الفصل الثاني

الفصل الثاني

15 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

--------

غُرس حبك فى قلبى غرساً

فزاد القلب توهجاً

يا حياة القلب انت لى وطناً

وعشقى لكى ملاذاً

2

انتى حبيبتى التى انتظرتها عمراً

واحترقت فى عشقها بنار الغيرة حرقاً

وكيف لا اغار وانت حياة القلب انت لى روحاً

فانا اغار من نسمة هواء مرت على وجهك مداعباً

فما بالك من غيرتى من بشراً

------------

عاد إلى منزله تلك الليلة مثقلاً بذكريات الماضى، وبعد أن أعطى والدته دواءها لم يتمكن من مغادرة غرفتها مباشرة، بل جلس يتسامر معها، وغرقا فى الحديث حتى نبشت الماضى دون قصد، حينها نهض يلم شتات خيباته وغادر  بعد أن اطمأن أنها خلدت إلى النوم متجنباً المرور بوالده، خشية اندلاع شجار آخر.

خلع ملابسه وألقاها بإهمال على الفراش، ثم توجه مباشره إلى الحمام، آملاً أن يخفف الماء البارد من فورة غضبه، وقف تحت الرذاذ، يسند ذراعيه على الحائط مغمض العينين، فيما شريط الذكريات اللعينة، لكن كيف ينسى ما ترك جرحاً غائراً في قلبه لم يندمل رغم مرور السنين؟

       (( قبل تسع سنوات))

عاد من سفره مفعماً بالسعادة، تحيطه هاله من البهجة وهو يدلف إلى المنزل، يدندناً ببعض الأغاني، لكنه ما إن وطأت قدماه الداخل حتى تجمدت ملامحه، وسقط ما بيده أرضاً واوقف انفاسه، وهو يري والده (بهاء) ممسكاً بشعر والدته (ليالى)، يلطم وجهها مرة بعد أخرى، شله الصدمة، ثم اندفع بجسده يحول بينها وبين الضرب، متلقياً بعض اللكمات بدلاً منها، وما زاد من وجعه لم يكن الضرب، بل الكلمات التي قيلت في تلك اللحظة، حين صرخ والده في وجهه:

"إنت السبب في كل حاجه غلط في البيت"

رفعت (ليالى) عنقها تحاول إبعاد أبنها بيدين واهنتين، تصرخ في حرقة:

"ما تظلمهوش… كل حاجه ضاعت بسبب إهمالك وعدم مسؤوليتك"

وقف بينهما عاجزاً عن استيعاب ما يحدث، لا يعرف ماذا حدث وفيما اخطأ ليجعل والده بهذا الغضب، فيما قال (بهاء) بلهجة متشفية:

"مش أنا عديم المسؤولية يا ست (ليالى)؟!شيلي بقي انتي وابنك الليلة، ومن بكرة هو اللى هيمسك المركب ويورينى هيمنعها من الغرق إزاي"

1

وظل يكيل له السباب حتي صمت أذناه، بينما (ليالى) تهاوت إلى أقرب مقعد قد بدا عليها الإنهاك، ليس فقط جسدياً بل روحياً. التفت (براء) إليها يحاول أن يفهم وسط الصدمة:

" إيه اللى حصل يا أمي؟! و إزاى يعمل فيكى كده؟"

مسحت دموعها ثم أمسكت بيده المرتجفة، وقالت بصوت خافت متقطع:

"الشركة وقعت يا (براء)…أبوك لازم يبيع كل حاجة ويعلن إفلاسه"

((عودة إلى الحاضر))

عاد إلى الواقع، حين دوي جرس باب شقته، فتافف من الإزعاج خاصة أن الطارق لم يكف عن الضغط عليه بعناد تمتم بضيق:

" أكيد الأستاذ (ثامر)"

ارتدي منشفة سريعة، ثم فتح الباب ليجد صديقه (ثامر) يزاحمه بالدخول مباشرة، فقال بلهجة مغتاظة:

"إنت إيه يا ابنى رخم بالفطره؟!"

واضعاً (ثامر) الأكياس الطعام على الطاولة وسط الصالة قائلاً:

" إيه يا ابني؟! ساعه عشان تفتح، أنا كنت قربت أفرش وأكل على السلم"

ضحك (براء) وهو يجلس بجواره:

"ومكلتش في بيتكم ليه يا مستفز؟!"

