روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
---
اكره الاستماع إلى دقة عقارب الساعة فمعها يمر العمر دقائق معدودة
ومعها يموت حلم عمرى الذى اتمناه
ومعها اطوق إلى الرجوع بالزمن
معها افر من ايام القادمة كى لا اعيش حزينا بها
------_-----------
مر اليوم ثقيلاً عليه يشعر وكأنه مغيب وهو يقف بجانب أخيه يأخذ عزاء اغلى ما يملك ينظر إلى والده بغضب دفين من حين إلى آخر فحتى أخر لحظاتها لم يكن بجانبها بالرغم من أن الجميع أخبره إلا أنه لم يأتي، التقت عينيه بعين (بهاء) أكثر من مرة فلم يقرأ بها حزناً ابدا بل كل ما شعر به نظرة استخفاف به، لما يفعل ذلك ألم يحبها يوماً هكذا سأل (براء) نفسه ولكنه لم يجد إجابه فهو لا يتذكر أنه أحسن معاملتها يوماً لم تجد منه سوي الحزن والإهانة و اليأس من صلاح حاله، ليتك بجانبي يا أمي فديتك بروح يا غاليتي.
أنتهي العزاء ورحل الأغلبية من المعزيين وهو لا يزال واقفا يرمق والده بعيون شارده مما اشغل غضب (بهاء) وهو يقول:
"انت بتبصلي كده ليه يا (براء) ****؟"
ابتلع سبته ونظر إليه بطرف عينيه ولكنه لم يجيب فقال الآخر وهو يشطاط غضبا:
"انت كمان مش بترد عليا"
و أقترب منه رافعاً سبابته في وجه وهو يقول:
" لو فاكر أنى هسكتلك بعد كده فأنت غلطان خلاص اللى كنت بعملها خاطر ماتت"
قال (براء) مستفهما وهو مازال محافظا على هدوئه:
" أمتي حصل الكلام ده؟!!!"
انتبهت له (حياة) في وقفتها مع السيدات فتركتهم وذهبت إلى (براء) سريعاً، رأته قد تخلى عن ذلك الهدوء وصوته بدأ يعلو شيئاً فشيئا كان حزيناً أكثر منه غاضباً:
"أمتي عملتلها خاطر!؟ حتي وهي بتموت مكلفتش نفسك تيجي تشوفها، ازاي قدرت تعملها!؟"
حاول (علاء) سحبه من أمام والده قبل أن يشتد الشجار في حين قالت (حياة ) وقد تملكها الغضب هى الأخري ولكنها سيطرت عليه :
" مش وقته الكلام ده يا (براء) دي....."
قطع (بهاء) حديثها ومازالت نظرة الاستخفاف به تملأ عينيه:
" لا وقته يا (حياة) هانم لازم أحطله النقط فوق الحروف، البيت دا مش عايز أشوفك فيه تانى خالص سامع ولا مش سامع "
قال الأخر في تحدي واضح:
"أنا اللى مش عايز ادخله تانى ، اللى كنت بستحمل عشانها خلاص بين ايدين ربها، بس قبل ما امشي"
ونظر إلى (علاء) وأكمل حديثه :
" (علاء) هيجي معايا"
تعجب (علاء) طلب أخيه وسأله بعينيه عن السبب ولكنه لم يجد رد فقال الآخر وهو ينظر إلى صغيره:
" بتتفقوا عليا يعنى ؟"
وقبل أن ينطق (علاء) بكلمه كان الآخر يقول مدعي الشفقة على حاله بعد أن رأي تجمهر الناس حولهم:
" خلاص مبقاش حد فيكم طايقلى كلمه، امكم ماتت من هنا وعايزين تسبوني وحيد من هنا"
وأتقن التمثيل جيداً وهو يقول ،حتى أن (علاء) قد شعر بالشفقة عليه:
"ليا مين أنا بعديكم يا حبايب قلبي"
رق قلب (علاء) له وقال وهو يقترب منه:
"ابدا يا حج ،(براء) مش قصده حاجه من اللي بيقوله دى لحظه غضب مش اكتر"
بينما قالت (حياة) محدثه نفسها مندهشه من قدرته على التلوي أمام الناس:
"لئيم زي التعلب العجوز يا (بهاء)"
وأيضا لم يتأثر (براء) بتلك التمثيلية البائسة قيد انمله ولكنه التزم الصمت حينما قال أحد المعزيين:
"استهدوا بالله كده يا جماعه ده شيطان ودخل ما بينكم"
قال (ثامر) محاولا تهدئة صديقه:
"قرب يا (براء ) واعتذر لابوك وزي ما قالت الست (حياة) مش وقته ابدا الكلام ده"
انصاع (براء) إلى حديثهم ، لا شىء غير أنه لا يريد لأمه أن تحزن في قبرها، ولكنه ندم حقا عندما رأي نظرة النصر في عين أبيه بعد أن أعتذر له أمام الجميع.
------------------
مرت الأيام وبعد تحقيق الشرطة مع (مسلم) أثبتت براءته لأنه كان خارج القرية في ذلك الوقت مما جعل الشرطة تؤيد ما حدث ضد مجهول لعدم وجود أدلة كافية.
كانت تجلس مع (بيان) في غرفتها وقد تبدل حال الجميع بعد وقوع حادث الحريق فقالت وهي شارده الذهن:
" يارب عمي (حسين) يوافق على التعويض بدل المحاصيل "
صمتت قليلاً وعادت تقول:
"حتي لو وافق أنا مش عارفه بابا هيجيب المبلغ ده كله منين"
ثم نظرت إلى (بيان) فوجدتها شاردة الذهن فسألتها:
" أنا بكلمك يا حبيبتي ، سرحانه في ايه؟"
ردت الأخري وهي لا تزال شاردة:
" لما (مسلم) مش اللى حرق المحاصيل ، اومال مين ؟؟"
شردت الأخري أيضاً وهي تقول:
" مش عارفه يا (بيان) مين اللي ليه مصلحة يعمل كده ؟"
ثم خطرت لها فكره جعلتها تسأل في صدمه:
" تفتكري (مسلم) اللى أنقذني من الحريق ؟؟؟"
ردت (بيان) دون تفكير:
" إزاي يعنى!! لما هو برئوه لأنه مكنش موجود في القرية في الوقت ده، ايه شبحه جه انقذك ورجع تانى "
ابتسمت مدركة لحظه غباءها ولكنها عادت لتقول في شرود:
" نفس اللى حصلي في الحلم!!!"
"تفتكري مين اللي طلعك من هناك؟"
هزت (توليب) كتفها بالرفض قائله:
" مش عارفه "
وعادت إلى الشرود مرة أخرى تتذكر تلك اللحظة التي استمعت إليه يناديها، يخيل لها أنه حدثها بعد ذلك ولكنها عاجزة عن تذكر وقالت محدثه نفسها:
" لو أعرف بس قالى إيه وقتها يمكن ساعتها اقدر أعرف هو مين"
أفاقت من شرودها على صوت (بيان) تقول:
" (يامن) قال إن الحقول هتنفع تتزرع تانى بس محتاجه لمبالغ كبيرة أوووي"
ردت هي والحزن قد بدي على وجهها :
" مش عارفه بابا هيقدر يدفع كل ده منين"
------------------------------
دلف إلى منزله و الخذلان يملأ قلبه لا يصدق ما حدث للتو، لقد ظن أن صداقه العمر كفيلة لتجعله يصبر عليه أو يقبل تعويض مادي ولكنه كان مخطئا وأن كل شيء ليس له قيمه أمام المال.
استقبلته (وجدان) متسائلة:
" عملت ايه يا (داوود) قبل بالتعويض ؟"
قال بصوت منكسر يشعر بالصدمة:
" رفض يا (وجدان) تخيلى؟ لا وكمان عايز ضعف سعر المحاصيل!!!"
وقال وهو يفك ازرار قميصه يشعر بالاختناق:
" (حسين) هددني يا (وجدان) لو مدفعتش خلال أسبوع واحد هيضطر يبلغ الشرطة"
لطمت (وجدان) وجهها تقول في صدمه بالغة:
" يا مصبيتى هيبلغ الشرطة، معقول (حسين الطبلاوي) يعمل كده؟! ده طول عمره شغال معاك"
جلس الآخر على أقرب مقعد ينهت بعصبية:
"مفيش صداقه قدام الفلوس ، قالى انا مليش ذنب في خسارتك"
زفرت في توتر وهي تقول:
" والأراضي؟، الفلوس اللي انت شايلها هتكفي لرجوعها صالحه تانى للزراعة ؟"
هز رأسه نافياً وهو يمسح على وجهه يشعر بغرق سفينته وهو يقف مكتوف الأيدي عاجز عن فعل شيء لإنقاذها، ويبدو إن كل من عليها سيغرق لا محال.
--------------------------
((بعد مرور أسبوع))
وقف اثنتيهم أمام والدهم في مكتبه واستمعوا إليه يقول:
"مش انت كنت عايز أخوك يعيش معاك؟"
نظر كلا منهم إلى الآخر متسائلين ولم يطل عليهم الصمت وقال وهو يجلس ويدفع قدم فوق الأخري:
" من الأسبوع اللى جاى (علاء) مينفعش يقعد معايا هنا"
شعر (براء) ببعض الارتياح لأنه سيتمكن من تنفيذ وصيه أمه وسيأخذ أخاه بعيداً عن أبيه، ولكن قبل أن يلتقط أنفاسه في راحه أستمع إليه يقول في برود:
" أنا هتجوز الأسبوع اللى جاي عشا....."
صرخ (علاء) قاطعاً حديثه فى دهشة:
" تتجوز إزاي يعنى؟؟؟!!!"
"هو ايه اللي ازاي؟!!، زي ما الناس كلها بتتجوز وده ولا عيب ولا حرام يا سي (علاء)"
خفض الآخر نبره صوته وهو يقول:
" استغفر الله ، أنا كل اللى أقصده أن لسه معداش على موت ماما حتى شهر"
وقف (بهاء) و أقترب منهم يقول في عنجهيه:
"انا راجل محبش اعيش لوحدي، وبعدين الحي ابقي من الميت ولا ايه يا (براء)؟!"
ووقف أمامه مباشره يثبت عينيه عليه ،فقال (براء) وهو يحاول أن يبتلع الصدمة:
"ويا تري مين العروسه؟!"
أبتسم الأخر ابتسامه جانبية قائلاً:
"لا دي مفاجاه بقي بلاش أحرقها"
كان وقع تلك الابتسامه على (براء) انقباضه في القلب لا يعرف سببها، قال (بهاء) يكمل حديثة وهو يري معالم الحزن على وجوههم:
" بس مش معني كده أنى هحرمكم دخول بيت ابوكم، لا ده أنا هستناكم كل أخر أسبوع تيجو تقضوا اليوم معانا وتباتوا كمان عشان متحسوش اني بعتكم "
أبتسم (براء) ابتسامة لم تصل إلى عينيه محدثاً نفسه:
" فيك الخير والله يا حج (بهاء)"
وقال أخيه في عصبية :
" وأنا ذنبي ايه، اسيب بيتى ليه ؟"
فصاح الأخر:
" مش ده اللي كان عايزه أخوك "
وهم بالرحيل قائلاً وقد ألقي نظرة على (براء) لم يفهم معناها:
" ده أخر كلام عندي عجبكم أهلا وسهلاً ، معجبوكش أنتم احرار ، بس البيت لازم يفضى "
قال (علاء) بعد رحيله:
" هو ايه اللي بيحصل ؟؟!!!!"
رد وهو شارد يسأل نفسه ماذا يقصد بتلك النظره:
" اللى سمعته"
ثم وضع يديه على كتف أخيه وهو يقول:
"وبعدين انت ايه اللى مضايقك ، ده انت هتملى عليا البيت يا حبيبي"
"بس ....."
قطع حديثه وهو يقول مازحاً ويضربه بخفه على رأسه من الخلف:
" هو أنا بخوف ولا ايه يا شبر ونص؟!"
ضحك الآخر يجاري أخاه في مزاحه:
" بصراحه آه "
قالها وابتعد عن متناول يده ولكن (براء) ضربه فى بطنه بمزاح فتآوه (علاء) وهو يقول ويركض بعيداً عنه ضاحكاً:
" شوفت أهي هلت البشاير "
أوقفه (براء) قائلا:
" طب يلا امشي قدامي انا جعان وزمان (ثامر) شعره شاب وهو مستنينا في بيته"
قال (علاء) متسائلاً:
" ايه السبب؟!"
"مراته يا سيدي عامله وليمه من وصفات بلدها وعارفه أنى بحبها فصممت تعزمنا على الغدا انا وانت"
قالها ساحبا أخاه من ملابسه وأكمل ضاحكاً عندما وجده استسلم له:
" ايوه كده احبك وأنت بتسمع الكلام"
قال (علاء) وهو يهندم ملابسه:
" انا جاي بس عشان أولاده وحشوني مش عشان بسمع الكلام"
ثم ركض سريعاً قبل أن ينقض (براء) عليه مرة أخرى وقد شعر بالسعادة لأنه تمكن من إضحاك أخيه أخيراً بعد كل ما مروا به.
----------------------------
((فى المساء))
جلست سيدات عائلة (النمساوي) حول المائدة في إنتظار الرجال لتناول العشاء فقالت( بيان):
"هما اتاخروا كده ليه؟ كل ده بيتكلموا؟"
ردت (توليب) في تمني:
"يمكن لقوا حل للمصايب اللى حلت علينا"
قالت (وجدان) وهي ترفع يديها تأمن على كلام ابنتها:
"يارب يسمع منك ،قادر ربنا على كل شيء"
ثم طلبت منها:
"روحي انتى يا (توليب) ناديهم يتعشوا الأول"
مدت يدها تناولت القليل من الطعام وهي تهم بالذهاب قائله في محاولة منها لتبديد التوتر:
"جوعتنا حرام عليكم"
ولكن الوضع في الداخل كان أكثر توتر وعصبية من (يامن ) وهو يصيح:
" ازاي أصلا يطلب حاجه زي كده ،دا شكله كبر وخرف بدل ما يطلبها لحد من ولاده طالبها ليه، ده اكيد اتجنن"
قال (داوود) وهو يشعر أن الدنيا ضاقت به:
" استغل المصيبه اللى احنا فيها وراح دفع هو (لحسين الطبلاوي) عشان يكون الدين ليه هو ويطلب بقلب جامد"
ركل (يامن) الطاولة الصغيرة التي بجانبه بقدمه:
" ده في أحلامه إلا (توليب) ،أنا هسلم للشرطة وأقول الدين دينى انا ولا انى اجوزهاله"
كادت (توليب) الدخول عليهم ولكنها استمعت إلى حديثهم مما جعلها تتسمر مكانها وهي تسمع حديث والدها وهو يشعر بالعجز:
"وانا مش هقبل بحاجة زي كده ليك أو ليها، ولا يمكن اسمح لحد أنه يلوي دراعي بيكم"
صمت قليلاً يفكر وقال وكأنه يحدث نفسه:
"عشانك انت واختك يا (يامن) يهون عليا أي صعب، أنا هكلم (بهاء) دلوقتى أقوله إن جوازك من (توليب) مرفوض تماماً واللي عايز تعمله اعمله"
اقترب (يامن) وجلس على ركبتيه أمام مقعد والده:
" هيسجنك يا بابا وانا مش هستحمل حد يمس شعره منك الحل الوحيد انى اسلم انا نفسي"
ضغط على يد إبنه التى يضعها على ساقه في تحذير:
" انت هتسمع اللى بقولك عليه، فاهم"
ونهض وهو يقول وكأنها نهايته:
" خلى بالك من اختك، خدها تحت جناحك ومتسمحش لحد ياذيها"
اقتحمت (توليب) عليهم الغرفه قائله وقد إتخذت قرار لا رجعة فيه:
" انا موافقة يا بابا"
------------
ولا تختبرنا في أهلنا ومَن نحب يا الله.. لا يمسّهم وجع فيمسّنا أضعافه.
..
اللهم اجعلها أيامًا تَمُرّ ولا تَضُرّ، تعطي أكثر مما تأخد، تفرح أكثر مما تحزن.
..
اللهم اكفنا شر الأمراض واحفظنا بحفظك في ودائعك أنفسنا وأهلنا و من نحب.. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك.. اللهم اجعل هذه الأيام بردًا وسلامًا وهوِّنها علينا جميعًا.
بقلم
أسماء صالح
Asmaa saleh