روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
جئتك احمل قلبي بين يدي مرسال
فلا ترديه فهو غارق في حبك مازال
وكيف له ان ينساكى فهذا شئ محال
جئت اروى لكى عن حبا ولا الخيال
أشكو لكي سهر الليال
واقسم لكى من أجلك سأحارب الاقدار
فأنا اسير عينيك عاشق مشغول البال
فإقبلي قلبى حبيبتى واقتربى...فإن البعد قد استطال
---------
((بعد مرور شهر))
مرت أيامهم عصبية، مليئة بالبؤس والمعاناه، فلا أقسى على الإنسان من الشعور باليتم، خاصه إذا فقد أحد والديه، فكيف إذا فقدان الاثنين؟ مرت عليهم ليالٍ باردة وقاسية ولم يخفف عنهم سوي وجود خالتهم بجانبهم، إذ قضوا أغلب أيامهم في بيتها، لكن بعد فترة، قرر (براء) العوده إلى فيلا (الجارحي) فلم يكن يرغب في تركها مهجورة هكذا وهي تحمل بين جدرانها ذكريات كل أحبائه، وها قد مرّ أسبوع منذ عودتهم، و بدأت الحياة تستعيد شيئاً فشيئا، وعاد كل منهم لممارسة حياته كمان كان، مدفوناً بآلامه و أوجاعه.
خصوصاً (علاء) الذي كان شديد التعلق بأبيه، ولم يرَ قسوته إلا في مرات معدودة، ولولا وجود (نوران) بجانبه تواسيه، لكان أنهار تماماً ولم يستطع الصمود.
بينما (براء) فاقحم نفسه في أعمال لا حصر لها، محاولاً ألا يمنح نفسه فرصة للتفكير فيما أصابه وعلمه، ورغم ذلك لم يستطع أبداً أن يبعدها عن تفكيره، وكلما اشتد به الحنين وجد نفسه دون إرادة منه تتجه ساقاه إليها، فقط ليراها ويملأ عينيه منها.....حتي ولو من بعيد، وفى كل مرة يسخر من نفسه ومن قدره، فقد عاد إلى نقطة الصفر، يراقبها من بعيد، بعد أن تذوق قربها، واستمع لصوتها، واستنشق عبيرها، وسمع اسمه يخرج من بين شفتيها، بل بعد أن.... ذاق تلك الشفاه، ومع ذلك لم يعد قادراً على الاقتراب منها مجددا، ولم يكن هناك ما يربت على قلبه سوي رؤية ابتسامتها وعودتها إلى حياتها السابقة بين أرضها الحبيبة وأسرتها الغالية.
بينما في الجهة الأخري، كانت (توليب) تحاول جاهدة أن تعود كما كانت، و نجحت أخيراً في ذلك، لكن النسيان لم يكن يوماً خياراً لها، كلما أضناها الشوق لجأت إلى الله تتطلب يمنحها القوة على الصمود، ولكنها لم تطلب النسيان ابداً، كم تمنت أن تكون بجانبه في تلك الأيام العصيبة، فقد وصلهم خبر وفاة (بهاء) منذ ما يقارب الاسبوعين، وحين تلقت الخبر، شعرت بالحزن لأجله، ولأجل (علاء) أيضاً، الذي كانت تراه دوماً مدلل أبيه، حاولت كثيراً أن تمنع نفسها من الاتصال به ولكنها فشلت، ووجدت نفسها تتصل به من رقمها الجديد رغماً عنها، ولكن حين استقبلت أذنها ذبذبات صوته انعقد لسانها، ولم تتمكن من قول شئ، حتى أنفاسها قاربت على الانقطاع، وهي تستمع لأنفاسه المتسارعة، وكأنه شعر بها وعلم أنها هي، فنطق باسمها بلوعة مزقت قلبها، ولم تتحمل سماع نبرة صوته الحزينة تلك، فاغلقت الهاتف علي الفور، ثم انهارت باكية تلعن ضعفها ألف مرة.
أما (سالى) فلم تمل أبداً أو تكل من محاولات التقرب من (براء) تتحين كل الفرص لتكون بجانبه، وقد ساعدتها وفاة (بهاء) كثيراً في ذلك، فمنذ رحيله و(براء) شبه مرابط فى الشركة لا يغادرها إلا للنوم فقط، أما باقي يومه، فيقضيه إما بين أروقة الشركة أو المصنع، وهي لم تكن تفارقه، كظله تماماً.
بينما (ثامر) فبعدما أصر على صديقه خلال الأيام الماضية ليخبره بما يثقله، تلقي صدمة حين اخبره (براء) بالحقيقة ومنذ ذلك الوقت، أمتنع عن الحديث بخصوص ذلك الموضوع احتراماً لمشاعر صديقه ورغبته الشديدة في عدم التحدث، حتى أنه لم يخبر أخاه بعد بالحقيقة.
لكن (حياة) لم تلزم الصمت، فقد أردت أن يعلم الجميع بالحقيقة، ليتمكن غاليها فيما بعد فى الحصول على حبيبته، حتى وإن كان يعاند الآن، فحتما سيأتي وقت لن يتمكن فيه من العناد أكثر، وسيذهب ليحضرها ،ولذلك أخبرت (علاء) بالحقيقة كاملة أمس، دون أن تخفي عنه شيئاً، نعم كانت صدمة كبيرة بالنسبة له، لكنه لا مفر من الحقيقة، ومنذ ذلك الوقت و(علاء) ذهنه مشوش، لا يعلم لما شعر بالغربة حين علم بالحقيقة، وخاصة وأنه لم يواجه أخيه بعد بتلك الحقيقة.
--------------
وضعت أمامه قهوته الخاصة، وهي تمعن النظر إليه، تشعر أن حاله قد تبدل منذ الأمس، كان قد بدأ يعود إلى طبيعته، لكن عتمة الاكتئاب أحاطت به مجدداً.
لمست (نوران) كتف (علاء) لتنبهه إلى وجودها، وحين رفع إليها عينيه الممتلئتين بالحيرة، سالت:
" مالك يا (علاء)؟...حاسه ان فى حاجه متغيرة فيك من امبارح"
لكنه لم يرد، فلا يعلم كيف يخبرها بهذه الحقيقة، ولسانه عجز عن النطق بها، أطلق (علاء) نفساً عميقاً، ثم أمسك بكفيها ودفن وجهه فيهما، قائلاً بصوت باهت، يشعر بانفاسه تطبق عليه:
" مخنوق أوي يا (نوران)"
سحبت كفها بلطف، ومسحت على شعره بحنان، وقد شعرت بنصل حاد ينغرز فى قلبها وهي تراه بهذه الحالة، تمنت لو تحمل عنه ما يضيق صدره، فقالت بصوت دافئ:
" احكيلي ايه اللى خنقك؟ ....يمكن أقدر اساعدك"
رفع رأسه لها، ونظر طويلاً إلى وجهها الرقيق، ثم جذبها من خصرها لتقف أمامه مباشرة، واحتوي خصرها دافنا رأسه به، وهو يضمها إليه، بينما هي اجفلت لفعلته، وخرجت شهقة خجل من حنجرتها، بينما كان قلبها يقرع كالطبول، حاولت التملص من بين ذراعيه هامسه:
" (علاء) ...انت بتعمل ايه؟"
ولكنه شدد من ضمه إليها، وطالعها بنظرات جمدتها، فراته في تلك اللحظة كالطفل الذي يتعلق برقبة أمه، وقال بخفوت:
" أكبر مساعدة ممكن تقدمهالى....انك تكوني جنبي"
قالت وقد غلبت مشاعرها اتجاهه على خجلها:
" أنا جنبك يا حبيبي، بس لازم أفهم ايه اللى فيك وكما..."
ولكنها صمتت حين رأت حاجبيه يرتفعان حتى كاد يصلا إلى منابت شعره، ولاحت على شفتيه ابتسامته الجانبية الجذابة، وهو يقول بهمس حار:
" أنتي قلتي ايه ؟"
انتبهت(نوران) لما تفوهت به دون إرادة منها، فاسبلت جفينها مرة أخرى، وحاولت أبعاده قائلة وقد اشتعلت النار بوجنتيها:
" بقول انك لازم تتكلم عشان ترتاح"
أحكم (علاء) الإمساك بها، وقال بمزاح لطيف:
"عايزة تريحيني... اعتبرينى مسمعتش انتى قولتى ايه، وقوليها تانى"
وضع يده على قلبه يقول بمسكنة:
" ارحمي قلبى المسكين وقوليها تانى"
قالت بدلال لم تتخيل يوماً أن يخرج منها:
” انت سمعتها خلاص"
مال برأسه جانبا لينظر مباشرة إلى عينيها المسبلة، يرمقها بنظرات عاشقة وهمس:
" نفسى اسمعها منك يا(نوران)"
وقال بمسكنة وبحة رجولية، اطاحت بعقلها:
" عشان خاطري "
فوجدت شفتيها تنطق دون إرادة منها، وهى تحدجه بنظرات ولهانة:
" والله بحبك❤️"
اغمض (علاء) عينيه وقد أطربت أذنيه كلماتها، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يستقيم واقفاً، يجذبها إليه ليضمها إلى قلبه فى عناق شغوف، تمناه منذ أن وقعت عيناه عليها، وهى ابداً لم تستطع ردّه خائباً، فهى أيضاً عاشقة تشتاق لقربه، وسرت قشعريرة لذيذة بأوصالها، وهى تستمع إليه يقول بجانب اذنها بمرح:
" أحلى صباح لما ابدأ يومى بحضن النواعم"
ابتعدت عنه برقة، تلمس صدره بأناملها، قائلة بخفوت:
" ممكن بقى تتكلم؟ عشان أنا قلقانة عليك"
قرب شفتيه من أناملها الصغيرة مقبلاً إياها، ثم قال، جاداً هذه المرة، وهو يقودها إلى الأريكة التى تتوسط المكتب، وجلس بجانبها:
" هحكيلك يا (نوري)، لأنى بجد محتاج أتكلم"
استمعت إليه بإهتمام، تحلل كل كلمة تقدر مخاوفه، لم تبدِ ابداً اندهاشا مما يقوله، ولم تنتقص من حبه لأخيه، بل كانت ناصحة له، فقالت بعد أن أخبرها بكل شئ:
" أنت لازم تواجه يا(علاء).. لازم تتكلم مع (براء) وتفهم هو ناوى على ايه؟"
مرر (علاء) أصابعه بشعره، شاعراً بالارتياح، ذلك الشعور الذي ينتابه كلما تحدث معها عما يضايقه، فقال بعد أن اطلق نفساً مرتاحاً:
" هو ده اللى ناوى اعمله.. أنا ابداً مش مستعد انى أخسر أخويا، عشان ذنب أحنا مالناش يد فيه"
ثم رمقها بنظرة حب فاض بها قلبه، وأضاف:
" ولازم أسعى انى اجمعه بحبيبته، وأحارب معاه أى عاقبة تقف ادمهم لانى... دلوقتى بس عرفت يعنى ايه حب"
---------------
" هو (مسلم) اللى خرج من عندك دلوقتى، ولا أنا متهيألي؟!!"
قالها (ثامر) بعبوس، مشيراً إلى الباب الذى دخل منه للتو، ثم أضاف وهو يغلقه خلفه:
" وبعدين، فين السكرتيرة؟ مش على مكتبها ليه؟"
لكنه أجفل حين سمع زمجرة صديقه، وهو يصيح وقد بلغ حافة غضبه:
" الحقير جاى شمتان فى موت أبويا"
ثم جاب المكتب ذهاباً وإياباً، يمرر أصابعه بشعره بعصبية، قائلاً:
" بقى ابن ال*** جاى يقولى أنا بموت أبويا كده هو هيقدر يوصل (لتوليب) وانا كده خلاص برة اللعبة، وأنها هتكون ليه بعد شهور العدة على طول"
وعلى عكس المتوقع من (ثامر) أن يغضب من أجل صديقه، جلس على أقرب مقعد له بهدوء شديد، وقال ببرود وهو يضع ساقاً فوق الأخرى:
" والله بيعجبنى إصرار اللى اسمه (مسلم) ده"
التفت (براء) إليه وعيناه ملبدتان بغضب عاصف، بينما الأخر لم يتأثر، وأكمل بصوت بارد وهو يتلاعب بطرف الأوراق أمامه:
" بس اقولك، حقه برضو"
ثم رفع عينيه فجأة إلى صديقه وقال بلهجة موحية:
" ما الساحة قدامه فضيت خلاص، واللى المفروض يروح لها، مش قادر ياخد الخطوة دى"
استدار (براء) حول مكتبه وارتمى على مقعده، يقول بروح تتلوى على جمر الغضب:
" قصدك ايه؟"
عندها، ثار (ثامر) وهبّ واقفاً، يهتف بصرامة:
" قصدى إنك جبان يا (براء)، ودى صفة عمرى ما تخيلت فى يوم أنى اوصفك بيها"
ثم حاول أن يهدئ من ثورته قليلاً، وهو يرى احتقان وجه صديقه، ثم أكمل:
" أنا ساكت من يوم ما عرفت حقيقة إنك مش ابن (بهاء)، بس تقدر تفهمنى ايه اللى مانعك لحد دلوقتى إنك تروح لها، بعد ماعرفت إنه خلاص مفيش مانع شرعى وإنها تحلّ لك، آه كان صعب عليك تعرف الحقيقة، بس اللى أصعب إنك تضيع حب عمرك"
أسند (براء) مرفقيه إلى حافة المكتب، وبرجفة حادة من الخوف قال:
" هتصدقنى لو قلتلك إنى خايف... خايف يا (ثامر )"
ومسح على وجهه مغمغماً:
" هقولها ايه؟!... هقولها إنها كانت ضحية لانتقام مالهاش ذنب فيه، وإن ذنبها الوحيد أنى حبيتها ولا... ولا اقولها إزاى سبب الانتقام ده؟"
ثم ضرب على صدره بيأس، وأكمل:
" اقولها إزاى عن امى يا(ثامر)؟... إزاى؟! ده أنا مش قادر اقول (لعلاء) حاجة لحد دلوقتى!"
وهتف بلهجة تقطر ألما، واضعاً قبضته على قلبه:
" هى مشيت لمجرد أنها عرفت حقيقة حرق المزرعة، تفتكر هتتقبل إزاى باقى الحقايق، اللى أنا نفسى مش عارف اتقبلها!"
فقال (ثامر) بتشجيع:
" جرب يا صاحبي، عشان ما ترجعش تندم إنك ضيعت الفرصة، ويمكن حبها ليك يتغلب على صعوبة الحقايق كلها"
ثم اقترب منه، يربت على كتفه بمحبه وقال:
" ما تخسرش حبك يا صاحبى، عشان لو خسرته هتخسر نفسك"
ثم ابتسم ابتسامة صغيره، وأكمل:
" ومن غير التوليب اللى يستاهل تحارب نفسك عشانه !؟"
ولا يعلم أى منهما أن هناك من تنوى خوض حرب للحصول على مبتغاها، خاصة بعدما أستمعت إلى حديثهما كاملاً، كانت على وشك الدخول خلف (ثامر)، لكن أصواتهما العالية أوقفتها و أرادت أن تعرف ما الذى يدور بينهما.
ابتعدت (سالى) بخطوات سريعة، حتى إنها كادت أن تركض، وهى تقول بحماس دبّ فى أوصالها:
" أنا لازم ألحق اللى اسمه (مسلم) ده، هو الوحيد اللى هيخلصنى من اللى ما تتسمى.... بقى بيحبها؟! ومن زمان كمان؟!"
ثم ضحكت ساخرة، وهى تتلفت يميناً ويساراً باحثة عن ذاك (المسلم)، تحاول أن تستعيد ملامحه وهيئته، تتذكرت ذلك الرجل الذى ارتطمت به وهى فى طريقها إلى مكتب (براء)، فأسقطت هاتفها من يدها، اتسعت ابتسامتها وهى تسترجع نظرات الإعجاب التى حدق بها إليها وهو يناولها الهاتف، قالت بثقة مبالغ فيها، وهى تبحث عنه بعينيها خارج الشركة، بعد أن خرجت مسرعه:
" تأكدى إن جمالك هيوصلك لكل حاجة انتى عايزاها"
زفرت براحه حين وقعت عيناها عليه، يسير بخيلاء بخطوات بطيئة، واضعاً يديه فى جيبيه، وكأنه فاز للتو بجائزة ثمينة، تأملت ظهره العريض، ثم أسرعت نحوه هامسة:
" واخييييييرا"
-------------
أمسكت(توليب) هاتفها، تتساءل فى حيرة: هل تتصل أم لا؟! طال ترددها لكنها أخيراً قررت الاتصال، كانت تشتاق إليها بشدة، فمنذ رحيلها لم تهاتفها إلا بضع مرات، فقط عندما يلحّ عليها قلبها للحصول عن معلومة عنه، ولو بسيطة، يكفيها أن تعرف منها أنه بخير.
اليوم تشعر بأنها ستموت كمداً إن لم تطمئن عليه، فهو لم يراود أحلامها منذ أكثر من ثلاث ليالى، وهى التى اعتادت رؤيته كلما أغمضت عينيها، حتى أنها أصبحت تغفو خلال اليوم على غير عادتها، فقط لتراه فى منامها.
كما أنها أرادت الاطمئنان على (علاء)، لطالما كان قريبا من قلبها، وكم سعدت من أجله حين علمت بأمر خطبته، تمنت لو كانت معه فى تلك الليلة، فهو بمثابة أخ ثانٍ لها.
طلبت (توليب) رقم (حياة)، يملأ قلبها الحنين إلى تلك المرأة التى تشع حنانا، و ما إن جاءها صوتها الدافئ، حتي شعرت كأنه بلسم لجراحها، فكل ما له صلة به، هو دواء لتلك الجراح،
قالت (حياة) بعتاب محب:
" طولتى الغيبه يا (توليب)... كده متسأليش عليا كل ده"
لا تعلم لماذا قرصت الدموع عينيها، وهى تقول:
" سامحينى يا (حياة)... غصب عنى أنتى عارفة... انتى وحشتينى اوى"
قالت الآخرى بحنو صادق:
" عارفة يا حبة عينى، عارفة وانتى كمان وحشتيني، وربنا اللى يعلم"
ثم أضافت بصوت ينبض بالأمل:
" بس خلاص، ربنا هيقرب البعيد ...قريب اووى"
مسحت (توليب) دموعها وسألت بتعجب:
" تقصدى ايه؟!"
" ولا حاجة يا قلب (حياة)، طمنينى عنك وعن اخبارك ؟"
لم تحاول (توليب) الاستفسار أكثر عن مقصدها، فكل ما يهمها الآن أن تسمع منها ما يروى ظمأها، وأن تعرف أن مالك قلبها بخير.
--------
فى المساء...
عاد (براء) إلى بيت أبيه فى وقت متأخر من الليل، بعد أن انتهى من عمله، وهو يشعر بألم حاد فى رأسه، بعد حديثه مع (ثامر)، شعر بتخبط مشاعره وتشتت ذهنه، ظل يسأل نفسه مراراً وتكراراً، هل يستطيع العيش بدون وردته؟! وفى كل مرة، كان الجواب واضحاً....لن يتمكن أبداً من ذلك.
اتجه (براء) شارداً نحو غرفتها، منذ عودته إلى الفيلا وهو يبيت بها، يجد في غرفتها ملاذاً له، ولكن... وجد نفسه يقف أمام غرفته هو، تلك التى تركها على حالها منذ أخر لقاء بينهما هنا، رفض رفضا قاطعاً أن يعيد ترتيبها كما كانت، محتفظا بلمستها فى كل شئ بالغرفة. تحرك إلى الداخل بحذر شديد، حتي لا يحرك شيئاً من مكانه، أقترب من الفراش وجلس على حافته، ينظر إلى صوره المبعثرة على الفراش، وبقلب يعتصره الشوق مال على الوسائد مغمض العينين، يشتمها بحثاً عن عبيرها. يا رباه... كم أشتاق إليها؟! سأل بقلب ملتاع: أقادر أنت على الفراق و الهجران؟ وماذا أنت فاعل لو تملكها غيرك؟
هنالك، فتح عينيه على اتساعهما، وهب واقفاً وهو يقول بحسم:
" أنا هرحلها دلوقتى و حالا، ومش هاسبها إلا لما تعرف كل حاجة.... ومش هرجع من هناك إلا وهى ليا"
ولكن... قبل أن يخطو خطوة واحدة، استمع إلى صوت أخيه الذى وقف على باب الغرفة، قائلاً بلهجة استشعر بها الانكسار:
" عايز اتكلم معاك يا (براء )"
تحرك (براء) بحذر، وخرج من الغرفة، ثم ربت على كتف أخيه بمحبة، قائلاً:
" اعذرنى يا حبيبى دلوقتى، عندى مشوار مهم جداً، ومش لازم يتأجل"
تحرك مبتعداً، لكن قبل أن يقطع بضع خطوات، اوقفته كلمات (علاء) المتلعثمة:
" أنا... أنا عرفت الحقيقة.... (حياة) قالتلى على كل.... حاجة"
التفت (براء) إليه، مضيقا عينيه وهو يدقق النظر إليه، بينما استرسل الآخر فى حديثة بغصة آلمت حلقه:
" ( براء).... أنا مليش غيرك فى الدنيا دى... متاخدنيش بذنب ابويا "
التمعت عينا الأخر تأثراً، واقترب منه يحتضن وجهه بكفيه قائلاً بحنو:
" أنت ازاى تفكر كده يا (علاء)؟!"
رق الدمع فى عين (علاء) وهو يقول بصوت متهدج:
" أنا عارف إنه ظلمك، بس أنا... متبعدنيش عنك يا (براء) أنت سندى وضهرى فى الدنيا"
رفع (براء) حاجبه و بعينين مغرورقتين بالدموع قال بمزاح فى محاولة لتخفيف الأجواء:
" ايه الكلام ده يا شبر ونص؟! وبعد ايه اللى بتتكلم عنه ده؟"
ثم دفع رأسه برفق من الخلف، مقربا إياها نحوه وهو يضيف بابتسامة دافئة:
" يا واد، ده انت ابنى قبل ما تكون اخويا"
ونظر فى عينيه مباشرة وأكمل بنبرة صادقة:
" أنا مكنتش عايز اقولك عشان كده.... خايف من رد فعلك... يا (علاء) انت اخويا حتى لو الأب غير، فبتجمعنا أم واحدة، يعنى دمك بيجرى فى دمى"
ضحك بمرح، ماسحا دمعة فرت من عينيه، ثم اردف مازحاً:
" ثم انى مقدرش أعيش بعيد عن ثقالة حضرتك"
حينها، لم يتمالك (علاء) نفسه، فضم أخيه إليه بقوة، ولم يخجل من أن..... يبكى، أجل، بكى بين ذراعي أخيه، حصنه المنيع، ولم يتأخر الأخر عن احتوائه، لم يكن يبالغ حين قال إنه يعتبره ابنه، قبل أن يكون اخاه، فقد لطالما شعر تجاهه بالحماية، كما يحمى الأب طفله.
بعد لحظات، ابتعد (علاء) عن أخيه، يمسح دموعه بظهر يده، ثم قال مشجعا:
" أتت لازم ترجع (لتوليب) يا (براء)، مش لازم تضيعها منك تانى، اللى ظلمكم خلاص الله يرحمه ومبقاش فيه مانع يمنع جوازكم"
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه (براء)، وقال، وهو يبتعد بعزيمة واضحة في صوته:
" اطمن يا شبر ونص.... هرجعها.... ومش هضيعها منى ابداً"
------------
فتح عينيه متململاً من ضوء النهار، يشعر بألم فى رقبته آثر نومه فى سيارته، فقد بات ليلته بها مرابطا أمام منزلها، منتظراً الصباح ليتمكن من التحدث إليها.
نظر (براء) إلى ساعته بعد أن خرج من السيارة، فوجدها لم تتعدَّ السابعة صباحاً بعد، لكنه لم يبالى، فلن ينتظر ثانية واحدة أخرى لرؤيتها... فقد أهلكه الشوق إليها.
وقف أمام الباب بعد أن دقه، وقد انتابه بعض الإحراج حينما طال انتظاره، حتى فتحت له (وجدان) التي بدا عليها أنها استيقظت توها من النوم، تنحنح وهو يحك أرنبة أنفه، قائلاً بعد أن القى عليها السلام:
" الحاج (داوود) موجود؟"
دققت (وجدان) النظر إليه محاولة التعرف عليه، ولكن حين لم يسعفها عقلها، شعرت بالقلق وهتفت:
" آه، موجود يا ابنى.... خير؟ فى حاجة ولا ايه؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وقال بلهجة مطمئنة:
" خير يا امي، متقلقيش... انا (براء)"
ثم مسح على مؤخرة رأسه، وقد اختفت ابتسامته، لا يعلم لماذا بات ثقيلاً عليه نطق اسمه منسوبا إلى عائلة الجارحى، نعم هو فرد من تلك العائلة، لكنه ليس اسمه، لذا عليه الإسراع باستخراج أوراقه الرسميه، ليخرج هويته الحقيقة إلى العلن فأردف بتردد:
" ( براء الجارحى)"
وصل صدى كلماته إلى من بالداخل، فسقط من بين يديها كوب الماء الذي كانت ترتشف منه، متهشماً، دوى صوته عالياً حتى وصل إلى من بالخارج، مما تسبب في إجفالهم.
بعد قليل.....
وجد نفسه جالساً أمام (داوود) و (يامن) الذي لا يعلم متى وصل وانضم إليهم وكلاهما يكسو التحفز وجهه، جال بعينيه بينهما محاولا إجلاء صوته، ثم قال:
" قبل أي كلام طبعا، أنا بعتذر نيابة عن أى حاجة عملها ابويا"
ثم وجه نظراته إلى (داوود) وقال بصوت صادق:
" وطامع فى كرم سماحتك يا حاج (داوود) انك تغفر له أى غلط فى حقك، هو دلوقتى بين ايدين ربه"
لانت ملامح (داوود) ورد بهدوء:
" ونعم بالله.... مسامح يا ابنى والله، اما الغفران ده، فاطلبه من ربك، لأن ابوك ظلم جامد، ويا عالم ظلم مين غيرنا"
غامت عينا (براء) وارخى نظراته، محدثا نفسه:
" كتير يا حج... كتير "
بينما قال (يامن) بصوت محايد:
" الله يرحمه ويغفر له، ومن قلبنا بنقولها ويشهد علينا ربنا"
رفع (براء) نظراته إليه وقال بإمتنان:
" صادق يا (يامن)"
ساد بينهم الصمت قليلاً، بينما كان (براء) يحاول صياغة كلماته، أخرج حزمة من الأوراق من جيب سترته وتمتم:
" دى الأوراق اللى تخص ورد.... "
لكنه قطع حديثه، واتسعت عيناه فى صدمة، فسعل بقوة داعياً ربه ألا يكونا انتبها إلى زلة لسانه، لكن هذا لم يحدث، إذ ارتفع حاجب (يامن) بمكر خفى، وهو يناوله كوب ماء، فقد التقط بوضوح ما كان سينطق به، أما الآخر فتناول منه الكوب وتجرعه دفعة واحدة، ثم استرسل حديثه متجنبا التلاقى بنظرات (يامن) الثاقبة:
" كل حاجة تخص ورث (توليب).. هنا فى الورق ده، ومش فاضل بس غير إمضتها"
رد (داوود) مستغرباً:
" يا ابنى... لما بعتوا لها وقت إعلان الوراثة، قولتلكم أنها متنازلة عن ورثها كله، وليكم حرية التصرف فيه"
قال (براء) بإصرار:
" و أنا مستحيل اقبل بحاجة زى دى يا حج ( داوود)، ده حقها ولازم تاخده ومش هقبل أى تنازل من طرفكم"
قال (يامن) وهو لا يزال يدقق النظر به، يراه بعين جديدة، نعم كان يكن له الاحترام منذ أن اتصل به من أجل شقيقته، لكنه الآن يقدره كرجل، فلم يستغل رفضها لصالحه ويطمع فى ورثها:
" بس (توليب) مش عايزة حاجة "
" انا مصر يا (يامن )"
" واحنا مش هنغصبها على حاجه تانى هى مش عاوزاها"
دار (داوود) بعينيه بينهما، وهما يتعاندان هكذا، لا يعلم لماذا رأى فى هذا (البراء) ابنته العنيدة وهى تقف أمام أخيها تعاند فى شئ ما، لاحت على شفتيه بسمة، وهو يستمع إليه يقول:
" أنا هقدر اقنعها"
قطع (داوود) حرب العناد هذه، وقال بلهجة قاطعة:
" نادى (توليب) يا (يامن)، وهى اللى تقرر عايزة ايه"
ثم نظر مباشرة إلى عين (براء) وقال:
" واللى هتقول عليه (توليب) هو اللى هيمشى"
تسارعت خفقات قلبه حتى كادت تصم آذانه، وأخيراً ستراها عيناه وستسمع أذناه صوتها العذب، مسح على صدره فى محاولة لتهدئة جنون خفقاته، لكن دون جدوى، فكاد قلبه يقفز خلف ( يامن) وهو يصعد إليها.
فى الأعلى.....
قالت (بيان) مستنكرة:
" ليه هربتى أول ما سمعتى اسمه؟!"
دفنت (توليب) وجهها بيأس بين يديها المرتجفتين، وقالت بصوت مهتز:
" خوفت يا(بيان)... خوفت أجرى عليه... و اقوله اد ايه هو وحشنى"
ثم أبعدت يديها قليلاً عن وجهها، وقالت بلوعة:
" وساعتها هتعلق فى رقبته زى العيلة الصغيرة، وأقوله: متمشيش.. أنا مش عارفة أعيش من غيرك"
ثم ارتمت على الفراش مزمجرة بسخرية ناعمة:
" اصل أنا ضعيفة اووى أدام عينيه يا(بيان)...."
قطع حديثها دخول (يامن) يطلب منها النزول، لكنها تشبثت بيديه قائلة برجاء و بأنفاس متقطعة:
" مش هقدر انزل يا(يامن)... قوله انى مش عايزة حاجة... أنا مش هقدر اشوفه.... هو.... هو عامل ايه؟... كويس يعنى؟!"
ابتسم (يامن) لتناقض شقيقته وقال بمكر:
" يعنى هتنزلى ولا لا؟!"
فهزت رأسها بالايجاب والرفض معا، مما جعل (يامن) يسأل وهو يضحك عالياً:
" و ده يطلع ايه ان شاء الله!؟.. فهمت انا ايه كده؟"
نابت (بيان) الرد عنها ضاحكة هى الأخرى:
" انزل يا (يامن) قوله اى حاجة.. (توليب) مش هتقدر تقابله"
فى الاسفل....
جلس (براء) على اوج توتره، لا يعى شيئا مما يحدثه به (داوود)، فقد تعلقت عيناه بالدرج، مترقبا أن تطل عليه من أعلاه، لكن خاب أمله وهو يرى (يامن) يهبط الدرج بمفرده، قائلاً بهدوء:
" رفضت كل حاجة.. وده قرارها النهائي"
--------------
تقلبت فى فراشها، وكأنها تتقلب على جمر، فجافاها النوم منذ ليله أمس، تفكر وتفكر... لقد تبقي القليل فقط لتصل إلى مبتغاها، وهي على أتم الاستعداد للجوء إلى جميع الحيل لتري منه الاهتمام ولو لمحه، بات الأمر هوسها وشغلها الشاغل، فإن لم تحصل عليه فلن تترك غيرها يتمتع به.
هبت (سالى) جالسة فى فراشها، تزفر بضيق وهى تبحث عن هاتفها قائلة:
" أنا لازم اكلم (شاهى)، احكيلها على اللى حصل"
وطلبت رقمها قائلة بحماس:
" أنا بقي معايا الورقة الرابحة اللى هتخليني أوصل (لبراء) وخصوصا بعد ما عرفت الحقيقة"
جاءها صوت صديقتها المتذمر:
" ايه اللى مصحيكى بدرى كده يا سو؟!"
قالت الآخري بحماس:
" قومى يا (شاهى)، اسمعى أخر التطورات"
وامسكت بعلبة سجائرها تخرج منها واحدة، مردفة:
" طلع معاكى حق يا (شاهى)"
قالت الأخرى محاولة التركيز فيما تقول، تمسح عن عينيها النعاس:
" على ايه يا بنتى بالظبط؟! ما أنا على طول معايا حق، ايه الجديد يعنى"
أشعلت (سالى) سجارتها الفاخرة، وقالت بعد أن سحبت نفساً عميقاً منها:
" ركزى معايا يا بنتي...(براء) طلع فعلا بيحب اللى اسمها (توليب) دى"
اتسعت عينا الأخرى، تسأل متعجبة:
" عرفتى ازاى؟!"
قصت لها (سالى) أحداث اليوم الماضى والصدمة التى عرفتها أمس فى مكتب (براء)، وعند ذكر (مسلم) سألت (شاهى) بتوجس:
" وقولتيله ايه؟؟"
تفثت الأخرى دخان سجارتها، قائلة وهى تستعيد حديثها معه:
" قولتله الحقيقة طبعا، عشان يسرع من جوازه منها، وقلتله انى سمعت (براء) هيحاول يمنع الجوازه"
قالت الأخرى بحماس:
" ما تخلصى يا سو وتحكي الحوار كله"
" قولتله أنه يتقدملها دلوقتى، عشان لما شهور العدة تخلص يتنيلوا على طول"
" طب وهو رضى كده على طول؟!"
تلاعبت (سالى) بخصل من شعرها، تتذكر تلك النظرات التى كان يرمقها بها:
" فى الأول عصلج شوية، بس على مين؟! ده انا (سالى)، ومفيش حد يقدر يقف قصاد جمالى"
ضحكت (شاهى) ساخرة، وهى تقول بلهجة موحية:
" طبعا ...طبعا، وأولهم (براء)"
ردت الأخرى بغيظ:
" ( براء) ده حاجة تانية يا بنتي، وبعدين سيبك من (براء) دلوقتى، تفتكري اللى اسمه (مسلم) ده هيطلب ايه؟! لأنه قال إنه مش هيطلب حاجة دلوقتى"
قالت (شاهى) بتفكير:
" هيطلب ايه يعني؟! شويه فلوس وخلاص"
ساد بينهما قليل من الصمت، قطعته (سالى)، تنحى الحيرة جانبا وقالت بسعادة:
" أنا مش هشغل بالى دلوقتى، المهم أنى اوصل (لبراء )مش مهم أى حاجة بعد كده"
----------------
بعد بضع ساعات....
جال (براء) حول منزلها فى انتظار أن تخرج ليتمكن من محادثتها، لكنها لم تفعل ولم تغادر المنزل ولو لمرة، حتى إنها لم تطل من شرفتها.
وقف تحت نافذة شرفتها، يرغو و يزيد لانه لم يتمكن من مقابلتها، فرفع رأسه ناظرا إلى الشرفة هامسا:
" اخرجي بقى يا وردتى.... خلينى آملي عيني منك"
وزمجر بغيظ:
" أنا مش ماشى من هنا إلا لما تسمعينى واصلحلك كل فكرة غلط خدتيها عنى"
هتف (براء) بغضب وقد نفذ صبره:
" أنا مش هستنى لبكرة، عشان اتكلم معاكى.. أنا هتكلم معاكى النهاردة وحالا!"
وقد فعل..
تلبسته حالة من اللاوعى، فتحرك بجرأة متسلقا إحدى الأشجار القريبه من شرفتها، ضاربا بأى تعقل عرض الحائط، لم يهتم إذا كانت بمفردها أم لا، ولم يهتم سوى برؤيتها، واقناعها بأنه ليس له ذنب فيما اتهمته به، ولكن بالأعلى..... أستمع إلى ما اطاح بعقله واسقط قلبه بين قدميه.
أمام المرآه، وقفت(توليب) تنظر إلى انعكاس صورتها، وهى تقوم بحل عقدة شعرها، بذهن شارد، تلوم نفسها علي رفضها النزول إليه، كيف أضاعت تلك الفرصة وحرمت نفسي من رؤياه؟!.. لكنها شعرت بالخوف... أجل لقد خافت أن تضعفها رؤيته، وكيف لها أن تتركه يرحل بعدها، وهى التى يضنيها الشوق إليه؟... كم اشتاقت إلى تلك العينين الخضراوين....آه، والف آه من عينيه فالغرق فى بحورها هو العالم بأسره بالنسبة لها...
أطلقت (توليب) زفرة عميقة وهى تمسك بفرشاة شعرها، تمشطه بحركة سريعة عصبية، تنهر نفسها:
" غبية.... غبية كنت حتى شفتيه من بعيد"
وقالت بإحباط:
" أو حتى سمعتى صوته.... "
" براحة على شعرك.. حرام هيتقطع فى ايدك"
ياالله....إنها تهذى الآن من شدة شوقها إليه! فخيل لها أنها استمعت إلى صوته ذي البحة الرجولية، ولكنها رأت فى المرآة ما اسقط من يدها الفرشاة، إتسعت حدقتا عينيها، وهى تنظر إلى انعكاس صورته فى المرآه، يقف خلفها على بعد بضع خطوات، يطالعها بتلك النظرة المهلكة. إلتفتت بكليتها، وتشكلت حروف اسمه على شفتيها، وخرج صوتها من بين تلك الشفاه، ملهوفاً مشتاقاً:
" ( براء )!"
لم يمهلها (براء) الفرصة لاستيعاب وجوده، فتقدم نحوها بخطى واسعة جاذبا أياها نحو صدره، وقبل أن تلتقط انفاسها، تناول شفتيها فى قبلة حارة متلهفة، يخبرها بها مدى اشتياقه لها.
فتحت (توليب) عينيها على اتساعهما، لا تعى بعد ما يحدث حولها، اعبرت هى إلى عالم الأحلام أم ماذا؟!
تسلل إليها شعور بالدفء يصل إلى أعماق روحها، وهى تتنفس أنفاسه العطرة، فتراخت جفونها ببطء تستقبل منه ما يخبرها به، ابتعد عنها قليلاً، يسمح لها بالتنفس، وبأنفاس عالية وصوت متحشرج، همس وهو يلمس وجنتيها التى كستها الحمرة بأطراف اصابعه:
" عيون وقلب (براء )"
يا ليتها تبقي بين ذراعيه الدافئة إلى الأبد، لكنها تعلم أن هذا... لن يحدث، رفعت إليه عينين دامعتين تكحلهما برؤياه.
اقترب (براء) بشفتيه مقبلا خيط الدموع على خدها برقة حاكت رفرفة الفراشات وبخفوت قال:
" بلاش دموع يا وردتى... الا دموعك"
ومرر أصابعه بطول شعرها، ثم التقط خصلة منه، مقرباً أياها من أنفه، يستنشق رائحتها بعمق، وقال بوله:
" وحشتينى.. "
لم تتحمل (توليب) المزيد، تتقهر إلى الخلف، فحرف آخر تنطقه شفتاه وستتعلق بعنقه تمنعه الرحيل، استدارت مبتعدة عنه، تضع يدها على صدرها، وكأنها تحاول تهدئة دقات قلبها العنيفة، ثم قالت بصوت مضطرب، تحاول السيطرة عليه:
" أنت دخلت هنا ازاى... ؟!"
رد ببساطة، يضع يديه فى جيبيه، وكأنه لم يفعل شيئاً خاطئا:
" من البلكونة"
ضغطت على يديها بإحكام، تحاول أن تخفي ارتباكها، ثم قالت:
" أنت لازم تمشى حالا.... انت اصلا ازاى جاتلك الجرأة تطلع هنا؟!..وبعدين وجودك هنا غلط."
تهدّلت أكتافها، وانخفض صوتها ليخرج همسًا ضعيفًا:
" لازم تمشى لأن وجودك هنا غلط كبير... كبير اوى يا (براء )"
سحب (براء) نفساً عميقاً، وجلس على فراشها، وقال بلهجة هادئة:
" أولا انا مش همشى إلا لما اتكلم معاكى، واوضحلك كل حاجة خلتك تسيئي الظن بيا"
رفعت حاجباً جميلاً متعجبة، وهى تراه يستند براحة كفيه خلفه بأريحية على الفراش، وقد لاحت على شفتيه تلك الابتسامة الجذابة التى تسبب فى انهيار جميع حصونها:
" ثانيا... وجودى هنا آه غلط وميصحش، بس انتى اللى اضطرتينى اعمل كده"
ثم اتسعت ابتسامته أكثر، حتى ظهرت اسنانه، ثم أكمل:
"لكن مبقاش محرم يا وردتى... وهتكونى حلالى"
-----------------
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلّهُ ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهَ ، وَعَلاَنِيَتَهَ وَسِرَّهُ.
اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوبِي عِظَامٌ وَهِي صِغَارٌ فِي جَنْبِ عَفْوِكَ يَا كَرِيمُ ، فَاغْفِرْهَا لِي.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي ، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرَاً كَمَا حَمَلْتَهَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، وَاعْفُ عَنَّا وّاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ أَطَعْنَاكَ فِي أَحَبِّ الأشْيَاءِ إِلَيْكَ أَنْ تُطَاعَ فِيْهِ ، الإيمَانِ بِكَ ، وَالإِقْرَارِ بِكَ ، وَلَمْ نَعْصِكَ فِي أَبْغَضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تُعْصَى فِيْهِ ؛ الكُفْرِ وَالجَحْدِ بِكَ ، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَنَا مَا بَيْنَهُمَا.
-------
قراءه ممتعه للجميع 🥰
أطول فصل 🫣
هستنيه رايكم ودعمكم 🥰🥹
بقلم أسماء صالح
Asmaa saleh