أخذ (ثامر) يفتح أكياس الطعام، وشرع في الأكل بنهم، مردداً بفم ممتلئ:

"وأنا أقدر أكل بردو من غير صاحبي وحبيبي (بروءة)"

رفع (براء) حاجبه ساخراً:

"بروءة!؟"

نظر إلى الطعام دون شهية، قائلاً:

" لا يا حبيبي… كل إنت أنا مليش نفس"

رد (ثامر) غير مكترث، وهو يتابع طعامه:

"ما أنا جيت عشان أفتح نفسك اهو، وقولت طبعا الحج (بهاء) سد نفسك عن الحياة"

تبدلت ملامح (براء) فور سماع اسم والده، وزفر بقوه كأنما يحاول إخماد نيران غضبه، قائلاً:

" فض السيرة يا (ثامر) الله يباركلك"

وضع (ثامر) الطعام أمامه و غمز بعينه، مبتسماً بمكر:

"يبقي لازم تتعشي عشان ميبقاش نكد هنا وهناك"

1

نظر إليه (براء) ممتناً ثم بدأ يأكل بشرود، فيما سأله (ثامر) بلهجة جادة:

"وناوي تعمل إيه في الشركة؟! هتوافق على الشراكة مع (محمود السمري) وتكمل اللى بدأه عمي ولا ايه؟!"

تشنجت ملامح (براء) فترك الطعام ونهض قائلاً:

"أكملها إزاي بس يا (ثامر)؟! إنت عارف سمعه (محمود) في السوق عامله ايه، هو أنا عشان أبقي ابن بار، أهد تعب سنين و أجازف بالشراكة دي"

هدأه (ثامر):

"اهدي يا ابنى، انا بس بسألك هتعمل ايه، مش بقولك امضي العقود"

عاد (براء ) للجلوس، ثم قال بصوت يحمل حزناً دفيناً:

"أنا مش فاهم بابا عايز إيه، عمال المصنع مش عايز يديهم مرتباتهم، ولولا إنى صرفتلهم الأسبوع اللي فات المرتبات كان زمانهم لسه عاملين إضراب، والشركة…عايز يشارك واحد سمعته زي الزفت ليه؟! نفسي أفهم دماغ أبويا بتفكر إزاي؟!"

أسند (ثامر) ذقنه على راحته، متمتماً بدهشة:

"الصراحة… أول مرة أشوف واحد عايز يدمر نفسه بنفسه"

اطرق (براء) رأسه وقال بنبرة ناقمة:

" بالضبط، ومحدش شايل الليلة دي غير أمي، المرض اللى جابها بسبب اللى بيعمله فيها، والله خايف عليها منه، انت متعرفش قد ايه"

ربت (ثامر) علي يده مطمئناً:

"ما تخفش… الله خير حافظاً، يلا بقي كل عشان عارف إنك ماكلتش من الصبح "

                 -----------

مرت الأيام بسرعة على البعض، وببطء قاتل على آخرين من بين هؤلاء كان (يامن) الذي كان يحترق شوقاً ليجتمع أخيراً بحبيبته.

وقف يتأمل منزله الجديد، بنظرة تقييميه بعد أن غادره العمال، ثم التفت على وقع خطوات مألوفة، وسأل بلهفة:

" اتأخرتي ليه؟!"

اقتربت منه (بيان) وهي تدور بعينيها تتأمل المكان بانبهار ثم نظرت إليه، مشدوهه بجمالها، فسألها:

"عجبتك الشقة؟!"

همست بسعادة، وقد برقت عيناها:

"اوي، بالظبط زي ما تمنيت"

اقترب منها أكثر، ونظر فى عينيها العاشقتين، بينما أصابعه تتلمس ذراعها برفق، همس بصوت أجش:

"(بيان) تتمني… وأنا أنفذ"

1

تأملت وجهه القريب منها في عشق، ملأ جنبات روحها تمنى نفسها أنه تبقي القليل فقط، حتي يجمعهم منزل واحد، ولم تعى أن لسانها ترجم تمنيها ناطقا بتلك الكلمات، ما سبب فى اشتعال وجنتيها، تسارعت أنفاسه بعد وقع تلك الكلمات على مسامعه، فإنتقلت عينيه إلى تلك الشفاة الناطقة، مقترباً منها بتمهل لابد أن يتذوق تلك الشفاة التى تقطر شهدا، فلا تنطق إلا بما يجعل قلبه يقفز من مكانه لأجل معشوقته.

خطف أنفاسها وهو يمس شفتيها مسا خفيفا، حتي كادت تذوب بين ذراعيه الرجوليه، فأسندت كفيها على صدره العضلى، ورفع يديه يتخلل شعرها أصابعه، حتى استقرت خلف رأسها، معمقا من تقبيله لها يرغب إن يصل إلى أعماق روحها، ملأ صوت أنفاسهم العالية سكون حولهم.

فقال (يامن) وصدره يعلو ويهبط، يشعر بفقدان سيطرة وشيك:

"أنا لازم امشي حالا، يا اما لا انا ولا انتى هنمشى النهاردة"

ابتسمت (بيان) بخجل، وهي تشعر بغرور الأنثى بداخلها وهي تري حالته تلك، فنظر إليها وهو يري ابتسامتها تلك:

"عجبك حالتى كده؟!"

1

فهزت برأسها بالايجاب، وقد اتسعت ابتسامتها، نظر هو إلى أعلي وقال مازحاً بصياح:

"يا منجي من المهالك يارب"

1

ضحك الاثنين فاقترب منها مرة أخرى، وطبع قبله على جبينها:

"يارب قرب البعيد بقي"

                  --------------

ومر أسبوع أخر، وجاءت ليلة ما قبل الزفاف، بعد انتهاء ليله الحناء، جلس (يامن) في حديقة منزلهم، مسنداً ذراعيه خلفه، يتأمل السماء المرصعة بالنجوم كما أعتاد هو وشقيقته دائماً.

جاءت (توليب) من خلفه، وجلست بنفس هيئته المعتادة كل ليلة، ثم قالت ممازحة:

"إيه يا عم العريس، بتعد النجوم ولا ايه؟! ولا بتراجع قراراتك؟!"

رفع إليها طرف عينيه مبتسماً بسخريه ناعمة:

" لا، بعد الدقايق عشان اليوم يخلص وأرتاح"

مالت عليه قليلاً وهي تشاكسه:

"يعني مش متوتر ولا حاجة؟"

دفع رأسها بعيداً عنه بإصبعه السبابة، قائلاً:

"متوتر؟! أبداً، ده أنا بعد الدقايق عشان اليوم يخلص"

رفعت يديها كأنها تعزف على الكمان، وقالت بمرح:

"يا سيدي يا سيدي علي الرومانسية "

ثم نظرت له بحب، واقتربت لتسند رأسها على كتفه قبل أن تهمس بحزن:

"مش عارفه هتبعد عني ازاي يا حبيبي "

ضمها إليه وقبل رأسها بحنان:

"هو أنا يعنى هاروح فين؟! ما أنا جنبك أهو"

رق الدمع فى عينيها، وهي تنظر إليه، قائلة بحزن وقد شعرت بأنها ستفتقده كثيراً:

"إزاي هاصحي الصبح مش هلاقيك موجود؟! مش هنتجمع على الفطار زي ما كنا بنعمل كل يوم"

وبكت وهي تضيف:

"مين هيرخم عليا كل يوم؟!"

ضحك وضربها بخفه على رأسها من الخلف، ممازحاً في محاولة لإلهائها:

"قصدك إنى رخم بقي ولا إيه؟! يا وردة هانم"

ضحكت (توليب) من بين دموعها، وهي تجاريه في المزاح:

" طبعا، مش محتاجة كلام"

ضحك هو الآخر، وضمها إليه وقبل رأسها مجدداً، قبل أن يقول بصوت دافئ:

"ما أنا مش هسيبك، وهفضل أرخم عليكى، وبعدين هو أنا هتجوز فى بلد تانيه؟!"

