الفصل السادس والعشرين

الفصل السادس والعشرين

15 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

استوطن عشقك قلبى

فعشقتك بكل الطرقِ

خذى ماشئتِ من عمرى فأنت معشوقتى

وعشقك به نجاتى

وخذى ماشئتِ من روحى حتى يضئ وجهك الباهى

خذى ماشئتِ ولكن لا تبعديني عنكِ

فالحياة مقفهرة فى بعدك عنى

والعذاب هو رفيقي

آه من حبي لكِ

فحتى العذاب يذوب بكِ وردتي

-----------------------------

خرجت من المكتب شاردة الذهن، فبعد خروج (براء) العاصف وبعدها بقليل لحقه (علاء)، وقفت هي في وسط المكتب تشعر بغرابة الأمر، من جهة ومن جهة أخرى انتابها الغضب من تلك (التوليب)، فضربت الأرض بقدميها، وقد استشاطت غضباً وهي تقول:

" آه يا ناري، نفسي افهم اللي اسمها (توليب) دي بتطلعلي منين؟!"

رفعت كفها تعض عليها غيظاً، قائلة:

" كل مرة هبقي خلاص هوصل لهدفي، يجي حد يقول ست (توليب) مش موجوده"

وصرخت وهي تقول غاضبة:

" وكأنها ظابطه الوقت اللى تمشي فيه لما أكون أنا مع (براء)"

ثم رفعت عينيها لأعلي قليلاً، وهي تفكر قائلة، لا تستصيغ ما حدث:

" هي مش مرات ابوهم؟ أومال ليه بيخافوا عليها بالشكل ده؟"

أسندت ذقنها على إصبعي السبابة و الابهام، تمعن التفكير قائلة بلهجة مستنكرة:

" وخصوصاً (براء) بيخاف عليها بطريقة مش طبيعيه"

ولكنها ضحكت ساخرة من نفسها، وهي تتحرك مغادرة:

" هو ايه جو العشق الممنوع ده اللى بتفكري فيه ده، هو أكيد حاسس بالمسؤولية عشان مرض أبوه مش اكتر"

-------------

رأي صديقه يهرول تجاه سيارته وأخيه يلحق به منادياً عليه، فنزل من سيارته التي كان علي وشك أن يتحرك بها، يلحق بصديقه قبل أن يصل إلى سيارته، فأوقفة متسائلاً، وقد شعر أن هناك خطب ما:

" استني يا (براء)، فى ايه؟ بتجري كده ليه؟ عمي كويس؟"

رفع وجهه إليه، يقول بملامح غير مقروءه:

" اتصل كده يا (ثامر) ب (مريم) اسألها لو (توليب) كلمتها النهاردة ولا لا؟"

دس الاخر يده بجيبه يخرج هاتفه، يقول وقد تشنجت ملامحه:

" مالها (توليب)؟"

رد (علاء) من خلفهم، يقول وهو ينهت من أثر ركضه خلف شقيقه:

" مختفيه من فتره"

فقال (ثامر) وهو يرفع الهاتف إلى أذنه، وقد اصابه التوتر وهو يري صديقه في أوج توتره:

" مختفيه ازاي يعني ؟!"

هتف (براء) وقد أوشك صبره على النفاذ:

" هي (مريم) مش بترد لييه؟؟"

أعاد (ثامر) الاتصال مرة أخرى وهو يضع يده الأخري بخاصره قائلاً:

" ممكن تكون مع الاولاد، أصل (على) كان تعبان شويه"

حاول الاخير التحلي ببعض الصبر، فمرر يده بخصلات شعره بعصبية، وقال بلهجة حاول جاهداً أن تخرج هادئة:

" الف سلامه عليه"

فى حين ردت (مريم) أخيراً على الهاتف، فسألها (ثامر) بعد أن اطمأن على إبنه، هل تحدثت اليوم مع (توليب) أم لا؟ وحين إجابته بالنفي، هز رأسه لصديقه، الذي ينظر إليه بعينين مترقبتين، فقال (علاء) الذي يتابع بترقب هو الآخر:

" يبقي أكيد سافرت، زي ما انت قولت يا (براء)"

تحرك (براء) مسرعاً، وهو يتجه صوب السيارة قائلاً:

" انا مش لسه هقول ممكن ولا لا، اخاف تكون تعبانه"

لحقه (ثامر) بصوته قائلاً:

" طب قولنا هتعمل ايه؟ هتتطلع على البيت؟

ولكنه لم يجيب، وصعد إلى السيارة، فقال (علاء) مقترباً من نافذة السيارة:

" طب ما تتصل بأخوها تسأله لو كانت رجعت ولا لا؟"

قال (براء) وهو يشغل محرك السيارة:

" ولو مرجعتش، أكون قلقته عليها وأحنا أصلا مش عارفين هي فين"

بينما تحرك (ثامر) صوب الباب الجانبي لسيارة صديقه قائلاً:

" استني انا جاي معاك"

ألتفت (براء) قائلاً:

" لا يا (ثامر) روح انت عشان (على)، انا هبقى اطمنك لو وصلت لحاجة"

ثم نقل عينيه إلى أخيه، الذي يميل على نافذته قائلاً:

" ولا انت يا (علاء) قبل ما تتكلم، انت لازم تكون في المستشفى، أولاً عشان بابا، وثانياً عشان لو راحت هي المستشفى تعرفني"

قال (علاء) وهو يشفق على أخيه الذي شحب وجهه:

" طب ما (حياة) راحت على المستشفى، ولو حصل حاجه هتعرفنا"

قال (براء) وهو يتحرك بالسيارة:

" انا هكلم (حياة) واقولها ترجع البيت، عشان لو اتصلت بيها"

وبعدها اطلق العنان لسيارته، التي قادها بسرعه جنونيه، وقد حفرت إطارات السيارة الأرض، مصدره صوتاً عالياً أثر تلك السرعة.

-------------

مرَّ الكثير من الوقت وهي تسير بتخبط، تحاول أن تتذكر الطريق، ولكن بائت محاولتها بالفشل، حتي خارت قواها واستنفدت طاقتها، فجلست إلى أحدي الاستراحات الخشبية وقد تسلل إليها الخوف، فقد تأخر الوقت وهي تعاند نفسها للذهاب إلى الشركة، فقالت بصوت مهزوز ساخرة من نفسها:

" حتي الاوبشن ده مبقاش متاح"

ومالت تدلك قدميها التى تورمت بعد سيرها لوقت طويل، تشعر بقلبها يرتجف بداخلها وهي تقول:

" الوقت أصلا أتأخر ومستحيل يكون في حد في الشركة دلوقتى"

اعتدلت تشعر بالدموع تقرص عينيها، فزفرت عدة مرات كي تتمكن من كتمها، وهي تقول مدعية الصلابة:

" ايه يا (توليب) هتعيطي زي العيال ولا ايه؟! يلا قومي حاولي تاني أن شاء الله هتوصلي"

ولكنها لم تستجب لحديث نفسها، بل جلست شاردة، لا تجد طاقة لها في السير مرة أخرى، فدست يدها داخل حقيبتها واخرجت صورة، فتأملت الصورة بيدها ملياً، ورفعت يدها تمرر أصابعها على ملامحه وهي تقول بمحبة:

" الصور دي الإنجاز الوحيد اللي عملته النهاردة"

دارت بعينيها تتأمل الشارع الذي خلي نسبياً من المارة، فوقعت عيناها على فتاة صغيرة تتقافز وهي تمسك بيد والدها، واليد الأخري تلعق المثلجات التي تحملها، سعيدة وكأنها ملكت العالم في تلك اللحظة، توقفت الفتاة حين التقت عيناها بعين (توليب) واتسعت عيناها بإعجاب شديد، ارتبكت (توليب) قليلاً وهي تهديها ابتسامه عذبة، ولكن الفتاة تركت يد والدها الذي يبدو عليه الرفض، وركضت إليها تحدق بها وهي تقول مشدوهة:

" شعرك طويل زي شعر (موانا)"

(شخصية كرتون)

ضحكت (توليب) واحمرت وجنتاها تشعر بالاطراء، بينما أبيها ارتسمت ابتسامه خفيفه على شفتيه معجباً بتلقائية ابنته، فى حين قالت (توليب) وهي تمسح على شعر الفتاه بحنان:

" عايزة شعرك يطول زي (موانا)؟"

هزت الفتاة رأسها بنعم هزات سريعة متحمسة، فقالت (توليب):

" كلي خضار وفاكهة كتييير اوي"

ولكن على ما يبدو أن تلك الكلمات لم تعجب الفتاة، فمطت شفتيها بعدم رضا، مما جعل ابتسامه (توليب) تتسع على رد فعلها، ناداها أبيها قائلاً:

" يلا يا (ريان) عشان متزعجيش طنط اكتر من كده"

تأملتها (توليب) وهي تقول وتريد أن ترجع لها مرحها:

" أسمك حلو اوي على فكرة"

وبالفعل عاد المرح إلى الفتاة تشعر بالخجل، تقول لها وهي عائدة إلى أبيها:

" شكراً، ...انت أسمك ايه؟"

رفعت (توليب) عينيها إلى الأب وهي تقول:

" (توليب)"

أمسكت (ليان) بيد والدها وهي تقول بإعجاب:

" واوو، انتي كمان أسمك جميل"

أحكم الأب الإمساك بيد أبنته، وهو يقول بصوت خشن يناسب ملامحه الجادة:

" محتاجه أي مساعدة.....قصدي يعني الوقت متأخر وانتي قاعدة لوحدك"

قالت الأخري بلهجة ممتنه وقد دب النشاط بجسدها:

" شكراً ليك جداً"

وارتبكت وهى تقول:

" كنت عايزة اروح فيلا (بهاء الجارحى)، ومش عارفة أمشى ازاى"

رفع الاب عينيه إلى الأعلى يفكر قليلاً، ثم انزل عينيه إليها يقول بجدية:

" اسف والله، بس انا حقيقى معرفش حد بالاسم ده"

ثم أشار إلى طريق جانبى قائلاً:

" بس اخر الشارع ده يطلعك على طريق الفلل، ممكن تسألى هناك وان شاء الله توصلى للى انتى عايزاه"

شكرته مرة أخرى بإمتنان ووقفت تتابع ابتعادهم، بعد أن أرسلت لها(ليان) قبله مودعها أيها، نهضت بعدها تضم الصور الى صدرها وكأنها تستمد القوة منها، تأخذ نفساً عميقاً وقد قررت أن تسلك الطريق الذى دلها عليه ذاك رجل، علها تتمكن فى النهاية من الوصول إلى المنزل.

--------------------------

أصابته حاله من التشوش وهو لا يزال يبحث عنها، فبعد أن تيقن أنها لم تعد إلى القرية، بعد أن ذهب إلى البيت وبحث داخل غرفتها، ووجد أن حاجتها لا تزال هناك، حتى ثيابها لم تنقص، فتملكه الخوف وهو يفكر أنها ربما احتاجت إلى شئ، وخرجت لإحضاره ولم تتمكن من العودة، فهو يعلم أنها لا تعرف شيئاً هنا، وإذا كان هذا ما حدث، لما لم تلجأ إليه؟ وتتصل به ليذهب لإحضارها، لماذا؟ تصاعد الدم إلى رأسه، وهو يفتح صندوق السيارة (التابلوه) يخرج منها علبه لهاتف جديد، فقال وهو ينظر إليه بإستياء:

" يعني كان هيحصل ايه لو ادتلها التلفون قبل كده؟!"

وضرب علي المقود بغضب من نفسه قائلاً:

" حتي كنت بعتهولها مع (حياة) أو (علاء)"

ثم عاد وضرب المقود ضربات متتالية، وهو يسب نفسه قائلاً:

" غبي....غبي...ليه اتاخرت عليها؟ ليه؟"

وقال وهو يشعر بالخوف ينخر عظامه:

"هوصلها ازاي دلوقتى؟!.....يا ربي أحفظها ومتعرضهاش لاذي يا رب، انا مش هتحمل حاجه تحصلها يارب"

بحث عنها في العديد من الأماكن التي من المحتمل أن تكون قد ذهبت إليها، ولكنه أيضاً لم يجدها، وبعد الكثير من البحث في الأسواق والمحال، عاد مرة أخرى ليبحث عنها حول المنزل، فلربما تكون قد عادت أو تحاول الرجوع.

جالت عينيه يميناً و يساراً متشبثاً بالأمل حتى آخر لحظة، فلن ييأس حتى لو بحث عنها عمره كلها، فلا حياة له دونها...... وفجأة توقف قلبه للحظة وعلى ما يبدو أنه نسي أن يتنفس تلك اللحظة، لحظه لمحها تسير متجهة صوب شارع جانبي، فرمش بعينيه عدة مرات وكأنه يتأكد أنه حقا يراها، ولم يشعر بنفسه إلا وقد خرج من السيارة تاركاً بابها مفتوح في منتصف الطريق، يصرخ باسمها وقد شق صوته سكون الليل.

التفتت (توليب) ناحية الصوت، ولم يستوعب عقلها بعد أنه هو، لقد وجدها بحث عنها حتي وجدها، بعد أن كانت على وشك فقدان الأمل فى الرجوع إلى المنزل تلك الليلة، وستبيت ليلتها تجول الشوارع حتى يطلع النهار، وحينها ستذهب آسفه إلى الشركة رغماً عنها.. اتسعت عينيها تراه يتقدم إليها مهرولاً، حتي أنها شكت للحظة أنها تحلم، ضرب قلبها بعنف داخل اضلعها، وادراكت وأخيراً أنه حقاً أمامها يصرخ باسمها بلوعه، الصرخة التي تسكن أحلامها، ارتجف جسدها في محاولة منها للسيطرة عليها كي لا تركض إليه، ولكنه يبدو وكأنه يملك إرادة منفصلة عنها، فقطعت باقي المسافة راكضة إليه، تلقي بنفسها بين ذراعيه القويتين، تضرب أي سيطرة على نفسها فى تلك اللحظة عرض الحائط، وما أن لمس خدها صدره الذي اسندته عليها، حتى انفجرت في بكاء كتمته طيله اليوم، تطوق خصره بذراعيها، وكأنه مأمنها الوحيد، هامسه من بين شهقاتها:

" (براء)"

لحظة....بضع ثوانٍ فقط وفُصل عقله عن الواقع، واُخذ إلى عالم آخر، عالم الأحلام الوردية، أحقا هى بين ذراعيه الآن؟ أحقا تسند رأسها على صدره تستمع لصخب قلبه الهادر من أجلها؟ ضغط بيده على خصرها يقربها منه أكثر، مستنشقا عبيرها بنفس عميق، يشعر وكأن الحياة ردت له، يالله لقد كان ميتاً حقاً فى ساعات اختفائها تلك، قرب أنفه من عنقها ساحبا رائحتها إلى رئتيه، غارقا بها حد الثمالة، لا يريد أن يفيق من حالة اللاوعى تلك، ليتها تدوم إلى الأبد، ابعدها عنه برفق حين استمع إلى نهنهات بكائها، ورفع ابهاميه يلمس وجنتيها، ماسحا عنها الدمع برقة حاكت رفرفة الفراشات، ينظر إلى عينيها التى تتلألأ بها الدموع، وقال بصوت متحشرج:

" عيون وقلب (براء)"

أسندت جبينها على صدره، وهي تقول من بين شهقاتها:

" انا كنت قربت أفقد الأمل اني اعرف أرجع البيت، وهضطر اقضي الليلة في الشارع لحد ما يطلع النهار واروح على الشركة"

مد (براء) يده تحت ذقنها يرفعه إليه، يري اهتزاز عينيها خوفا، فقال بأنفاس متعثرة:

" اهدي يا وردتي ... قوليلي ايه اللى حصل؟"

طوقت ذراعيها حول رقبته، تضم نفسها إليه بحثا عن الأمان، وهي تقول بصوت متقطع باكي:

" انا توهت..يا (براء)..ومعرفتش....ارجع البيت تاني"

أسند جبينه إلى جبينها يتنفس الصعداء حمدا ربه، أنه تمكن من ايجادها يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها، قال من بين أنفاسه العاليه:

" اطمنى خلاص يا وردتى انتى معايا"

ولكنها عادت تطوق عنقه بذراعيها، تزرف المزيد من الدموع، وهى تقول بصوت يكاد يخرج منها:

" أنا خفت اوى النهاردة يا (براء)"

كم آلمته تلك الكلمات، فضمها إليه بقوة مشاعر الخوف، التى عاشها اليوم، ومال يقول بخفوت بجانب اذنها:

" ابدا... متخافيش من حاجة وانا موجود"

مرت لحظات وقد حاوطتهم تلك الحاله من لاوعي حولهم، وكأنهما عزلا عن العالم ولم يعيدهم إلى الواقع، إلا صوت رنين هاتفه الذي ظل يرن مرة بعد مرة.

فتحت (توليب) عينيها مبتعدة، وهي تودع شعورها بالدفئ والأمان الذان اكتسحا جوانب روحها بين ذراعيه وفى الوقت ذاته، نقمت تسرعها وانفلات أعصابها كي تركض إليه كطفلة ضائعة هكذا، وهي التي وعدته بأنها ستحارب تلك المشاعر بقوة، دقق (براء) النظر إليها يقرأ كل ما يدور بخلدها وكأنها كتاب مفتوح أمام عينيه، فآثر الصمت وهو يبتعد بدوره، يستمع إليها تقول وهي تنظر أرضاً:

" رد على التلفون"

استجاب لها دون أن يرفع عينيه عن وجهها، فقال بملامح غير مقروءه:

" أيوة يا (ثامر)"

هتف الأخر وكأنه على حافة غضبه، يحمل بين ذراعيه(عليا) أبنته ويهدهدها:

" انت فين يا بني آدم؟!"

أخفض صوته حين انتفضت أبنته من حده صوته، وطبع قبله على رأسها مبتسماً لها ابتسامة حنون ليطمئنها، وعاد يقول بنبرة شبه هادئة:

" مش بترد علي تليفون حد فينا ليه؟؟ وسايبنا قلقانين"

كست الحمرة وجه (توليب) وهي تستمع إليه يقول:

" خلاص يا (ثامر) اطمنوا...هي معايا دلوقتى"

زفر (ثامر) بارتياح قائلاً:

" الحمدلله....كانت فين؟...وايه اللي حصل؟"

قال الآخر متأملاً حمره خديها الظاهرة له بوضوح رغم قتامه الليل حولهم:

" بعدين يا (ثامر) ... أنا هوصلها البيت دلوقتى، طمن انت (علاء) و (حياة)"

أزداد شعور (توليب) الناقم على نفسها بعد أن فهمت من حديث (براء) أنها تسببت في قلق الجميع، فقالت دون النظر إليه بعد أن أنهي مكالمته مع صديقه:

" قلقت الكل ...انا اسفة"

ابتسامه صغيرة مرت على شفتيه، وهو يراها أمامه كالطفلة المذنبه، فقال متفكهاً:

" ممكن متعمليش كده تانى... عشان بصراحه كده...."

ترك جملته معلقه، يستعيد شعوره بالخوف عليها الساعات الماضية، وعاد يقول ببحه رجوليه زلزت كيانها:

" وقعتي قلبي من الخوف عليكي"

تعانق الأعين تبوح بكلمات ابي صاحبها النطق بها، تمالك (براء) نفسه ململماً مشاعره وهو يقول:

" ممكن اعرف ايه سبب خروجك من البيت؟"

يا الله، ماذا ستقول له الآن؟ ولم يسعفها عقلها البحث عن حُجه جيدة تقنعه به، نزلت عينيه إلى أصابعها التي تعتصرها توترا، شاعراً بالغرابه، فما الذي يوترها إلى هذا الحد؟ فقال بارتياب:

" مالك يا (توليب)؟....ساكته ليه؟"

ارتعشت شفتيها بابتسامة متوترة، تقول أول شيء بدر بذهنها:

" خرجت اجيب شويه حاجات"

أزداد شعوره بالريبه، وهو يقول مقترباً خطوه منها:

" حاجات ايه يعني؟ مش فاهم"

ابتعدت هي تلك الخطوة، تخفي حقيبتها خلف ظهرها، تعض على شفتيها، فاشاحت بوجهها هرباً من نظراته قائلة:

" حاجات البيت محتاجها"

تعجب (براء) كثيراً من حالتها تلك، ولكنه لم يرأف بها، فقد أحس أنها تخفي عنه شيئاً في تلك الحقيبة، فاقترب خطوتين حتي سار ما يبعده عنها إلا بضع إنشات فقط، وهو يقول:

" وفين هي الحاجات إلى جبيتها؟"

تسارعت أنفاسها وهي تكمل كذبتها، عاجزة عن التقهقر إلى الخلف:

" مشترتش حاجه"

" ليه!؟؟"

" كنت بدور على طريق الرجوع"

أرتفع حاجبه، وقد تيقن كذبها قائلاً:

" بدوري على الرجوع قبل ما تشتري إلى انت محتاجه!"

وهنا توقف ذهنها عن العمل، فاطرقت برأسها، لا تجد ما تقوله، ولكن (براء) مد يده خلف ظهرها ساحباً الحقيبة، قائلاً بريبة مثبتا نظراته بعينيها:

" مخبية ايه في الشنطه دي؟!"

----------------------

تقلبت في فراشها يجافيها النوم، تفكر فيما حدث اليوم بالمكتب، فهبت جالسه تزفر بقوة، ورفعت يدها تشعث شعرها وهي تقول بحيرة:

" وتطلع مين بقي (توليب) اللى خلته يجري عليها زي المجنون كده؟! وميرجعش المكتب تاني"

وعادت (نوران) تتذكر ما حدث مرة أخرى رغماً عنها، وهي تشعر بالغيرة تقتات عليها، فتذكرت كيف كانت تقف بجانب (علاء) تأخذ منه تعليمات بخصوص العمل، حين جاء إتصال، فضرب قلبها بعنف وهي تتذكر لهفته وهو يقول:

" مالها (توليب) يا (حياة) ؟؟"

وكيف هب مهرولاً دون النظر إليها أو حتى يخبرها بأنه لن يعود مرة أخرى، يقول بلهجة قلقه اثناء خروجه:

" يعني هتكون راحت فين؟؟...طب اهدي ...انا هتصل بالمستشفى واسالهم إذا كانت جات ولا لا"

عادت (نوران) تبعثر شعرها بقوة وهي تقول بغيظ:

" طب (حياة) وعرفت أنها خالته لما جاتله زياره في المكتب، لكن مين (توليب)؟!.. مين؟؟"

وفجأة سكنت حركتها واتسعت عيناها وكأنها أدركت شيئاً ما، فقالت بأنفاس عالية متسارعة:

" أنا غيرانه!!!!!..."

ولكنها لم يعجبها هذا الإدراك، فسخرت من نفسها قائلة:

" أنتي وقعتي ولا إيه يا (نوران)؟"

وهزت رأسها بقوة وكأنها تنفي ما أدركته لتوها وهي تقول:

" اكيد لا طبعاً.....ده مجرد فضول....انا بس عايزة اعرف مين دي مش اكتر"

وما أخرجها من دائرة الحيرة تلك غير صوت رنين هاتفها، فنظرت إليه بتعجب حين رأت هوية المتصل، وتعجبت أكثر حين رأت أن الساعه تعدت منتصف الليل، فإنتابها القلق هي وترد على ذاك الاتصال:

" الو يا دكتور (رامي)"

جاءها صوته محرجاً وهو يقول:

" مساء الخير..."

وضحك ضحكة صغيرة يوارى بها حرجة قائلاً:

" ولا اقول صباح الخير ؟"

تربعت (نوران) فوق فراشها وهي تقول بتوجس:

" صباح النور...هو في حاجه حصلت بخصوص فحوصات (مازن) ولا ايه؟؟؟"

رد مسرعاً:

" اطمني فحوصات اخوكي زي الفل، وفى تقدم واضح في حالته أن شاء الله"

وتنحنح قائلاً:

" بصراحه أنا بكلمك بخصوص حاجه تانيه"

أزداد توجسها وهي تدعي ربها إلا يكون ما فكرت به، فاستمعت إليه يقول بلهجة مرتبكة:

" أولاً انا بعتذر أنى اتصلت في وقت متأخر كده بس انا يدوب لسه مخلص شغل، ومش قادر الصراحه استني لبكره عشان أكلمك بعد ما اخدت موافقة الحاجة (حسنيه) انى اكلمك"

حينها خاب ظنها و أيقنت ما فكرت به، فحتماً سيحاول إقناعها بنفسه، ولكنها تعجبت أمر أمها ، فقال هو مفسراً لها:

" انا طلبت منها اني أتكلم معاكي، وافهم منك ايه سبب رفضك ليا"

كلماته آثرت شيئاً بنفسها وهي تراه متمسكاً بها إلى هذا الحد، فحاولت انتقاء الكلمات كي لا تحرجه قائلة:

" يا دكتور (رامي) رف......"

قاطعها بصوت مبحوح أثر مشاعره:

" (رامي) من فضلك"

فتوارد إلى ذهنها كيان يغمز بعينيه، وهو يقول بإبتسامة خلابه:

" (علاء) اسمي(علاء)"

ارتسمت على شفتيها ابتسامه حالمة، وهي تتذكر طريقه مزاحه المحببة والمغيظة لها في ذات الوقت.

" (نوران)...انتي لسه معايا؟"

تنحنحت تكسو وجهها حمرة الخجل وهي تقول:

" معاك يا دكت...قصدي يا (رامي)"

سمعت أنفاسه العاليه حين نطقت اسمه منفرداً، فحاولت التحدث بلهجة جادة كي لا تعلقه بما ليس بمقدرتها:

" مفيش أي اعتراض لشخصك يا (رامي) صدقني...انا رافضة الفكرة مجمل"

زفر نفساً ساخناً مرتجفاً وهو يقول:

" ممكن اعرف الأسباب؟"

تلاعبت (نوران) بخصلة من شعرها وهي تقول:

" بعتذر أحب احتفظ بالاسباب لنفسي"

قال متحايلاً:

" اديني فرصة.... فرصة بس يا (نوران) وانا قادر اقنعك"

آثرت الصمت لا تعرف بما تجيب، فقال بلمحة من الأمل:

" اسمحيلي أقابلك ولو لمرة واحدة بس بعيد عن المستشفى أو البيت، وادي نفسك فرصة تسمعي لواحد دايب فيكي"

اشتدت أصابعها على الهاتف بعد تصريحه ذاك، تبلع ريقها بصعوبة تحدث نفسها قائلة:

" الله يسامحك يا حجه (حسنيه)"

طال صمتها وصمته، فهو أيضاً تفاجأ من تصريحه لها، فقال مبدداً ذاك الصمت يرتجي منها:

" أرجوكي يا (نوران) اديني فرصه اتكلم معاكي وليكي الحرية بعدها توفقي أو ترفضي"

قالت متحججة:

" ماما مش هتوا....."

اشرق صوته حين شعر أنها على وشك القبول، قائلاً:

" يا ستي سيبي الحاجه (حسنيه) عليا انا، انا هستاذن منها"

حينها لم تجد بُدًّا من رفضها، تخبر نفسها أنها ستستمع إليه فقط، لأنها اشفقت على حالته تلك، وبعدها ستبدي رفضها الحازم اي كان ما يحمله حديثه من مشاعر.

--------------------------

" مخبية ايه في الشنطه دي؟!"

أبعدت يدها التي تحمل الحقيبة، بعد أن فشل فى سحبها منها، بصدر يعلو ويهبط قائلة:

" مش مخبية حاجة"

رفع (براء) حاجبه حتي كاد يلامس منابت شعره، وهو يراها تبعد الحقيبة، فتملكة الإصرار وهو يحاول جذب الحقيبة منها مرة أخرى، قائلاً:

" ايه اللى فى الشنطة مش عايزاني اشوفه؟!"

وقفا يتجاذبان الحقيبة كالاطفال الذين يتشاجرون على لعبه ما، وبين شد و جذب تمزقت أحدي اذرع الحقيبة، فتطايرت محتويات الحقيبة أرضاً، متبعثرة في كل اتجاه.

شهقت (توليب) تضع يدها على فمها، حين رأت الصور تتهاوي على الأرض، كقلبها الذي هوي أرضاً وهي تراه ينحني يلتقط أحدي الصور بملامح مبهمة، استقام (براء) بعد أن التقط صورته، بقلب كاد يشق صدره محدقاً بالصور بيديه، وقد انتفخت اوداجه فرحاً رغماً عنه قائلاً:

" هو ده اللي خرجت عشانه!!؟"

أومأت ( توليب) وهي تنظر أرضاً، تتمني لو أن الأرض تشق وتبتلعها، ماذا سيقول الآن؟ هل سيطلب منها الإبتعاد مرة أخرى لعدم التزامها بوعدها، رق قلبه لها، فقال بصوت متحشرج، يفيض حناناً:

" (توليب)"

فقدت (توليب) ذرات ثباتها وهي تسمع اسمها من بين شفتيه بتلك الطريقة، حينها فقدت زمام أمورها وفاضت مشاعرها، معلنه عن تحررها وهي تقول بأنفاس لاهثه، بكلمات غير مترابطة:

" انا ..... مقدرتش ...... أوفي بوعدي..... انا.... "

ورفعت إليه مقلتين معذبتين شوقاً، وهي تقول وقد التمعت عيناها بالدموع:

" أنا عارفة انك شايفنى ضعيفة، بس أنا فعلا مقدرتش... اوفي...لآنه شوقى ليك صعب يا (براء) اوى...صعب وانا مقدرتش اتحمله"

قطع المسافة بينهما يسرع الخطى، قلبه يسبقه إليها، رافعا كفيه يحتضن وجهها وهو يقول بصوت متهدج:

" ياوردتى...انتى مش محتاجة تملكى صورى، لانك ببساطة... بتملكي قلبى"

ارتعشت اوصلها وسال دمعها، تنظر مباشرة إلى عينيه الخضراوين تكحل عينيها برؤيتهما، وآه من تلك العينين وهى تناظرها بكل هذا العشق، احقا تملك قلبه؟ لمس (براء) خط الدموع متتبعاً مسارها إلى ذقنها، فإبتلع ريقه بصعوبة وهو يقول:

" ليه الدموع يا وردتى؟ قولتلك قبل كده دموعك بتقتلني "

لعقت دمعة استقرت على شفتيها، فنزلت عينيه تلقائيا تتابع تلك الحركة التى فجرت بداخله حمما من الشوق، فإقترب بشفتيه منها يكاد يذوب شوقا لتذوقه تلك الشفاة مرة اخرى، وهى التى كانت ساكنة أمامه لا تصدق ما طرب به أذناها الآن، ولكن بإرادة من حديد، رفع شفتيه إلى جبينها طابعاً قبلة طويلة أودع بها مشاعره الجياشة، اغمضت (توليب) عينيها تستشعر لمسه شفتيه الحارة على بشرتها، وبأصابع واهنة لمست يده التى تحتضن جانب وجهها، هامسة:

" ارجوك يا (براء) متبعدنيش عنك وخلينى جنبك بأى صفة قريبة، صديقة، اى حاجة... المهم انى افضل جنبك"

امسك (براء) يدها ومال برأسه يقبل باطنها، وقال بلهجة تقطر ألما:

" آه يا وردتى لو تعرف كلامك ده بيعمل فيا ايه"

ورفع وجهه إليها قائلاً بيأس:

" اسف انى سببت ليكى العذاب بدل ما احميكى منه"

تنهدت تحاول أن تبتلع غصة البكاء قائلة:

" أنا راضية...عذابي فى قربك اهون مليون مرة وانت بعيد يا (براء)"

لاحت على شفتيه ابتسامة حزينة وهو يقول:

" فى الحالتين بعذبك يا قلب وعيون (براء)"

قربت (توليب) وجهها منه بحركة جريئة منها، اربكت دواخله وجعلته يكاد يمطر ذاك الوجه الباهى رغم انتفاخه من البكاء بقبل لا نهاية لها، واستمع إليها تقول بلهجة تكاد تكون مترجية:

" لو انا فعلا زى ما بتقول، يبقى انت اللى توعدنى انك لا تطلب منى ابعد تانى ولا هتبعد انت وتحرمنى من انى حتى اشوفك"

ولمعت عيناها تقول بخفوت:

" انا يا (براء) مش عايزة حاجة غير انى اشوفك واسمع صوتك ولو حتى هتعتبرنى اختك انا راضية والله"

طال انتظارها وقد تسلطت عيناها على شفتيه فى انتظار رده، فرسمت ابتسامته الجذابة على جانب شفتيه وهو يقول:

" اوعدك يا وردتى"

-----------------

أشهد الله أني انوي التوبة على ذنوبي ، وذلاتي ، و كل كبيرة تغضبه.

اللهم اغفر لي ذنوبي ، و خطيئتي و اخرجني من الدنيا كما دخلتها بلا ذنوب ولا عيوب .

ربي إن كان هذا آخر عهدي بالدنيا فأجعلني من التائبين ، اللهم اكتب لي لقائك و انا بدون ذنب و اجعل جنتك لي هي المأوي . اللهم اغفر لي ذنبي و خطيئتي و لا تتوفني إلا و قد غفرت لي كل ذنوبي.

اللهم ارزقنا حسن الخاتمة.

-------

قراءه ممتعه للجميع 🥰

فصل طويل اووووي اهو تعويض على الغياب الفترة اللى فاتت 😍

مستنية رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰

اسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة