الفصل الخامس والثلاثون — نصف الدم
ظل لويد ينظر إلى أكيرا من خلف القضبان، غير قادر على استيعاب ما سمعه.
— نحن إخوة...؟
أومأ أكيرا بهدوء.
— نعم يا لويد.
أنزل لويد رأسه، ثم مرر يده على شعره محاولًا ترتيب أفكاره.
— طوال حياتي، لم يخبرني أحد أن لدي أخًا. كيف يُعقل أن أنسى شخصًا من عائلتي؟
لم يُجب أكيرا فورًا.
كان يعرف أن الإجابة لن تكون سهلة، خصوصًا أن لويد لم يكن يتذكر شيئًا من الأيام التي جمعتهما.
قال أخيرًا:
— لا أطلب منك أن تصدق كل شيء الآن. أعرف أن الأمر صعب عليك، لكنني انتظرت طويلًا حتى أراك مرة أخرى.
رفع لويد عينيه إليه.
— انتظرتني؟ كم سنة قضيت هنا؟
— سنوات طويلة.
— ولماذا لم تحاول الخروج؟
نظر أكيرا إلى الممر خلفه، ثم عاد بنظره إلى لويد.
— حاولت أكثر من مرة. لكن أرض فالهالا ليست مكانًا يمكنك مغادرته بسهولة، خصوصًا عندما تكون محاطًا بجيش كامل من الأوني.
قبض لويد يده.
— إذن سنخرج معًا.
ابتسم أكيرا ابتسامة خفيفة.
— بهذه السرعة؟ لقد التقينا للتو، وأنت لا تعرف عني شيئًا.
— أعرف أنك تقول إنك أخي، وأنك تعرف ماضيّ أكثر مني. وهذا يكفي في الوقت الحالي.
ظل أكيرا ينظر إليه لحظات، ثم أومأ.
— يبدو أنك لم تتغير تمامًا.
قطب لويد حاجبيه.
— ماذا تقصد؟
— لا شيء.
ابتعد أكيرا عن القضبان، وجلس في زاوية زنزانته.
أما لويد، فظل واقفًا، يحاول فهم الرجل الذي ظهر فجأة في حياته وأخبره أنه أخوه.
---
بعد مرور بعض الوقت، بدأ لويد يستعيد قوته.
اقترب من باب زنزانته، وفحص القفل، ثم نظر إلى أكيرا.
— هل تعرف كيف نخرج من هنا؟
— ربما.
— ربما؟
ضحك أكيرا بخفة.
— هل تتوقع مني أن أملك خطة جاهزة لمجرد أنك قررت الهرب؟
— كنت أتوقع شيئًا أفضل من هذا.
نهض أكيرا واقترب من باب زنزانته.
— ابتعد عن الباب.
تراجع لويد قليلًا، وظل يراقبه.
وضع أكيرا يده على القضبان، ثم قبض عليها بقوة.
بدأ المعدن ينحني تحت ضغط أصابعه، حتى اتسعت المسافة بين القضبان بما يكفي لمرور جسده.
حدق لويد فيما حدث بدهشة.
— ماذا؟!
خرج أكيرا من زنزانته وكأن الأمر لم يتطلب منه أي جهد.
اقترب من باب زنزانة لويد، ثم أمسك القضبان بكلتا يديه.
بعد لحظات، انحنت هي الأخرى.
تراجع لويد خطوة، وهو ينظر إلى أخيه.
— كيف تملك كل هذه القوة؟
أجابه أكيرا بهدوء:
— لأن دمنا ليس كدم البشر العاديين.
خرج لويد من زنزانته، ثم نظر إلى يديه.
— أنا أيضًا أحمل دم الأوني، لكنني لا أستطيع فعل شيء كهذا.
— لأنك لم تصل بعد إلى حدود قوتك الحقيقية.
رفع لويد رأسه.
— هل تعرف شيئًا عن قوتي؟
توقف أكيرا للحظة.
— أعرف أنك مختلف عن البشر، لكنني لا أعرف كل ما تستطيع فعله الآن. لقد افترقنا منذ أن كنا طفلين.
لم يُعجب لويد بالجواب، لكنه لم يضغط عليه.
كان هناك الكثير مما يحتاج إلى معرفته، إلا أن الخروج من السجن أصبح الأولوية.
قال لويد:
— مهما كانت قوتنا، علينا الوصول إلى الأرشيف القديم. أحتاج إلى خريطة الشفرات الثلاث.
أومأ أكيرا.
— أعرف مكان الأرشيف تقريبًا، لكن الوصول إليه لن يكون سهلًا. علينا المرور بممرات القلعة، وقد نواجه الحراس في أي لحظة.
— إذن لا نضيّع الوقت.
تحرك الأخوان نحو نهاية الممر، بخطوات حذرة.
---
كان الممر المؤدي إلى الخارج خاليًا في البداية، لكنهما سرعان ما سمعا أصوات حراس يقتربون من الجهة المقابلة.
رفع أكيرا يده، وأشار إلى لويد بالتوقف.
ظهر عدد من الأوني عند نهاية الممر.
لم يتردد أكيرا.
اندفع نحوهم بسرعة، ووجه ضربة أطاحت بأولهم إلى الجدار، ثم استدار ليتفادى هجوم الثاني.
حاول أحد الأوني مهاجمته من الخلف، لكن أكيرا أمسك بذراعه وألقاه أرضًا.
وقف لويد مذهولًا للحظة.
لم يكن أخوه يقاتل كأي شخص واجهه من قبل. كانت حركاته مباشرة، وقوته الجسدية هائلة، ولم يحتج إلى سيف كي يتغلب على خصومه.
لكن أحد الأوني تمكن من تجاوز أكيرا، واتجه نحو لويد.
تراجع لويد، ثم رفع ذراعه لصد الهجوم، إلا أن قوة الضربة دفعته إلى الخلف.
استعاد توازنه، ووجه ضربة مضادة أسقطت خصمه أرضًا.
التفت أكيرا إليه.
— هل أنت بخير؟
أومأ لويد.
— لا تقلق عليّ. اهتم بمن أمامك.
ابتسم أكيرا.
— بدأت أفهم لماذا كنت مصرًا على القتال منذ صغرك.
توقف لويد عند سماع كلماته.
— منذ صغري؟
لكن أكيرا كان قد استدار نحو الحراس الآخرين.
لم يكن الوقت مناسبًا للأسئلة.
بعد أن تجاوزا الممر، واصلا السير حتى وصلا إلى باب جانبي يؤدي إلى جزء أقدم من القلعة.
توقف أكيرا أمامه، ثم تفحص النقوش المحفورة على سطحه.
— هذا الطريق قد يقودنا إلى الأرشيف.
اقترب لويد منه.
— هل أنت متأكد؟
— لا.
تنهد لويد.
— رائع. أخي الذي لم أكن أعرف بوجوده، ولا يعرف الطريق الذي يسلكه.
ضحك أكيرا للمرة الأولى بصوت واضح.
— على الأقل بدأت تتعامل معي كأنني أخوك فعلًا.
لم يرد لويد، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة.
ثم دفع الاثنان الباب، ودخلا الممر المظلم خلفه.
---
بعد مسافة طويلة، توقفا في غرفة مهجورة.
كانت الجدران مغطاة بالغبار، وعلى أطرافها رفوف فارغة وبقايا صناديق قديمة.
جلس لويد ليستريح، بينما وقف أكيرا قرب إحدى النوافذ الضيقة، يراقب ما يظهر من القلعة.
قال لويد بعد لحظات:
— أكيرا.
التفت إليه أخوه.
— ماذا؟
تردد لويد قليلًا قبل أن يتكلم.
— هل كنت قويًا حتى عندما كنا صغيرين؟
ابتسم أكيرا.
— كنت أقوى منك بكثير.
رفع لويد حاجبه.
— لا تبالغ.
— بل أنت الذي لا تتذكر.
صمت لويد، ثم قال:
— وهل كنت أنا ضعيفًا؟
اختفت الابتسامة من وجه أكيرا، وأجاب بجدية:
— لم تكن ضعيفًا. كنت تحاول دائمًا اللحاق بي، حتى عندما كنت تعرف أنك لن تستطيع هزيمتي.
نظر لويد إلى الأرض.
لم يستطع تذكر أي شيء من ذلك، لكنه شعر أن أكيرا لا يتحدث بدافع السخرية.
تابع أكيرا:
— كنت ترفض الاستسلام بسهولة. إذا سقطت، نهضت. وإذا خسرت، طلبت أن نعيد القتال.
رفع لويد رأسه.
— يبدو أنني كنت مزعجًا.
ضحك أكيرا.
— كنت كذلك فعلًا.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا كما كان في السجن.
للمرة الأولى، بدأ لويد يشعر بأن الحديث مع أكيرا ليس غريبًا تمامًا، رغم أنه لا يتذكر الأيام التي جمعتهما.
ربما كان الدم الذي يجري في عروقهما مشتركًا، لكن ما أثار دهشته أكثر هو شعوره بأن هذا الشخص لم يعد غريبًا عنه كما كان قبل ساعات.
نهض لويد، ثم اتجه نحو الباب.
— علينا المتابعة.
وقف أكيرا بجانبه.
— إلى الأرشيف؟
— إلى الأرشيف. لن أغادر فالهالا من دون الخريطة.
نظر أكيرا إلى أخيه، ثم أومأ.
— إذن لنذهب.
فتح لويد الباب بحذر، وخرج الاثنان إلى الممر التالي.
لم يكن يعرف ما الذي ينتظرهما في أعماق القلعة، ولا الأسرار التي ستكشفها له هذه الرحلة.
لكنه كان يعرف الآن أنه لم يعد وحيدًا.
وبينما كان الأخوان يتقدمان نحو الأرشيف القديم، كانت هناك حقيقة أخرى من ماضي لويد لا تزال مخفية عنه.
حقيقة ستغيّر نظرته إلى طفولته، وإلى أمه، وإلى السبب الذي جعله ينسى أخاه.
ولم يكن أمامه سوى أن يواصل السير حتى يصل إلى الإجابة.
wesam aljriri