مسحت دموعها سريعاً بظهر كفها، ثم قالت بتنهيدة:

" دا أنا كنت أموت"

التمعت عيناه تأثراً بحديثها، وهتف بلهفة:

" بعد الشر عليكى يا وردتى"

رفعت عينيها إلى السماء وقالت بشجن:

" تصدق؟! مش متخيلة نفسي ابداً أخرج من القرية دي، بحس إنى زى السمكة اللى لو خرجت من الميه تموت على طول... أنا لو خرجت من هنا مش هعرف أعيش"

نظر إليها متفحصاً وقال:

" عشان كده بترفضى كل العرسان اللى من برة القريه؟"

أنزلت وجهها نحوه وأومات برأسها، فسألها مدققاً النظر في عينيها:

" طب واللى من جوة القرية بترفضيهم ليه؟!"

أسبلت جفنيها ونظرت إلى أصابعها المشبوكة بارتباك، قبل أن تهمس:

" بصراحة… بعيد عن إنى مش عايزة أبعد و أسبيكم ولا أسيب بابا وماما، إلا إنى محستش بالألفه ناحية حد فيهم"

ثم أشاحت بوجهها خجلاً حين شعرت بأنه ينصت إليها بإهتمام، ثم استرسلت فى حديثها بعينين حالمتين:

" نفسى أعيش قصة حب زى اللى فى الروايات"

ثم ضحكت وهى تعيد نظرها إليه قائلة:

" وهاروح بعيد ليه؟! أنا طول عمرى نفسى فى قصة حب زى قصتك إنت و (بيان)، أى نعم هيبقى صعب يكون بيحبنى من وأنا صغيرة، بس ده ما يمنعش إنى أحلم بحاجة تشبه كده"

ضحك (يامن) قائلاً بلهجة دافئة:

" إن شاء الله يا وردتى تحققى كل اللى بتحلمي بيه"

قالت (توليب) بدلال طفولى:

" وبعدين أنا لسه صغيرة أصلا"

ضرب على رأسها من الخلف برفق، قائلاً بلهجة متسلية:

"انتى يا بت بتصغري بمزاجك وتكبري بمزاجك؟!"

ضحكت وهزت رأسها بالإيجاب، فابتسم وهو يمسح على شعرها، قبل أن يقول بحنو:

"ربنا يبعتلك ابن الحلال إلى يقدرك يا وردتي"

1

   --------------_---------

وجاء يوم الزفاف…

ضم الفرح الكثير من العائلات من كبار القرية إلى العمال الذين يعملون في الحقول، فلطالما كانت عائلة النمساوي محبوبة من الجميع الغني والفقير.

وقف (يامن) ممسكاً بيد شقيقته متوتراً منتظراً خروج (بيان) من الغرفة التي تم تزيينها بها، رفعت (توليب) يده إليها وطبعت قبلة عليها، قائلة:

" ألف مبروك يا حبيبي"

أبتسم هو لفعلتها وحاوط كتفها، قائلاً:

" الله يبارك فيكي يا وردتي، وعقبال ما أفرح بيكي إن شاء الله"

أما (بيان) فخرجت برفقة (بدور)، وكان قلبها يكاد يخترق صدرها من شدة نبضاته، كانت تنظر إلى الأرض في خجل، غير قادرة على رفع عينيها إليه، شعرت باقترابه ومع كل خطوة يخطوها نحوها، كانت تشعر بأن قلبها سيقفز، كان هادئاً… لم يبد أي رد فعل مما جعلها ترفع عينيها إليه، ويبدو أنها نسيت كيف تتنفس في تلك اللحظة، وهي تري نفسها في لمعان الدمع الذي احتبس في عينيه.

نطق أخيراً بصوت هامس بالكاد خرج منه:

"انتي أجمل حاجه شافتها عيني"

سألته بعينيها: أحقا أعجبتك؟!

فجاء رده عندما احتضنها بين ذراعيه، رافعاً إياها عن الأرض، وصاح بسعادة غامرة:

" اخييييييييييرا"

ضحك الجميع على فعلته، وحين أنزلها، نظر في عينيها، ورأى دموع الفرح تتلألأ بهما، قال لها بصوت دافئ:

"تعبت من كتر ما عديت السنين اللي كنت بتمني فيها اليوم ده"

ثم رفع يديه في الهواء بحماس، وصرخ مجدداً:

"وأخيراً حلمي اتحقق "

ضحكت (وجدان ) على تصرف ابنها، وقالت (لبدور) ممازحة:

" مجنون… أنا عارفه"

ضحكت (بدور) وأكدت كلامها:

"الاثنين أجن من بعض والله، لايقين على بعض أوي"

                  ---------------

وقف (داوود) يتلقى التهاني والمباركات بجانب جاره العزيز ونسيبه (فاروق) والد (بيان)، وبين وسط التهاني التقط أذنه صوتاً مألوفاً، جعله يلتفت بابتسامة عريضة:

"الله وكبرت وبتجوز ابنك يا (داوود)"

التفت بسرعة، لترتسم على وجهه دهشة ممزوجة بالفرح:

"مش معقول (بهاء) بيه بنفسه جاي الفرح"

تقدم منه بحرارة، وصافحه بقوة:

"والله منورنا"

بادله (بهاء) السلام بنفس الحماسة:

"معقول محضرش فرح ابن صديقي العزيز"

ضحك (داوود) وربت على كتفه مازحاً:

"وبعدين مين اللي كبر؟! اتكلم عن نفسك، أنا لسه في عز شبابي يا حبيبي"

ضحكا معاً، ثم قال (داوود) بحماس:

"تعال اعرفك على (يامن)، عشان أنت لو شفته مش هتعرفه، أنت تقريباً أخر مرة شفته فيها كان عنده ١٥ سنه"

أومأ (بهاء) مبتسماً:

"معاك حق والله أنا فعلا بقالى زمن مجتش القرية"

اقتربا من العروسين، ونادى (داوود) على ابنه:

"تعال يا (يامن ) شوف مين هنا"

نظر (يامن) إليه وترك عروسه، وأقترب منهم:

"أنا آسف والله مش واخد بالى"

مد (بهاء) يده مصافحاً بابتسامة ودودة، قائلاً:

" طبيعي يا حبيبي، إحنا ما شفناش بعض من ١٢ سنه"

نظر (يامن) إلى والده، يسأله بعينيه من يكون، فبادر (داوود) بتفسير سريع:

" عمك (بهاء) صديقي صاحب شركة الجارحي "

اتسعت عينا (يامن) قليلاً وهو يتذكر، ثم قال بترحيب صادق:

"آه اهلا وسهلا اعذرني بقي، ما عرفتكش في الأول"

قبل أن يسترسلوا في الحديث، انطلقت الموسيقى الخاصة برقصة العروسين، فاستأذن (يامن) منهما، واتجه نحو (بيان)، ليجدها تصفق بيديها بحماس وهي تحدث (توليب) بسعادة:

" اغنيتى المفضلة"

ضحكت (توليب) وهي ترسل لها قبلة في الهواء:

" ودي حاجه تفوتني؟!"

لم يمهلها (يامن) وقتاً، إذ جذب (بيان) من خصرها، وهمس قرب أذنها:

"وحشتيني في الدقائق اللي فاتت دول"

نظرت إليه (توليب) بدهشة متسلية، وقالت مستنكرة:

"حضرتك المفروض تاخدها وترقصوا مش تيجي تحب فيها"

ضحك (يامن) ورد بمزاح:

"بس كده؟! من عيوني"

ثم أمسك بيد (بيان)، وسحبها برفق إلى منتصف الساحة، حيث كان الجميع ينتظر رقصة العروسين.

في تلك اللحظة، التفتت (توليب) حين سمعت صوت والدتها:

"عقبالك يا بنتي، لما اشوفك عروسة كده"

حاولت التهرب من والدتها:

"أنا رايحة أجيب حاجه أشربها، اجبلك معايا؟!"

لكن (وجدان) أمسكت بذراعها، ومنعتها من الذهاب، وقالت بجدية:

"(توليب) انتى فاهمه كويس أنا قصدي ايه"

صمتت (توليب) للحظات، بينما حاولت والدتها أن تجد الكلمات المناسبة لإقناعها، قبل أن تقول بحنان:

"يا بنتي، نفسي افرح بيكى"

نظرت إليها (توليب) بحب، وأمسكت وجهها بين يديها بلطف، قبل أن تهمس:

"يا حبيبتي هتفرحي والله، بس لسه بدري على الكلام ده"

تنهدت (وجدان) قائلة بإصرار:

" لا بدري ولا حاجه، انتى اللى بتتحججي"

ابتسمت (توليب) بمكر طفولي، ورفعت طرف فستانها استعداداً للهرب:

"اوعدك هفكر في الموضوع تانى"

ثم ابتعدت بسرعة متجهة إلى طاولة المشروبات، واختارت عصير التوت مشروبها المفضل قبل أن تقف تستمتع بالمشهد أمامها، حيث كان شقيقها وصديقتها يرقصان باندماج تام، وكأن لا شيء في العالم موجود سواهما.

         -------------

همس (يامن) بالقرب من أذنها، بصوت يفيض عشقاً:

"أخيراً، هتبقى معايا على طول"

تلاقت أعينهما، تحملان كل المشاعر التي لم تنطق يوماً، فابتسمت (بيان) برقة وهمست:

"طول عمري معاك… وليك لوحدك يا حبيبي"

بلا تردد، أمسكها من خصرها ورفعها عن الأرض، يدور بها وسط تصفيق الجميع وتشجيعهم، بينما ضحكت بسعادة غامرة.

وعندما أنزلها برفق، نظر في عينيها بصدق قائلاً:

" بحبك❤️"

لم تمنحه فرصة لمزيد من الكلمات، بل اقتربت وطبعت قبلة على وجنته بجرأة لم يعهدها منها، قبل أن تهمس بشغف:

" وأنا بموت فيك"

ضج المكان بالتصفيق والهتاف، بينما كانت (توليب) تصفق بحماس، مستمتعة بالمشهد أمامها، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوتاً بجانبها:

" عجبني شعرك كده"

ردت دون أن تنظر، وبنبرة لا تخلو من الحدة:

"محدش سالك عن رأيك"

لكنها لم تستطع إنكار أنها كانت تشعر بتميزها هذه الليلة، فقد تركت شعرها طبيعياً للمرة الأولى، بتلك التموجات الجذابة التي انسابت مع لونها البني الداكن، متناسقة مع بشرتها السمراء وصفاء وجهها المميز، مما جعلها تشبه التوليب في رقته ونعومته.

جاءها صوته من جديد، لكن هذه المرة بنبرة أكثر جرأة وهو يتأملها:

"جميلة في كل حالتك انتى يا وردتي"

استدارت إليه بغضب، عيناها تشعان رفضاً واستنكاراً:

" أنا مسمحلكش تتكلم معايا بالشكل ده"

لكن (مسلم) لم يتراجع، بل اقترب أكثر، واقفاً أمامها مباشرة، ونبرته تحمل تحدياً واضحاً:

1

"ما كفايه تقل عليا بقي يا جميل"

ضحكت ضحكه غاضبة، وعيناها تضيقان بحدة:

" تقل إيه اللي بتتكلم عنه؟! أنا مش عايزك يا سيدي هو هيبقي بالعافيه؟!"

لكن بدلاً من أن يتراجع، اقترب أكثر، متجاوزاً حدود الجرأة، ورفع يده ليمسك خصلة من شعرها بأطراف أصابعه، يتحسسها، قائلاً:

"هيوصل للعافيه لو فضلتى رافضة كده يا وردتي "

دون تردد، دفعت يده بعيداً عنها بعنف، واشتعلت عيناها بالغضب:

"إنت أكيد مجنون ولازم تتعالج"

ابتسم (مسلم) ابتسامة جانبية، ونظر إليها بثقة أربكتها رغم استيائها:

2

"وهتكوني انتى علاجي"

                        ------------

الله على جمال الدعاء ♥️

اللهُم هبني بيتًا آمِنا لا يتسرَّب سِرُّه، ولا ينفَد خيرُه، ولا يختفي بريقُه، ولا يُقطَعُ طريقُه، ولا يتسلَّلهُ جَفاء، ولا يُثقِلهُ بلاء، واجعلهُ يُطعِمُ الزُّوارَ، ويُحسِنُ الجِوارَ، ويأمَنُ الجِيرانُ بوجوده.

اللهُم لا تُغلِق بابهُ في وجهِ سائلٍ، وصُبَّ عليهِ الخيرَ صبَّا، ولا تجعلِ العَيشَ فيهِ كَدَّا، وأسعِد من يسكُنونهُ، واخذُل من يكرهُونهُ، وأخرِج منهُ أصواتًا تُرتِّلُ القُرآنَ، وتُقيمُ الليلَ بآياتهِ، وتخلُو بمُناجاتِكَ، ومُناداتكَ اللهُمَّ يا سميعَ الدُّعاء. ♡

1

------

بقلم

أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة