روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
------
وها قد أتت ساعة قلبى
وسأكمل معها دربى
وسأحيا بجانبها عمرى
اليوم سأحصد غرسى
حصاد عشقكِ الذى ملأ صدرى
بعد عذابٍ وشوقٍ مضنى
فالحياة بدونك حبيبتى لا تعنى
ولغير رفقتك لا ابغى
سنين مرت وأنا لقربك أرتجى
وبعد اليوم ستكونين أنيسة وحدتى
-------------
حلقت مشاعر البغض والكره فى الأفق وهو يراه يخطو داخل منزلها، كاد أن يركض نحوه يسحبه من ملابسه ويبرحه ضرباً... أبعد كل هذا ستكون له؟!... لا والله.. لن يحدث هذا ولن اتركه يحدث، سأغير هذا المصير بيدى...
اخرج (مسلم) هاتفه يطلب رقمها، وقد انتفخت أوداجه غضبا بعد رؤية (يامن) يستقبل ( براء) داخل منزله، كان يعلم جيداً سبب تلك الزيارة، جاءه صوتها ملهوفا وهى ترد سريعاً:
" قولى إن فى جديد.. وأنك عرفت توصلها"
انفجر (مسلم) بها وقد وجد متنفساً لغضبه:
" أنتى بتسألينى!!"
ثم صاح بغضب:
" أنت مش قلتى إنك هتمنعيه يجيلها هنا... ليه ما عملتيش اللى قلتى عليه؟!"
قالت (سالى) بضيق وقلة صبر:
" أنا مش عارفة أوصله من يومين... لكن أول ما أوصله ه....."
قاطعها هادراً بها:
" ما طبيعة مش هتعرفى توصليله عشان الباشا هنا فى بيت (توليب)"
ثم أضاف بتهديد واضح:
" عارفة لو اللى فى دماغى طلع صح ومجيته عشان (توليب)، انتى هتشوفي منى وش تانى"
صاحت الأخرى بإندفاع:
" ايه دخلنى بيك عشان اشوف وش تانى ولا تالت... انت اللى مش عارف توصلها"
ثم أردفت بمكر:
" ومش عارفة إزاى يعنى، رغم انى حسيت بكلامى معاك انك ذكى، وبتعرف توصل للى انت عايزه"
صمت مفكراً، ثم قال وقد انتشى بإطرائها له:
" أنا فعلا اتحركت النهاردة وطلبتها.... بس زى كل مرة بردو.... اترفضت"
ثم أضاف بفخر:
" بس أنا مسكتش المرة دى وقولتلهم هاخدها يعنى هاخدها"
لاحت على شفتيها ابتسامة رضا وقالت:
" حلو الكلام ده، بس ناقص اهم حاجة"
" ايه هى ؟!"
" إنك تقنع (توليب)... بما أنها زى ما بتقول بترفضك كل مرة"
أمعن التفكير قليلاً ثم أردف بيأس:
" اهى دى الحاجة اللى مش واثق فيها.. أنا عارف (توليب) حتى لو رجعت مطلقة أو أرملة مفيش حاجة هتكسرها"
تفوهت (سالى) بلهجة خبيثة وهى تلف خصلة من شعرها حول إصبعها:
" تبقى انت اللى تكسرها"
لاح الاهتمام على وجهه فسألها:
" ودى أعملها إزاى؟!"
صدحت ضحكتها المائعة منها، وقالت باستهانة:
" أنت كده هتخلينى أغير فكرتى عنك"
ثم أضافت بإيحاء:
" أنا اللى هقولك تعمل ايه... فكر شوية كده... ايه اللى يكسر شوكة أى ست ويخليها تخضع لأى حاجة بعدها، وخصوصا فى أمور الجواز"
ثم استرسلت كالأفعي التي تبث سمها:
" اما الاعتداء أو تصورها كام صورة من إياهم"
صمت (مسلم) يقلب تلك الكلمات في رأسه، ثم فجأة لاحت على شفتيه ابتسامة ذئبية تحمل إشارات شهوانية، وقد استوعب ما ترمى إليه تلك الثعلبة الماكرة، مرر يده على صدره وقال بصوت خفيض:
" فهمتك... و أوعدك التنفيذ هيكون فى أقرب وقت ممكن"
---------------
" أنا مش فاهم برضو! إنت جاى تقولى الكلام ده ليه؟!... دى اموركم الشخصية، إيه دخلنا إحنا بيها؟!"
كان هذا رد (داوود) المتعجب بعدما أخبره (براء) أنه ابن لشخص أخر قبل (بهاء)، وأراه شهادة ميلاده التى كان يحملها فى جيب سترته، وزيف الحقيقة حين قال إنه نسب إلى (بهاء) تحقيقاً لرغبه جده (والد أمه) لسبب يخص الميراث،
بينما (يامن) الذى يبدو عليه انه لم يستوعب بعد ما سمعه، فقال بلهجة شديدة الدهشة:
" يعنى إنت مش ابن (بهاء)؟!"
أومأ (براء) برأسه وقال بوجوم:
" لا ... (بهاء) بيكون جوز امى بعد وفاة أبويا (غالى)، وابن عمها"
كذبة أخرى قالها عن وفاة ابيه، لكن لم يكن بيده حيلة فهو يخشى رفضهم إذا علموا بحقيقته المخزية، كما أنه لن يسمح لأحد بذكر أمه بطريقة تسئ لها.
نقل (براء) نظراته إلى (داوود) وقال بتوتر لا إرادى:
" أنا عارف إنها أمور شخصية يا حج، بس كان لازم تعرفها إنت و (يامن) قبل ما أفاتحك فى اللى جاى عشانه"
تسارعت خقفات قلبه حتى كاد يجزم أنهم يسمعون الآن صوت وجيب قلبه، فبلل شفتيه الجافتين وقال دفعة واحدة:
" بصراحة كده... أنا جاى أطلب إيد (توليب)"
انقطعت أنفاس تلك التى تقف أعلى الدرج، تستمع إلى حديثهم، وتدعو ربها أن تمر تلك المقابلة على خير.
تجمد المشهد بعد تلك الكلمات، وصمت الجميع يعلو وجوههم الذهول، ولم يكسر ذلك الجمود إلا سقوط صينية القهوة من يد (وجدان)، التى كانت على وشك تقديمها لهم، مصدرةً ضجيجاً عالياً يرن صداه فى آذانهم ككلماته، توقفت أخيراً الصينية عن الدوران على الأرض، وساد بعدها السكون، لكنه لم يدم إلا بضع ثوان وبعدها دقت طبول الحرب.
فهب (داوود) واقفاً وهو يقول، وقد اظلمت عيناه:
" إنت بتقول ايه!؟... إنت اتجننت ولا إيه؟!"
استقام (يامن) بدوره وهتف فى محاولة لتهدئة أبيه:
"هدى أعصابك يا حج عشان نعرف نتفاهم"
لكن الآخر لم يستجب له، و أقترب من (براء) الذى وقف أمامه مدافعاً عن نفسه، وقال:
" ابدا والله ياحج، ده أنا عقلت وأخيراً باخد الخطوة الصح"
أغمض (يامن) عينيه، وضرب على جبينه وهو يقول سراً:
" عقلت ايه بس... هو فين العقل ده، وانت بتنيل الدنيا كده"
تسمرت (وجدان) مكانها غير قادرة على النطق، بينما كانت (بيان) تتابع ما يحدث بترقب من على أعتاب المطبخ، أما (توليب) فقد هبطت درجتين للتمكن من رؤيتهم، وقد شحب وجهها بعد أن استمعت إلى نبرة أبيها الغاضبة، فعلى ما يبدو أن أمر ارتباطهم ليس هيناً كما توقعوا.
وقف (داوود) أمام (براء) مباشرة، وقول متفحصاً:
" إنت بتقول ايه؟!... إنت فى وعيك ولا شارب حاجة؟!"
ثم هدر بغضب:
" إنت واعى لنفسك!؟ بتطلب ايه؟!"
جف حلق (براء) وهو يجيب:
" والله ما شارب حاجة يا حج، وواعى كويس جداً للى بطلبه"
وأضاف متوسلاً، خرج منه الكلمات رغماً عنه:
" جوزنى (توليب).. و صدقنى مش هتلاقى حد يصون بنتك أدى"
خرج الرد من فم (وجدان) التى انفكت عقدة لسانها أخيراً، وهى تقول بدهشة:
" إنت عايز تتجوز أرملة أبوك؟!"
نقل (براء) عينيه إليها هاتفا، وهو يريها شهادة ميلاده:
" مش أبويا.. والله ما أبويا، ده جوز أمى، وأنا حاليا ماشى فى إجراءات تغيير الأوراق الرسمية عشان... "
لكن (داوود) قاطعه صارخاً بغضب:
" كل اللى بتقوله ده ما يهمنيش"
وأشاح بيده مضيفاً:
" واتفضل يلا ... أنا ما عنديش بنات للجواز"
أمسك (يامن) ذراع أبيه قائلاً:
" استنى بس يا بابا، اح......"
لكن الآخر نفض يده بعصبية هادراً:
" استنى ايه؟!... أنا لا يمكن أقبل بحاجة زى كده"
سالت دموع (توليب) وهى تستمع إلى رفض أبيها القاطع، بينما قال (براء) بثبات:
" سامحني يا عمي، أنا مش همشى من هنا إلا لما أقنعك بيا"
رفع (يامن) حاجبه متأملاً، فقد أعجبه إصراره، أما (داوود) فلم يعجبه ذلك، فصاح وقد وصل إلى حافة غضبه:
" ايه يعنى، هتفرض نفسك عليا؟!"
" استغفر الله يا عمي مش قص.."
قاطعه (داوود) بغضب:
" ما تقوليش يا عمى"
قالت (وجدان)، ولا تزال تحت تأثير الصدمة:
" يعنى من قلة البنات اللى فى العاصمة يا ابنى، عايز تتحوز أرملة أبوك؟!"
مسح (براء) وجهه وقال:
" يا امى، ( بهاء) مش أبويا... لو عايزانى أحلف على مصحف... هحلف"
وسحب نفساً عميقاً ثم قال:
" ومن بين كل البنات اللى فى القرية والعاصمة والدنيا كلها، أنا ما حبيت إلا بنتك يا امي، وما تمنتش فى الدنيا غيرها"
اتسعت عينا (وجدان) لما تفوه به، فى حين ضرب قلب (توليب) بعنف بين أضلعها، و (بيان) تتابع الأحداث وهى تمسد على بروز بطنها، لا تعلم أتسعد لرؤيتها كم يحب (براء) صاحبتها، أم تحزن لرفض حموها، بينما (يامن) أطبق على شفتيه محاولاً كتم ابتسامته، وهو يستشعر انفجاراً وشيكا لمشاعر طال كتمانها، أما (داوود) فقد جن جنونه لما سمعه، كاد أن ينقض عليه، لولا ذراع (يامن) التى منعته، صاح قائلاً:
"بتحب مين؟!. واختارت مين؟!. إنت أكيد مجنون!!"
رد (براء) بجرأة لا يعرف من أين أتته:
" بحب (توليب)... واختارت (توليب)... و آه أنا مجنون.... بس بيها"
ثم قال متوسلاً:
" جوزهالى يا عمى.. ومش هتلاقى حد يحبها أدى اقسم بالله.. ده أنا بحبها من وهى عندها عشر سنين!"
للمرة الثانية... تجمد المشهد، فعلى ما يبدو أن (براء) يحمل الكثير من المفاجأت، جحظت عينا كلا من (داوود) و(وجدان) غير قادرين على الاستيعاب، فقال (داوود) بلهجة تفيض بالدهشة:
" عشر سنين!!؟... ازاى يعنى ؟!"
وقبل أن ينطق أى منهم، خرجت عليهم (توليب) ووقفت أمام (براء) فى مواجهة أبيها، قائلة بإندفاع، وقد ضربت أى تعقل أو خجل عرض الحائط:
" أنا موافقة على (براء) يا بابا"
-----------------
فى مكالمة مرئية جمعت بين (علاء) و (ثامر) مع (براء) بدأ الأخير في سرد ما حدث معه فى بيت (توليب)، متوقعاً منهم ردود أفعال جادة أو تعليقات على ما مر به، لكنه فوجئ بأنهما لم يبديا أي تعقيب على كلامه، بل انفجرا ضاحكين، إذ بدأ لهما الموقف الذي كان يراه غريباً أو صعباً ...طريفاً إلى حد لا يمكنهما مقاومته، حتي إن (ثامر) مسح دموعه من شدة الضحك وهو يقول:
" مش قادر أصدق إنك اعترفت كده ادام الكل، وخصوصاً ادام الحاج (داوود)"
بينما تحدث (علاء) بفخر من بين ضحكاته:
" أيوة بقي يا كبير"
وربت على صدره بمزاح:
" تربية أخوك والله"
قال (براء) محاولاً لملمة ابتسامته:
" أنا ايه اللى خلاني اتصل بيكم؟! أنا غلطان... سلام"
استوقفه (ثامر) من بين ضحكاته:
" يا عم متبقاش قفوش كده.... أنا بس مش قادر استوعب الموقف اللى حطيت نفسك فيه"
أردف (براء)، بينما لا يزال جالساً في سيارته أمام منزل جده والد أمه، الذي كان منزلهم قديماً:
" أنا نفسي مش قادر اصدق اللى أنا عملته، بس خلاص أنا ما بقاش عندي صبر"
هتف (علاء) مزاحماً (ثامر) ليظهر بوضوح على شاشة المكالمة:
" ولا أنا والله....بقولك ايه يا كبير انت لازم ترجع في أقرب وقت قبل ما ارتكب جناية"
ضحك (براء) قائلاً:
" اهدى على نفسك... هو انا عارف اخطب... وبعدين هو انت لحقت؟!"
بينما سأل (ثامر):
" والحوار خلص على إيه في الأخر؟!"
مسح (براء) على مؤخرة رأسه وقال بخفوت:
" يعني.... شبه اطردت "
كتم (ثامر) ضحكته مستفسراً:
" إزاي يعني!؟"
وقال (علاء) بتأكيد:
" أقل حاجه والله يا كبير "
نظر إليه (براء) شزراً وقال مازحاً:
" روح شوف شغلك الله يباركلك يا شبر ونص"
أبعد (ثامر) الهاتف عن (علاء) وقال مدعياً البراءة:
"
أنا ماليش دعوه بالسفيه ده....احكيلي أنا يا صاحبي، ازاي طردوك؟!"
" آه...اطردت بس مش بالمعنى الحرفي "
ثم فتح باب سيارته وأضاف:
" يعني بعد ما خدوا الصدمة، و(توليب) وقفت أدامه، (يامن ) قالى اني لازم امشي دلوقتى لحد ما يهدي، لاني لو حاولت أتكلم دلوقتى الدنيا هتتقلب اكتر"
قرب (علاء) رأسه من الهاتف قائلاً:
" أحمد ربنا أن (يامن) ما اتعصبش زي أبوه"
رد (براء) :
" من الواضح إن (يامن) عنده فكره عن حقيقة مشاعري اتجاه (توليب)"
قال (ثامر) مستغرباً:
" وانت مشيت بالسهولة دي؟!"
خرج (براء) من سيارته مجيبا:
" ماكنش فى أيدي أعمل حاجه أكتر من اللى عملته، بس قبل ما أمشي قولته اني راجع تاني ومش هبطل أجاي واطلبها إلا لما أقنعة بيا"
أقترح (علاء):
"ايه رايك لو طلبت من (حياة) تجيلك وتتكلم معاه"
فتح (براء) باب المنزل، وقد غمره إرهاق الأيام الماضية الذي بدأ واضحاً على ملامحه وحركاته المتعبة، قائلاً بإنهاك:
" أنا سايب الخطوة دي أخر حاجه... هحاول اقنعه بنفسي الأول"
أكد (ثامر) على حديثه:
" صح كلامك يا (براء) "
ثم وجه كلامه إلى (علاء):
" وبعدين بيقولك طردوه ...عايز تبعتله (حياة) يطردوا هما الاتنين"
ضحك (علاء) وهو يقول:
" والله معاك حق ...كفاية واحد بس مطرود"
هتف (براء) بإستخفاف:
" خفيف أوى انت وهو"
ثم أضاف وهو ينهي معهم المكالمة:
" عموما انا مش هسيبه فى حاله... أنا يا إما أقنعه بيا، يا إما أقنعه بيا...وبعدين امشوا بقي، أنا حاسس إني عايز أنام اد تلت أيام كده ولا حاجه"
ثم ألقي بنفسه على الفراش بعد أن أغلق معهم، وقال متمنياً:
" يارب قرب البعيد"
----------
بجانب أخيها جلست فى غرفتها أمام أبيها، تخفض رأسها بعد أن سقط عنها درع الشجاعة، تتلاعب بطرف ضفيرتها محاولة إخفاء ارتجاف أناملها بعد ما افرغت كل ما بجعبتها له، أما هو فظل مصغياً بإمعان، يحلل كل نبرة فى صوتها، لكنه كان يفكر فى أسئلته الخاصة، وبعد صمت طال كان هو يطالعها بثبات، ثم قال:
" أنتى مدركة، أنتي بتتكلم عن مين؟!"
أومأت برأسها إيماءة بسيطة، وهي لا تزال تنظر إلى الأرض، غير قادرة على مواجهته. فقال بانفعال، غير مستوعب بعد:
"مش مهم بيحبك من إمتى، ولا يعرفك من إمتى فى الأول وفى الآخر هو ابن جوزك"
رفعت عينيها إليه لتنفى قوله، لكنه سبقها بالكلام بلهجة قاطعة:
"عارف إنه مش ابنه، بس الناس مش هتقول غير كده، والكلام هيبقى كتير... وكتير اوى كمان"
هنا تخلى (يامن) عن صمته، وقد امتقع وجهه وهو يقول:
" وإحنا مالنا ومال الناس يا حج؟! كده كده الناس بتتكلم، ولو اهتمينا بكلامهم، يبقي مش هنعيش أصلا"
نقل (داوود) عينيه إلى (يامن) وسأله متعجباً:
" شايفك مش معترض يعنى؟!"
رد الآخر بثقة، داعماً أخته:
" هعترض ليه يا حج؟! أنا شايف إنه إنسان كويس، من الكام مرة اللى اتعاملت معاه فيهم، وكنت لسه بقولك الكلام ده "
ثم أشار بيده وقال:
" يا حج انت كنت بتشكر فيه، وبتقول إنك مستغرب إنه ابن (بهاء)"
وفى محاوله منه لتخفيف الأجواء خرج صوته مرحاً:
" واهو طلع مش ابنه... يبقى فين المشكلة؟!"
أردف (داوود) مستنكراً، بينما جلست (توليب) تتابع دون أن تتحدث، تدعو سراً أن يتمكن (يامن) من إقناعه:
" بالبساطة دى؟! سهلة"
أجابه (يامن) بنفس المرح:
" وهنصعبها ليه بس؟!"
ساد الصمت بينهم مرة أخرى للحظات بدت لها كالساعات، بينما كان قلبها يضرب بجنون داخل صدرها فى انتظار رد أبيها الذى بدا وكأنه يقلب الحديث فى رأسه، ثم قال أخيراً، مبدياً إعجابه ب(براء):
" أنا منكرش إنه عاجبني ...واسترجالته"
انفرجت أساريرها عند سماع كلماته، لكنها سرعان ما ارتخت ملامحها بأسى عندما أضاف:
" بس مش معنى كده إنى أوافق على الجنان ده، في الف من يتمناكى"
وجدت (توليب) صوتها أخيراً، فجرت الكلمات على لسانها دون تردد:
" وأنا مش عايزة غيره يا بابا، ولو مش (براء) يبقى مفيش خالص، ولو على الناس هيتكلموا شوية وبعدين هيسكتوا"
لانت ملامح (داوود) وقد صدق حدسه أن صغيرته تحمل مشاعر قويه تجاه (براء)، بينما لملم (يامن) ابتسامته وهو ينظر إلى شقيقته، ثم سأل والده بحزم:
" هو اعتراضك على شخصه يا حج؟! ولا عشان كلام الناس؟!
وزع (داوود) نظراته بينهما، ثم ثبت عينيه عليها وقال بلهجة تفيض حناناً:
"أنا مش هخليكى تعملى أى حاجة انتى مش عايزاها تانى، وعشانك انا مستعد أقبل بأى حاجة ترضيكى وتخليكى مرتاحة، وتنسى الهم اللى عشتيه، وأدام انتى مرتاحة لاختيارك، أنا يستحيل أقف أدام سعادتك يا وردتى"
تنفست (توليب) الصعداء، وألقت بنفسها بين ذراعي أبيها وقد غمرتها سعادة عارمة، تهمس بحب:
" ربنا يخليك ليا يا بابا، صدقنى مش هتندم ابدا على قرارك ده"
بينما هلل (يامن) وقد اتسعت ابتسامته:
" الله اكبر.. هو ده الكلام يا حج"
وفجأة فتح باب الغرفة على مصراعيه، ودخلت منه (وجدان) وإلي جانبها (بيان )وعلى ما يبدو أنهما كانتا تتنصتان، وقبل أن يعقب أحد على دخولهما العاصف، انطلقت زغاريدها تصدح فى المكان، يرن صداها في قلب (توليب) الذى يتراقص فرحاً داخل أضلعها.
------
((في المساء))
وعدت نفسها ألا تزعجه أن تتركه يستريح بعد إرهاق الأيام الماضية، لكنها لم تستطع....كيف يمكنها أن تكتم فرحتها عنه؟ كان قلبها يضطرب كطائر يحاول التحرر من قفصه يدفعها رغماً عنها إلى هاتفها إلى رقمه، إلى صوته الذي كان دائمًا ملاذها.
قبل أن تدرك، كانت أصابعها تضغط الأرقام، وكأنها لا تملك سلطانًا عليها لم تكن هي من اتصل بل قلبها.
رن الهاتف طويلاً، حتى كادت تيأس لكنه أخيراً أجاب كان صوته ناعسا أجشا مُحملا بإرهاق الأيام الماضية، لكنه رغم ذلك كان دافئاً كما تعرفه دائماً:
"وردتي..."
مجرد سماع صوته كان كفيلا بأن يجعلها تتراجع لكنها حاولت التماسك وزفرت بكاء مختلقا تتقن الدور جيداً أرادت أن ترى كيف سيتعامل مع الأمر، إلى أي مدى سيقاتل من أجلها.
تمتمت بصوت مرتعش، بالكاد تسمع نفسها:
"بابا رفض يا (براء)..."
ساد الصمت للحظات، ظنت فيها أنه نام مجدداً لكن لا... كان يحاول استيعاب كلماتها، كان لا يزال بين النوم واليقظة، نادته بصوت قلق تسبقها دقات قلبها:
"( براء)؟ أنت نمت؟"
وفجأة انتفض جالساً وكأن وعيه عاد في لحظة واحدة، صوته جاءها ممتلئا باللهفة:
"إنتِ بتعيطي؟!"
اجابته بصوت مهتز:
"بقولك بابا رفض..."
هبَّ (براء) واقفاً وشعر بدوار اللحظة، بحث بعشوائية عن ثيابه لم يكن يرى بوضوح، لم يكن يفكر إلا في شيء واحد... كيف يطمئنها؟ كيف يصل إليها الآن؟
قال بصوتٍ مضطرب، يحاول استجماع أنفاسه:
"اهدي يا (توليب)، وفهميني اللي حصل؟!"
أغمضت (توليب) عينيها مشفقة عليه وسمعت أنفاسه المتوترة في الهاتف وهو يحاول تهدأتها:
"هو أكيد يا حبيبتى مش هيكون من أول مرة... وأنا مقدر موقفه، عارف إنه صعب عليه يتقبل الفكرة"
أضافت بشهقات مكتومة:
" رفض انه يسمعني، قالى المبدأ مرفوض... و إنك في الآخر ابن (بهاء)"
تجمد للحظة لكن بدلاً من أن يستسلم للخذلان، قال سريعا وكأنه يحاول أن يخفف عنها أو أن يسرق منها ابتسامة وسط الألم:
"قوليله إني همشي بشهادة الميلاد بعد كده!"
تفلتت منها ضحكى خافتة حاولت كتمها، لكنها خرجت رغماً عنها، فابتسم هو بدوره زافرا براحة لا شيء في الدنيا يريحه أكثر من سماع ضحكتها، حتى وإن كانت وسط البكاء.
جلس على حافة الفراش و أغمض عينيه للحظة ثم تابع بمزاح أكثر:
"أنا بتكلم جد... انا مستعد أعمل أي حاجة عشان أقنعه انى مش ابنه... اعمل اى حاجة عشان يوافق على جوزنا"
وأضاف هامسا:
" حتى لو اضطررت أخطفك"
شعرت بانقباضة صدرها، وكأنها تجاوزت الحد دون قصد، فهمست بصوت يحمل خجلاً واضحاً:
" (براء)"
رد بصوت دافئ، كما اعتادت منه دائماً:
" روح (براء)"
شعرت بوخزة من الذنب لما فعلت وقالت بخجل:
"خلاص... مش قادرة أكمل"
شعر بأن قلبه قد توقف للحظة تراجع في قلق، وسألها بسرعة:
"تكملي إيه؟!"
كانت ضحكتها واضحة هذه المرة ضحكة صافية... عفوية ملأت أذنه دفئا:
"حقك عليا... كنت بهزر معاك! بس شكلي زودتها"
لم يستطع استيعاب كلماتها في البداية شعر بالتشتت وأن عقله متوقف للحظة، ثم فجأة ضرب الإدراك عقله فسألها بلهفة:
"اللي فهمته صح؟!"
أجابت بدلال لم تعهده بنفسها من قبل:
"فهمت إيه؟"
مرر يده في شعره، قلبه يضرب بجنون داخل صدره وسأل بصوت أقرب للرجاء:
"عمي وافق؟!"
توقفت أنفاسها لثانية، شعرت وكأن قلبها تعطل قبل أن ينبض من جديد بسرعة جنونية خفضت صوتها وكأنها تخشى أن يهرب الحلم إن قالته بصوت عالٍ:
"يعني... تقدر تقول كده"
يا الله... أحقاً ما يسمعه؟ أحقاً ستكون حلاله؟ أحقاً سيكف عن الحلم بها ليبدأ الواقع؟!
ابتلع ريقه الذي جف، وخرج صوته متحشرجاً:
"الكلام ده حقيقي؟! ولا أنا لسه مفقتش وبسمع حاجات غلط؟!"
سمع طقطقة خفيفة من فمها وقلبها يتراقص فرحا هامسة:
"حقيقي"
ثم أضافت بسرعة:
"بس هو عايز يقعد معاك الأول...( يامن) هيكلمك بكرة يحدد معاد"
لم يستطع السيطرة على لهفته، قاطعها فوراً:
"بكرة ليه؟! قوليله أنا جاي دلوقتي!"
ضحكت برقة، رقتها التي كانت دائما تقتله عشقاً:
"اللي خلاك تصبر السنين دي كلها... اصبر النهاردة كمان معلش!"
أجابها بصوت خفيض، يحمل كل الأشواق كل السنين كل اللهفة التي لا يستطيع السيطرة عليها:
"مبقتش قادر على الصبر... خلاص يا وردتي."
ثم تمتم برجاء، كأنه يناجي الله:
"بكرة ده بعيد أوي... يا رب قرب البعيد بقى."
-----------------
الشروق...
كان شروقاً مختلفاً عن كل صباح كان شروقاً بطعم السعادة، استنشقت (توليب) عبير الصباح وهى تقف فى شرفة غرفتها تراقب الشروق وهو يرسم السماء بألوان دافئة، تداعب نسمات الصباح الرقيقة خصلات شعرها، فعمقت من سحب أنفاسها، تشعر أخيراً أنها استعادت نفسها، وكأن الشمس لا تشرق فقط على القرية.. بل على روحها أيضاً، وكأنها تتذوق طعم الراحة بعد أيام طويلة من التعب.
زينت ابتسامة سعيدة شفتيها وهى تقول:
" ما أحلى الخضار الطازة على الفطار فى الجو الجميل ده"
وقد فعلت....فخرجت مع أول ضوء للشمس، تحمل بين يديها حقيبتها القشية، تسير بين الحقول تشم بإشتياق رائحة الأرض الندية بعد ندى الفجر، وتلمس بأطراف أصابعها الزروع، وكأنها تسلم على الأرض التى تعشقها، كانت كل لمسه تذكرها بأنها تنتمى لهذا المكان، وأن الطبيعة دائما تمنحها السلام، ولكن ذاك السلام لم يدم طويلاً، فقد خرج فجأة أمامها (مسلم) من بين الحقول، وكأنه كان ينتظرها، وقد صدق حدسها وهى تسمعه يقول وهو يمسح على صدره بتلك الطريقة التى تثير الإشمئزاز:
" والله قلبى كان حاسس إنك هتخرجى النهاردة يا ست البنات "
لا تعرف لماذا جمدت فى مكانها وانعقد لسانها حين التقت عيناها بعينيه، فقد كانت نظراته تحمل شيئاً من الترقب... أو ربما التهديد لا تدرى، حاولت تجاوزه دون التعقيب على حديثه، لكنه بجرأة منه أمسك ساعدها، فرفعت عينيها بدهشة وقد وضحت نظراته أكثر وهو يقول بلهجة ذات مغزى:
" على فين العزم يا جميل؟!"
اتسعت عيناها وهى تنفض يده عنها بعنف:
" أنت اتجننت ولا ايه؟! أنت بأى حق تمسكني كده؟!
عاد ليمسك بها، ولكن هذه المرة امسك ساعديها وقال بتهديد واضح:
" بحق إنك بتاعتى أنا... ومش هسمح ابداً لحد ياخدك منى، إنتى حقى أنا... وهتكونى ملكي أنا"
حاولت (توليب) أن تنزع ذراعيها منه، لكن أصابعه تشبثت بها، مثبتا نظراته عليها مما أرعبها وجعل قلبها ينبض بعنف، لكنها حاولت التماسك وهى تقول بثبات واهن:
" أنت عارف كويس إن ده مش هيحصل... ولو بعد مليون سنه"
وأضافت بعنف، محاولة الانفلات من قبضته:
" ولو كنت أخر راجل فى الدنيا ..عمرى ما هكون ليك "
قربها (مسلم) إليه، ولاحت على شفتيه ابتسامة صفراء متسلطة:
" لا يا حلوة، الكلام ده مبقاش ياكل معايا، وهتبقى ليا برضاكى.. أو غصب عنك"
توقف قلبها للحظة بعد أن أضاف:
" أنا على أتم استعداد أعمل أى حاجة عشان تبقى ليا"
ارتجف قلبها، لكنها ردت بشجاعة زائفة:
" ولا تقدر تعمل حاجة"
ابتعد عنها خطوة تسمح له بأن النظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قال بضحكة عالية:
" لو على العمايل، فهى كتير... وابسطهم تليفون صغير و (يامن) يختفى من الوجود"
سقط قلبها ذعراً، فلقد كانت تخاف على أخيها منه، وتعلم بأنه قادر على فعلها، حدق (مسلم) فى تفاصيلها بنظرات فجة ثم أضاف:
"ولا تحبي ... كام صورة وانتى فى حضنى توصل لحبيب القلب"
شهقت (توليب) واضعه يدها المرتجفة على فمها، وهى تهز رأسها نفياً، بينما أستمعت إليه وهو يضيف بلهجة متشفية:
" وزى ما صدقني أول مرة....هيصدقنى تانى "
ثم لكزها بسبابته بجانب رأسها قائلاً بسخرية:
" حطى عقلك فى راسك يا ست البنات، ووافقى برضاكى بدل ما نخسر حد.. وهتكونى إنتى السبب"
ثم تراجع إلى الخلف، واضعاً يديه فى جيبي بنطاله ببرود، وتلك الابتسامة لم تفارق شفتيه، وهو يري وجهها قد شحب شحوب الأموات، لا تزال تضع يدها على فمها، تهز رأسها نفياً، وكأنها وقعت تحت تأثير الصدمة.... ولكنه لا يعلم أن هناك عينين رأتا ابتعاده، وتوعدتا له بالكثير والكثير، ولكن صبراً فوقته لم يحن بعد.....
----------
اللهم اجعلنا من الذين احسنوا صيامه وقيامه وقراءة القرآن.. اللهم تقبل منا ..
ربنا استودعناك رمضان فلا تجعله آخر عهدنا به ..
اللهم اكتبنا فيه من المعتوقين من نيرانك والفائزين بجنانك وارحمنا واغفر لنا يا الله
🙏🏼🤍🌼
------
بقلم أسماء صالح
Asmaa saleh