روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
-----
يا عوض ربى بعد صبر طال
جائنى بعد سنين طوال
من الانكسار والخيبات
يا نسمه حنونه محت وجع الذكريات
قلبي ارهقه العطاء وما لاقي إلا الجفاء
كنت العوض الذي لما يأتنى صدفة
بل كنت وعد من رب كريم كنت لى نعمة
كلامك دوا… وصمتك سلام
ووجودك… حياة
---------
" هو نسي نفسه ولا ايه؟!… مش (سالى شنب) اللي يتعمل معاها كده"
قالت (سالى) وهي تجوب الغرفة ذهاباً و إياباً، وقد بلغ غضبها ذروته بعد أن أبلغها محامي شركة (الجارحي)بقرار إلغاء العقد وفض الشراكة دون دفع الشرط الجزائي.
أقتربت منها (شاهي) تحاول تهدئتها، رغم إدراكها أن كلماتها لن تجدي مع غضب كهذا:
" أهدي يا (سالى)، متعمليش في نفسك كده"
لكن (سالى) لم تبد أي استجابة، بل انفجرت صارخه:
" أهدي إزاي؟!… بقولك لغي العقد ومش هيدفع الشرط الجزائي… فاهمه يعني ايه؟!"
وأردفت بعينين تتقدان ناراً:
" ده أنا هوديه في داهيه، وهرفع عليه قضية بالي بيحصل ده"
نظرت (شاهي) إليها بصدمة، غير قادرة على استيعاب ما يحدث:
" (سالى) لمي الدنيا قبل ما تخسري كل حاجه"
لكن (سالي) كانت في ذروة غضبها، تحدق في صديقتها وكأنها لا تدرك حجم الكارثة، فصرخت بها بجنون:
" أنا لسه هخسر… انتي شكلك مش فاهمه، دي مش مجرد خسارة فلوس…ده تدمير للشركة نفسها"
ثم أضافت بعد أن أخذت نفساً عميقاً كان أقرب للاحتراق من شدة الغضب:
" فسخ العقد من غير دفع الشرط الجزائي معناه خرق واضح لبنود الإتفاق، الشرط ده كان ضمان… حماية قانونية في الحالة دي، من حقي أرفع عليهم قضية بتهمه خرق العقد…لو المحكمة حكمت لصالحنا هيدفعوا تعويضات ضخمة"
أكملت بتوتر ظاهر في صوتها وحركتها:
"الشرط الجزائي كان خط الدفاع الأخير، ولو تجاهلوه، نقدر نطالب بتعويضات عن كل الخسائر اللي حصلت بسبب قرارهم… وكمان الموضوع ممكن يتطور لتهم قانونية زي التلاعب التجاري"
بدأت تبحث بعينيها عن هاتفها، وقالت من بين أسنانها، وكأن الغضب ينهشها من الداخل:
" أنا مش هسكت…مبقاش (سالى شنب) لو هديت شركة (الجارحي) على اللى فيها"
في تلك الأثناء، كانت (شاهي) تغرق في التفكير، تتساءل بعينين شاردتين:
" وايه اللي خلاه يعمل كده اصلا؟!… اكيد في سبب… مش معقول يصحي الصبح ويقرر يلغي العقد وهو عارف المشاكل اللى هتحصل"
اخترقت كلماتها وعي (سالى) كسهم مفاجئ ورن صداها في عقلها، وسؤال واحد تملكها:
(هل علم بأمر اتفاقها مع (مسلم)؟!)
مرت أمام عينيها الذكرى فجأة، وارتجفت أوصالها والآن أدركت أنها عاجزة عن الوصول إلى (مسلم) من اليوم السابق…
يا الله…ماذا لو كان هذا هو السبب فعلا؟!…
حينها لن تتمكن من رفع أي قضية، ولن تستطيع استرداد حقها، بل ما هو أسوأ من ذلك… كيف ستخبر والدها بما فعلته؟!
وبينما كانت تغرق في بحر تساؤلاتها، هبطت عيناها على شاشة الهاتف، واهتز قلبها، عندما رأت أن هناك رسالة واردة يبدو أنه تم إرسالها أمس، ولكنها لم تنتبه لها، وعندما رأت اسم المرسل تجمد الدم في عروقها… (براء).
وكان مضمون الرسالة:
(( حابب أقولك أن مؤامرتك كلها اتكشفت… ولما توصلك إخبار إلغاء العقد، اوعي دماغك تاخدك وترفعي قضية، لاني معايا كل التسجيلات والتحريض اللى بينك وبين الحقير (مسلم)… للاسف عمري ما تخيلت أن ينزل بيكي المستوى للحقارة دي يا ……سوسو))
تسمرت (سالى) مكانها… الآن فقط أيقنت أنها خسرت كل شيء، هوت على المقعد وقد شحب وجهها، تشعر بانهيار العالم من حولها، أغمضت عينيها ببطء، خائفة من مواجهة الواقع، وتمتمت بصوت يكاد يسمع:
" أنا كده خلاص ضعت"
------------
((فى منتصف النهار))
جلس (براء) على سرير المشفى بحرص بالغ، وقد بدت عليه علامات الضعف، لكن نظراته المليئة بالامتنان كانت كافية لتنسي الجميع ما مروا به، على يمينه كانت(حياة) تمسك بكفه برقه، وعلى يساره (توليب) تتشبث بالكف الآخر، فتعالت ضحكاتهم على وضعه العجيب، كأن القدر قرر أن يمنحه لحظة امتنان محاطة بالحب.
ضرب (يامن) كفا بكف، يحاول كتم ضحكة ساخرة تسللت إلى ملامحه، وقال بنبرة متندرة:
" يا عم احترم وجودي شويه… هو أنت فاكر عشان واخد رصاصة يعني هسيبلك الدنيا"
ثم التفت إلى (توليب) يغيظها قائلاً:
" سيبي ايده يا (توليب)، كفاية دلع"
أحمر وجه(توليب) خجلاً، وكادت تسحب يدها، لكن (براء) شد على كفها برقة وقال بصوت متعب تقطعه ضحكة خفيفة:
" متسمعيش كلامه يا (توليب)"
ثم أضاف ناظراً إلى (يامن) وهو يقرب يد (توليب) من صدره:
" ده أنا ما صدقت تكون جنبي"
ضحك (ثامر) بصوت عال وقال وهو يغمز له:
" شكل الرصاصة قوت قلبك يا برؤة"
رفع (براء) نظارته ليحدق في (ثامر) بنظرة صارمة جعلته ينفجر ضاحكاً، يعلم جيداً كم يكره هذا اللقب.
أما (حياة) فضغطت على كف (براء) برقة وهي تضحك وتقول ممازحة:
" سيبه يا استاذ (يامن) اعتبرها مكافأة بسيطة على الرصاصة اللى اخدها"
بعيداً عن الضحكات، كان (علاء) يراقب المشهد بصمت، لم يصدق بعد أن شقيقه حي يرزق، يسمع صوته يراه أمامه، فتغرق عيناه بالدموع، ولا تزال بقايا الخوف تسكن روحه… يا الله، لقد كان على شفا فقده.
التقت عيناه بعيني ( براء) الحانيتين، وكان الأخير شعر بما يجول داخل صدر أخيه، فأشار له بالاقتراب، تراجعت (توليب) لتفسح له مكاناً بجواره،
جلس (علاء) أمامه، فمد (براء) يده خلف رأسه، وجذبه برفق نحوه قائلاً بمرح خفيف:
" طلقة تفوت ولا حد يموت يا شبر ونص"
وما إن انهي كلمته حتى انفجرت دموع (علاء)، غير عابئ بمن حوله بل واجهش بالبكاء حين ضمه أخاه إليه بقوة، فترقرت الدموع في عيون الجميع، كان المشهد مهيبا يفيض بمشاعر الأخوين.
ربت (براء) على ظهره وقال بنبرة مطمئنة:
" أنا كويس يا (علاء)، اطمن"
مسحت (حياة) دموعها بطرف ابهامها، وقالت بتوبيخ مشاكس:
" ما تجمد بقي يا (علاء)، ولا هتخليني اقولك زي (براء)"
ورفعت حاجبها تغيظه وقالت مقلدة (براء):
" خلاص بقي يا شبر ونص"
انفجرت الضحكات مجدداً، تطرد عنهم ظلال الخوف والتوتر الذي خيّم على يومهم.
فى الجهه المقابله، كان (يامن) قد لف ذراعه حول كتف شقيقته، التي بدت هادئة، نظر إليها وسأل بصوت منخفض يشوبه القلق:
" انتي كويسه؟!"
أومأت (توليب) برأسها دون أن تنبس بكلمة، لكن داخلها كان في حالة فوضى عارمة، تأنيب الضمير ينهش قلبها، وجلد الذات لا يرحم… كانت تشعر أنها السبب فيما حدث، في ألم كل من حولها… وفي ألم "براء" تحديداً، الرجل الذي كاد يفقد حياته لأجلها.
التفت إليها (براء) وكأنه قرأ ما يدور في ذهنها، كما يفعل دائماً، كانت دوماً كتاباً مفتوحاً أمامه، تلاقت عيناهما، ودار بينهما حديث صامت طويل، ممتلئ بالعتاب... بالامتنان... وبالحنين، عناق بالعيون عجز الجسد عن ترجمته، وانتهى ذلك التلاحم بهدية من تلك الابتسامات التي تهزم دفاعاتها في كل مرة... ابتسامة جعلته تعشقه أكثر... وأكثر.
--------------
انتابه شئ من الراحه وهو يستمع إلى (بيان) تتحدث مع بكريه عبر الهاتف وتسأله باهتمام:
" يعنى هو بقي كويس دلوقتى؟!"
ثم صمتت قليلاً تستمع لرد زوجها، وهي تهمس بحمد الله على نجاة (براء)، قبل أن تعاود السؤال بصوت يملؤه القلق:
" و (توليب)… عاملة ايه دلوقتي؟!"
أقترب (داوود) منها، وكان يتابع الحوار، وقال بهدوء:
" أديني أكلمه… خليني أفهم منه اللى حصل بالظبط"
ثم أضاف بلطف وهو يمد يده ليأخذ الهاتف منها:
" قولي لـ(وجدان) تعملي قهوه يا أم (زهير)"
ضربت الأرض بقدميها بحنق ناعم، وهي تقول بتذمر طفولي:
" حتي انت يا عمي"
وما إن ابتعدت حتى رفع(داوود) الهاتف إلى أذنه وسأل (يامن) بنبرة جادة:
" فهمني بقي اللى حصل… عشان انا مش فاهم حاجه من مراتك"
وعلى الجهة الأخرى، بجانب (يامن)، كان (علاء) واقفاً أيضاً خارج غرفة (براء) يتحدث في هاتفه، وصوته مفهم بالحيوية والشوق:
" نعومتي … وحشتيني والله الكام ساعه دول حسيتهم سنه"
تنفست (نوران) الصعداء وهي تستمع إلى صوته العائد لطبيعته، وقالت مبتسمة:
" ادام بتتكلم براحه كده يبقي (براء) اتحسن صح؟!"
تنهد (علاء) بعمق، مسنداً ظهره إلى الحائط خلفه، يغمض عينيه وكأن صوتها هو منبع راحته، مردفاً:
" الحمدلله، أحسن يا (نوري)… والدكتور طمنا الحمدلله أنه عدي مرحلة الخطر"
ثم أطلق زفرة راحة وأكمل:
" انتي متتخيليش انا كنت خايف عليه أد إيه يا (نوران) انا ماليش غيره في الدنيا"
ردت (نوران) هامسه بدلال:
" وانا رحت فين بقي يا سي (علاء)؟!"
ابتسم ابتسامه عريضه فرحة حتي ظهرت اسنانه، وهمس بدوره وقد تسارعت أنفاسه:
" انتي دنيتي كلها… الدنيا اللى ما تخيلتش ابداً أعيشها، انتي حلم بتمني ما أصحاش منه أبداً"
انفجرت دقات قلبها وهي تستمع إلى كلماته التي اخترقت كيانها، سادت لحظه صمت مليئة بالمشاعر، ثم قالت للتهرب من وطأة مشاعرها:
" هو يقدر يتكلم دلوقتى؟!… يعني ممكن اكلمه؟!"
" انا سايبه جوه مع (توليب) و (حياة)"
ثم أضاف وهو يتحرك صوب الغرفة:
" ثواني وهخليه يكلمك"
((قبل قليل داخل غرفه (براء ))
جلست (توليب) على طرف السرير، مطرقة الرأس تعتصر كفيها بقلق، يكاد يلتهمها، بينما (براء) مد يده الضعيفة يبعد بين كفيها المرتجفتين، وقال بصوت متحشرج وهو يميل برأسه محاولاً الوصول إلى عينيها:
" ليه بتبعدي عينك عني؟!"
رفعت عينيها المتورمتين من البكاء تائهة بين الذنب والخوف، وهمست بصوت مخنوق:
" أنا السبب يا (براء)… كنت هضيع بسبب....."
قاطعها برفق وهو يسحبها بحذر نحوه متجاهلاً ألمه:
" ششش… أوعي تقولي الكلام ده تاني يا وردتي"
ثم جذب رأسها إلى صدره مستنشقاً رائحتها التي انعشت رئتيه، ومرر أصابعه الضعيفة في شعرها، لكنها مليئة بالحب، وقال بلهجة دافئة رغم التعب:
" انا ممكن اهد الدنيا عشانك يا (توليب) … ومش ممكن اسمح لحد يقرب منك أو يئذي شعره منك"
ارتجفت (توليب) بين ذراعيه، وزرفت المزيد من الدموع على صدره، تشعر بالأمان الحقيقي بين ذراعيه، وهتفت بامتنان:
" ربنا يخليك ليا وما يوريني فيك حاجه وحشه تاني… أنا ممكن اموت لو حصلك حاجه يا (براء)"
ألمه قلبه، فضمها إليه أكثر وقال بصوته الضعيف:
" بعد الشر عنك يا عمري…ما تقوليش كده، اطمني أنا جنبك"
علت دقات قلبها وهي تسمع منه الكلمات التي تمنت أن يطمانها بها، فابتعدت عنه قليلاً، وكأنها تمنح نفسها لحظه لاستيعاب سيل المشاعر، ورفعت يدها وضعتها على صدغه برفق، تتأمله بنظره عاشقه ونطقت بصوت متهدج، متأثرة بفوران مشاعرها:
" أنا بحبك يا (براء) … (توليب) اتخلقت عشان (براء) وبس"
أخفض (براء) بصره إلى شفتيها، تلك الشفاه التي نطقت بما عصف بقلبه من مشاعر فياضة، تلك الكلمات التي طالما انتظرها وتوق لها قلبه بشوق لا يضاهيه شئ فى هذا الحياة، كان على وشك الرد بالطريقة التي يجيدها، أن يقترب ويقتنص تلك الشفاه التي باتت تعذبه بتذوقها من جديد، ولكن قبل أن يصل إلى مبتغاه….. فتح الباب، ودخل (علاء) بصوته العالى وهو يقول بلهجة ممطوطه:
" (نوران) عايزااااا…"
توقفت كلماته فجأة، يحدق بهما للحظه، ثم ابتسم بمكر وهتف ضاحكاً:
" ولا خليها وقت تاني… شكلك مش فاضي يا كبير"
ثم أغلق خلفه الباب بنفس السرعة التي فتحها بها، تاركاً (توليب) تخبئ وجهها الذي اشتعل حمرة خلف كفيها، هامسة بخجل:
" يا الله… إيه الإحراج ده؟… ليه دايما يشوفني في الوضع ده؟"
بينما (براء) هز رأسه بغيظ قائلاً:
" دايما بييجي في أهم لحظه… مفرق الجماعات"
وما إن مد (براء) يده مجدداً نحو (توليب)، يحاول استعادة لحظته التي سرقت منه، حتى انفتح الباب مجدداً بسرعة افزعتهما، ودخل (علاء) مرة أخرى رافعاً حاجبيه باستهبال واضح قائلاً بنبرة متعجبة مصطنعة:
" أومال فين (حياة)؟!"
لم يمهله (براء) لحظة، بل التقط الوسادة بجواره ورفعها مهدداً:
" اطلع برة يا ابن الــ....."
قاطعته ضحكة (علاء) العالية، وهو يتراجع للخلف، ويغلق الباب وراءه قائلاً:
" ماشي ماشي... انبسط انت يا كبير.... عقبالى يارب"
تركت ضحكاته صدى فى الغرفة، بينما جلست (توليب) تضحك بخجل، وهي تبتعد هذه المرة عن مرمى يديه، اما (براء) فهز رأسه محاولاً كبح ابتسامته، وقال بصوت خافت وهو ينظر إليها:
" مش عارف اقولك كلمتين على بعض"
ثم صاح بغيظ وهو يستمع إلى ضحكاتها:
" ياااااااارب"
------------------
أما (حياة) فكانت تتجول في ممرات المشفي، تبحث عن الكافتيريا، وقد اشتاقت إلى فنجان قهوة يهدئ ارتجاف أعصابها بعد كل ما مرت به هذا اليوم، لم يكن خروجها بدافع القهوة فقط، بل رغبت أيضاً فى منح (توليب) و (براء) بعض الخصوصيه ليتحدثا بحرية دون خجل منها، وخاصة بعد خروج (ثامر) للرد على مكالمة عمل تخص الشركة.
بعد دقائق، كانت تجلس في زاويه هادئة الكافتيريا، تحتسي قهوتها ببطء، وعقلها يسبح في دوامة من الأفكار، تغمرها موجة من الامتنان العميق، ردد قلبها بخشوع:
((الحمد لله… الف مرة الحمدلله على سلامته وحمايته))
ولم تكن تعلم أن هناك من كان يراقبها منذ أن دخلت المكان…عينان لم تستطيعا أن تحيدا عنها، وكأن شيئاً في حضورها قد شد انتباهه بقوة، لدرجة أنه وقف يتأملها بصمت، يحمل كوب قهوته، وابتسامة دافئة ارتسمت على ملامحه من دون قصد راقبها بهدوء، ثم تمتم ساخرًا من نفسه:
( ايه جو المراهقه ده؟!… راعي سنك يا دكتور)
أما (حياة) فقد كانت تبحث بين أفكارها عن لحظه هدوء تسرقها من ضجيج اليوم، حين التقطت أذناها صوت جلبه مرتفعه في المكان، فرفعت رأسها تلقائياً … لتتلاقى نظراتها مع تلك العيون المتأملة، تلك النظرة التي أربكتها وجعلت الخجل يتسلل إلى ملامحها، دون أن تنتبه إلى أنها أطالت التحديق نحوه، وحين ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، همست داخلها بتأنيب:
" ايه اللى عملتيه ده بس.. والله عيب"
لحظة تردد عابرة مضت قبل أن يخطو نحوها، لكنها نهضت سريعاً، تمسك كوب القهوة بيدها تستعد للمغادرة، كاد أن يقترب لكنه توقف في موضعه متعجباً من رد فعله، ثم اصطدمت نظراتهما من جديد، إلا أنها هذه المرة خفضت عينيها بسرعة، ومرت بجانبه بخطوات متسارعة.
ظل الطبيب واقفاً في مكانه، يتابعها بعينيه، وعلى وجهه مزيج من خيبة أمل خفيفة وتعجب من نفسه، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال في نفسه:
"لعل الله يكتب لنا لقاء آخر"
واستدار عائداً إلى طاولته، يحاول أن يخفي ابتسامة ملحة رسمت على شفتيه، وهو يضحك من حاله بصمت.
---------------
تقابل (ثامر) مع (يامن) عند باب غرفة (براء)، فبادره (يامن) بالسؤال بنبرة جادة:
" مفيش اي جديد عن (مسلم)؟!"
هز (ثامر) رأسه نفياً، وتجهمت ملامحه وقد بدا الغضب واضحاً في عينيه، فرد بنبرة حادة:
" بس هيروح مني فين؟!… والله لأ جيبه من تحت الأرض"
ربت (يامن) على كتفه بحزم، يؤمي برأسه بتأييد، بينما أقترب منهما (علاء) بعد ان أنهي مكالمته، وسأل هو الآخر:
" مفيش أي خبر عنه؟!"
وجاء الرد بصمت ثقيل… مجرد هزة من رؤوسهم بالنفي، كأن الكلمات عجزت عن حمل الإحباط الذي يشعرون به.
مد (يامن) يده إلى مقبض الباب وفتحه،
يتمتم بثقة وهدوء كأنما يطمئن نفسه قبل الآخرين:
" خير أن شاء الله"
فى الداخل، كانت (توليب) تجلس قرب (براء) الذي يرفض ترك يدها وكأنه يخشى ابتعادها عنه، عيناه كانتا تنطقان بكل ما عجز لسانه عن قوله، ولكن ما إن دلف الثلاثة إلى الغرفة، حتي سحبت (توليب) يدها سريعاً، وقد احمرت وجنتاها خجلاً وابتعدت بخفة وارتباك، مشهد خجلها المفاجئ أذاب شيئاً في قلب (براء) اكثر، فاتسعت ابتسامته وهو يراها بهذا الحياء الجميل، ثم نقل نظره إلى الشباب، وصوته يملأ الغرفة بدفء مبهج:
" مرحب بالرجاله"
أقترب (ثامر) وربت على ساقه بلطف وصوته مشوب بالعاطفة الحانية:
" حمد الله على السلامة يا وحش"
ضحك (علاء) بخفه، وضحكته كانت كأنها محاولة لطرد ما تبقى من التوتر في الجو:
" بقولك ايه يا كبير لما تعمل فيلم الاكشن ده تاني ابقي خدني معاك الله يخليك"
رد (براء) مازحاً، بعينين تلمعان ببعض الشقاوة:
" شايلك للكبيرة يا شبر ونص "
ضحك (ثامر) وأردف بمزاح ساخر:
"خليك انت فى النواعم …يا بتاع النواعم"
قهقه (يامن) وهو يضع يده فى جيبه، يقترب من شقيقته، بنظرة ماكرة ونبرة مرحة، كأنما يخطط لمفاجأة:
" أنا مضطر أغير الفيلم الأكشن ... لفيلم دراما"
توجهت إليه الأنظار بترقب ودهشة، فتوقف قليلاً، وكأنه يتعمد إثارة قلق (براء)، الذي لاحظ ترقب عينيه فازداد توتره، أكمل (يامن) ببطء مقصود:
" الحاج (داوود)… جاي على الطريق"
--------------
((بعد مرور ساعه))
دقات هادئة على الباب أعقبها دخول الطبيب تتبعه إحدى الممرضات، ساد الصمت فجاة، وتحولت الضحكات إلى نظرات ترقب متوجسة، تقدم الطبيب بخطوات رزينة، يلقى التحيه بابتسامة هادئة، ثم ألقى نظرة سريعة على الأجهزة وعيناه تتنقلان بين الوجوه، وما إن وقعت نظراته على (حياة) حتى توقف لوهلة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة قبل أن يستدرك نفسه ويعود إلى ملامح الجدية، ثم قال بنبرة مهنية وهو ينقل عينيه إلى (براء):
" الوضع مستقر الحمد لله، الرصاصة مرت بعيد عن الأعضاء الحيوية، لكن لسه هتفضل تحت الملاحظه الفترة الجاية… وأهم علاج دلوقتي هو الراحة والهدوء....واضح إن الروح المعنوية ممتازة وده اهم من اي دواء.... بس ضروري العدد يقل فى الأوضة عشان ما نجهدش المريض"
تنفس الجميع براحة بمجرد سماعهم حديث الطبيب، لكن من بينهم كانت هناك أنفاس مرتبكة بسبب تلك النظرة التى يرمق بها (حياة)، فى حين صفق (علاء) بكفيه، هاتفا بطريقته المرحة:
" يلا كله يتفضل برة.... اهم حاجة دلوقتى راحة الكبير هنا"
رد (ثامر) بمزاح مغيظ:
" أول واحد لازم يطلع برة هو انت الصراحة.... صوتك لوحده ازعاج"
انطلقت ضحكات خفيفة بين الحاضرين، بينما (براء) أشار بعينيه إلى(توليب) أن تبقى، أما الطبيب فإبتسم مجدداً، وعيناه تسرحان للحظة نحو (حياة) التي التزمت الصمت، راودته رغبة في معرفة طبيعة علاقتها بالمريض: هل هي شقيقته؟ لكنه هز رأسه نافياً تلك التساؤلات، محاولاً العودة إلى مهنيته، وقال بلطف:
" على كل حال...المريض لازم يرتاح والهدوء بيساعده يتعافي بسرعة… وأنا هبقى اعدى أطمن عليه مرة تانية"
ثم التفت إلى الممرضة، وأعطاها بعض التعليمات وهو يهم بالخروج، لكن قبل أن يغادر، التفت مجدداً نحو (حياة)، وقد تمنى في داخله لو نطقت بأي شيء ليسمع صوتها، فقال بلطف ظاهر:
" لو احتجتوا أي حاجة... أنا موجود"
في اللحظة التي فتح فيها الطبيب الباب ليغادر، ظهر (داوود) على عتبة الغرفة، دخل تو ذهاب الطبيب والممرضة، بخطوات واثقة تتقدمه هيبته المعهودة، يلقى السلام بصوته الرخيم:
" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "
رد الجميع السلام بحرارة، واتسعت الابتسامات لرؤيته، فحضوره دوما يبعث الطمأنينة في القلوب، حاول (براء) أن يعتدل جالسا على السرير احتراما، لكنه ما إن تحرك قليلاً حتى خرج منه تأوه خافت، أسرعت (حياة) إليه بفطرة الأم، تسانده برفق وهي تسأل بقلق:
" انت كويس؟!"
أومأ برأسه مطمئناً، محاولاً الابتسام رغم الألم الذي لم يفارق ملامحه، أما (توليب) فكانت واقفه إلى جوار الحائط، تنقل نظراتها بين أبيها و (براء)، وقلبها يعتصر قلقا، تتمنى لو اقتربت منه ولمسته كما فعلت (حياة)، لكن وجود والدها في الغرفة كبل خطواتها وربط لسانها، فظلت تراقب بصمت، وكلما تحرك (براء) تألمت وكأنها هى التي تتألم، أما (براء) فكان يشعر بها وكأن بين قلبه وقلبها وصالاً خفياً، عيناه تراها وتقرأ صمتها، ويبتسم لذلك التوتر الجميل المرسوم على ملامحها، قرر في قرارة نفسه أنه حين يغادر والدها، سيكون لها حديث خاص، حديث تستحق أن تسمعه.
اقترب (داوود) منه وربت على كتفه بقوة لطيفة، وقال بفخر:
" خليك …ما تتعبش نفسك، حمد لله على السلامة يا بطل"
أجابه (براء) بنبرة ذات مغزى، خاصة أنه في آخر مرة نطق فيها كلمة "عمي" نهره بشده:
" الله يسلمك يا عمي"
تجاهل (داوود) بدهاء الكلمة، ثم رفع بصره نحو (حياة) يؤمي لها بإمتنان وقال كلمات جعلت (براء) يكاد يحلق في السماء من فرط سعادته، فقد كانت وكأنها بشرى خير:
" ده راجل بصحيح... تسلم ايد اللى ربت"
إجابت (حياة) بفخر بغاليها:
" تسلم يا حج (داوود)"
جال (داوود) بعينيه يتفقد وجوه الموجودين، وما إن وقعت عيناه على (ثامر) حتى ضيق بين عينيه قليلاً وكأنه يحاول التذكر، فجأة ، تهلل وجهه وهتف بترحيب حار:
" ابن الشيخ (علي)؟! أهلا بريحة الغالى"
ابتسم (ثامر) بفخر وقال وهو يمد يده للسلام عليه:
" اهلا يا حاج... إنت تعرف أبويا؟!"
رد (داوود) بعين يملؤها الحنين:
" هو في حد في القرية ما يعرفش الشيخ (علي) رحمه الله، ده كان بركة القرية وربنا وحده يعلم أنا حزنت عليه أد إيه يوم ما توفى"
اردف (ثامر) بتأثر واضح:
" الله يرحمه"
بعدها دار الحديث بين الحاضرين في الغرفة في مواضيع متنوعة، امتزجت فيها الضحكات بالتعليقات الخفيفة هنا وهناك، وظل (داوود) يراقب (براء) من طرف عينه طوال الوقت، ولم يتطرق لموضوع طلب ابنته، رغم أن الجميع كانوا يتوقعون ذلك.
وبعد مرور بعض الوقت، نهض (داوود) بهدوء ينفض ملابسه ويرتبها كمن يستعد للمغادرة، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير من المكر:
" أنا هستأذن بقى... دى زيارة مريض وميصحش تطول"
ثم التفت إلى ابنته قائلاً بابتسامة خفيفة:
" يلا يا (توليب)"
كاد قلب (براء) يقفز من مكانه، فهتف بسرعة، كمن يخشى أن تضيع منه الفرصة:
" عمى... إحنا لسه مخلصناش كلامنا"
انفجرت دقات قلب (توليب) فى صدرها، وهى ترى أباها يتظاهر بالاستغراب ويرد ببرود:
" كلامنا؟!.... كلام إيه يا ابني؟!"
تنحنح (براء) محاولاً الحفاظ على اتزانه رغم التوتر الذي بدا جلياً عليه، والكل يراقبه بلهفة، فقال بصوت خافت يحمل جرأة:
" أنا وصلي من (يامن) إنك عايز تقابلني يا حج"
شبك (داوود) كفيه خلف ظهره، ورد بنبرة هادئة:
" إن شاء الله لما تقوم بالسلامة هيبقى لينا كلام تاني"
نقلت (توليب) نظرات قلقة إلى شقيقها الذي طمأنها بعينيه، كاتماً ضحكته بصعوبة، مستمتعاً بمراوغة والده لـ(براء)، أما الأخير لم يستسلم فقد نفد صبره تماماً، ولم يشأ أن يضيع لحظة أكثر، فصاح متلهفا:
" أنا كويس أهو الحمد لله... والكل حاضر وخالتى موجودة، إيه اللي يخلينا نستنى؟!"
قالت (حياة) بنبرة متحرجة:
" والله يا حج أنا عارفة إن الوقت مش مناسب، بس بتمنى من قلبى إنك تفرح قلوبهم بعد اللى شافوه "
تهامس (علاء)و (ثامر) بضحكات مكتومة، يراقبان( براء) الذي بدا وكأنه طفل يلح على والده في طلب حلوى، تقدم (داوود) خطوة تجاه ( براء )ونظر إليه بابتسامة دافئة، وقد أشفق عليه وقال:
" والله يا ابني... أنا كنت ناوي أطلع عينك على طلبك وردتى"
ثم التفت إلى ابنته التي كانت تنظر إلى الأرض بخجل وقال بلطف:
" بس بعد اللي حصل... وشجاعتك اللي (يامن) حكالى عنها… انا... أنا موافق"
قالت (حياة) وقد غمرتها سعادة غامرة:
" الله يفرح قلبك زى ما فرحت قلوبهم، وإن شاء الله فى اقرب وقت هنيحى نطلبها منك بالاصول وكل طلباتكم أوامر "
رد (داوود) بلهجة دافئة متواضعة:
" استغفر الله يا ست (حياة).... الأمر لله وحده"
اتسعت عينا (توليب) وارتعشت شفتاها وهى ترفع بصرها نحو (براء)، وفي عينيها ألف دمعة فرح، أما (براء) فبدا وكأنه لم يصدق ما سمع… أحقا وافق والدها؟! أم أن هذا أثر العقاقير والمسكنات التى اعطوها له؟! خفق قلبه بعنف كأنما يدق طبول النصر داخل صدره، وفي تلك اللحظة هتف (علاء) مازحاً كعادته:
" يا جمالك يا حج (داوود)"
رفع (داوود) حاجبه بدهشة، وقد أخفى ابتسامته خلف ملامح جدية، وقال:
" انت بقي المشاكس بتاعهم!؟"
جاء التأكيد من الجميع في صوت واحد، فضحك (علاء) وقال:
" أيوه أنا... انا مش عارف اشكرك ازاى يا حج والله بصراحة كلامك ده أنقذني من الضياع"
ضحك (داوود) وسأله:
" ليه؟!"
أجاب (ثامر) وهو يربت على كتف (علاء):
" أصل الشبر ونص مستنى اخوه، عشان هو كمان يكتب على خطيبته"
انطلقت ضحكات عالية في الغرفة، بينما (توليب) ما زالت تسرق النظرات نحو (براء)، وفى داخلها مزيج من الفرح والخجل واللهفة.
وما كادت (حياة) ان تتنفس الصعداء، وقد التمعت عيناها بدموع الفرح، حتى تتدخل (يامن) قائلاً:
" بس في مشكلة كبيرة... هتقابلنا"
سكنت الوجوه فجأة، وتوقفت الضحكات، ونظرت (حياة) إليه متوجسة، تسأله:
" مشكله ايه تانى يا بني؟!"
تبادل الجميع النظرات، وانشدت الأنظار صوب (يامن)، الذي تنحنح قليلاً ثم قال:
" القرية كلها تعرف إنه ابن (الجارحي)"
ساد الصمت لثوان، قبل أن يكسره (ثامر) بتلقائية وهو ينظر إلى (براء):
" دي بقى سيبها عليا أنا.... أنا أستاذ في الحاجات دي"
ثم غمز لـ (توليب)، التي فهمت مغزى الغمزة جيداً، فهي تعرف تماماً من أطلق عليها اسمها الدلعي ونشره في كل القرية، احمر وجهها خجلاً، وغطت فمها بكفها، في خجل جميل.
أما (براء)، فكان ينظر إليها وكأنها قد أصبحت ملكه رسمياً، وكأن اعتراف والدها في تلك اللحظة ختم قلبه بخاتم الرضا، وشهادة القبول.
وامتلأت الغرفة بهالة من الفرح، امتزج فيها القلق بالرجاء، والحب بالرهبة من القادم، لكنهم جميعاً كانوا يشعرون أن هذا الحب أقوى من الأقاويل، وأن ما بينهم قد صار أوثق من أن تفتّه همسات العابرين.
------------
اللهم إن الأرضَ أرضُك والسماءَ سماؤك
وأنت نعم المولى ونعم النصير..
اللهم رحماك بالمستضعفين في فلسطين.. يا رب احفظهم وانصرهم نصرًا عزيزًا مؤزرًا.. ونجهم من عدوهم وعدونا..
اللهم بث الرعب في قلوب الكيان المعتدي وزلزل الأرض من تحت أقدامهم.. اللهم عليك بهم..
فأنت حسبنا ونعم الوكيل..
Asmaa saleh