجل مألوفة له، لكنه أحس أن كلماته تحمل معنى أكبر مما تبدو عليه.

قال لويد بحدة:

— توقف عن الكلام بالألغاز. من أنت؟ وكيف تعرف اسمي؟

خفض الرجل رأسه قليلًا.

— كنت أعرفك قبل أن تصبح الشخص الذي أراه أمامي الآن.

تجمد لويد.

— ماذا تقصد؟

رفع الرجل عينيه إليه.

— هل تتذكر طفولتك في أرض الشمال؟

لم يُجب لويد فورًا.

— بالطبع أتذكرها. عشت هناك سنوات طويلة.

— هل تتذكر الأشخاص الذين كانوا معك؟

بدأت ملامح لويد تتغير.

ظهرت في ذهنه صور متفرقة من طفولته؛ شوارع أرض الشمال، الأيام التي قضاها مع ريو وكارِف، والسنوات التي سبقت هجوم الأوني.

لكنه لم يستطع ربط تلك الصور بالرجل الذي يقف أمامه.

— أتذكر ريو وكارِف... لكنني لا أتذكرك.

ارتجفت ملامح الرجل للحظة، ثم استعاد هدوءه.

— أعرف.

— كيف تعرف؟

لم يجب.

ضرب لويد القضبان بيده.

— أجبني!

نظر الرجل إليه بصمت، ثم قال:

— لأنك لم تعد تتذكرني منذ زمن طويل.

شعر لويد بأن الكلمات أصابته في مكان لا يفهمه.

لماذا يتحدث هذا الرجل وكأنه فقده من قبل؟

ولماذا يشعر لويد بألم غريب كلما نظر إليه؟

تراجع وجلس على الأرض، محاولًا تهدئة أفكاره.

أما الرجل، فبقي واقفًا قرب القضبان.

وبعد صمت طويل، قال:

— هل ما زالت أمنا على قيد الحياة؟

رفع لويد رأسه بسرعة.

— ماذا قلت؟

— أمنا... هل تعرف عنها شيئًا؟

وقف لويد فورًا.

— كيف تعرف أمي؟

لم يجب الرجل، لكنه لم يحتج إلى ذلك.

كان السؤال وحده كافيًا ليجعل لويد يدرك أن هذا اللقاء ليس عاديًا.

اقترب منه ببطء.

— من أنت؟ ولماذا تسألني عن أمي؟

أدار الرجل وجهه بعيدًا.

— كنت أتمنى أن تتذكرني بنفسك.

— أتذكر ماذا؟!

عاد الرجل بنظره إليه، وقد تغير صوته.

— أتذكر الأيام التي كنا نقضيها معًا؟ أتذكر وعدنا بأن نبقى معًا مهما حدث؟

شعر لويد بصداع مفاجئ.

للحظة خاطفة، مرت في ذهنه صورة طفل يقف أمامه، ويمد يده نحوه.

لكن الصورة اختفت قبل أن يتمكن من رؤيتها بوضوح.

وضع لويد يده على رأسه.

— ما الذي يحدث لي...؟

اقترب الرجل من القضبان، وعيناه لا تفارقان لويد.

— لا تضغط على نفسك. ليس ذنبك أنك لا تتذكر.

رفع لويد رأسه.

— كيف تريد مني أن أصدقك؟ لا أعرفك، ولا أتذكر شيئًا مما تقوله!

ساد الصمت.

ثم قال الرجل:

— لأنني لم أنسك يومًا.

بقي لويد ينظر إليه.

كانت هناك أسئلة كثيرة في رأسه، لكنه لم يعرف أيها يسأل أولًا.

وأخيرًا، خرج صوته منخفضًا:

— هل أنت من أرض الشمال؟

أومأ الرجل.

— نعم.

— وهل كنت تعرف كارِف؟

— أعرفه منذ طفولتنا.

اتسعت عينا لويد.

ثلاثة أشخاص من ماضيه أصبحوا مرتبطين بهذه الأرض بطريقة لم يفهمها بعد.

كارِف، الذي أصبح قائدًا للأوني.

وهذا الرجل، الذي يعرف طفولته ويسأل عن أمه.

ولويد نفسه، الذي يشعر بأن جزءًا من حياته قد اختفى.

اقترب من القضبان، ونظر إلى الرجل مباشرة.

— أريد الحقيقة. كاملة.

ظل الرجل صامتًا للحظات، ثم تنفس بعمق.

— لا أستطيع أن أعيد إليك ذكرياتك، يا لويد. لكنني أستطيع أن أخبرك من أكون.

توقف قليلًا، وكأنه يجمع شجاعته.

ثم قال:

— نحن إخوة يا لويد... اسمي أكيرا.

تجمد لويد في مكانه.

لم يتكلم.

لم يتحرك.

كان يسمع الكلمات، لكنه لم يستطع استيعابها.

أخوه؟

كيف يمكن أن يكون له أخ لا يتذكر وجوده أصلًا؟

حدق في أكيرا طويلًا، محاولًا العثور على أي علامة في وجهه تؤكد ما سمعه.

لكن ذاكرته بقيت صامتة.

همس لويد:

— أخي...؟

أومأ أكيرا ببطء.

— نعم.

تراجع لويد حتى اصطدم بالجدار، ثم أنزل رأسه.

لم يكن يعرف ماذا يشعر.

الصدمة، والشك، والخوف، وأسئلة لا تنتهي.

كلها اجتمعت داخله في لحظة واحدة.

رفع عينيه نحو أكيرا مجددًا.

— إذا كنت أخي... فلماذا لا أتذكرك؟

لم يُجب أكيرا.

نظر إليه طويلًا، ثم قال:

— هذا ما سنحاول معرفته معًا.

بقي الاثنان ينظران إلى بعضهما عبر القضبان.

في الخارج، كانت خطوات الحراس تقترب من جديد.

أما لويد، فلم يعد يفكر في سيفه المسروق، ولا في المواجهة مع كارِف.

لقد دخل أرض فالهالا بحثًا عن خريطة الشفرات الثلاث.

لكنه اكتشف داخل سجنها سرًا لم يكن يتخيل وجوده.

كان له أخ... وأخوه يعرف من ماضيه ما لا يستطيع لويد تذكره.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين دمين

المؤلف wesam aljriri
2026/09/20 مستمرة
قائمة الفصول (38)
الفصل 1: التضحية
2026/09/20
الفصل 2: تحت سقف واحد
2026/09/20
الفصل 3: اول شرارة
2026/09/20
الفصل 4: العلامات
2026/09/20
الفصل 5: الوريث الجديد
2026/09/20
الفصل 6: ارث السلالة
2026/09/21
الفصل 7: اختبار الارث
2026/09/21
الفصل 8: ما بعد الاختبار
2026/09/21
الفصل 9: بعد ثلاث سنوات
2026/09/21
الفصل 10: أرض الشمال
2026/09/21
الفصل 11: بين الدم والسيف
2026/09/21
الفصل 12: ابن الدمين
2026/09/21
الفصل 13: ظل بين نور
2026/09/21
الفصل 14: قوة الظلام
2026/09/21
الفصل 15: مسار الظلام
2026/09/21
الفصل 16: نبض معركة
2026/09/21
الفصل 17: بين خوف وثقة
2026/09/21
الفصل 18: الصحوة
2026/09/21
الفصل 19: بين ارضين
2026/09/21
الفصل 20: جبال أركاس
2026/09/21
الفصل 21: تحت الحصار
2026/09/22
الفصل 22: الظل القادم
2026/09/27
الفصل 23: قلب المعركة
2026/09/27
الفصل 24: قلب العاصفة
2026/09/28
الفصل 25: ما بعد العاصفة
2026/09/28
الفصل 26: أرض اوني
2026/09/29
الفصل 27: شفرات تحرير
2026/09/30
الفصل 28: خريطة فالهالا
2026/09/30
الفصل 29: نحو أرض اوني
2026/10/01
الفصل 30: ارض فالهالا
2026/10/04
الفصل 31: اختبار الإرث
2026/10/05
الفصل 32: ارشيف ظلام
2026/10/06
الفصل 33: صديق من الماضي
2026/10/11
الفصل 34: إخوة
2026/10/13
الفصل 35: نصف الدم
2026/10/15
الفصل 36: وعد الانتقام
2026/10/16
الفصل 37: ارشيف الحروب
2026/10/18
الفصل 38: الديار
2026/10/20

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة