الفصل الواحد والعشرين

الفصل الواحد والعشرين

19 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

-------

ضعفى انتى وقوتى

ادفع من عمرى فقط لتصمدى

ليتنى اتلقى عنكِ كل الصعابِ

ليبقى قلبك بلا آلامِ..... بلا اوجاعِ

ضعفى انتى وقوتى

قلبى يخاف ان يؤذى معشوقتى

كيف لى ان اؤذيكي وانت وردتي

افديكى بروح ياعمرى

فما معنى الحياة دون هواكى

ضعفى انتى وقوتى

--------------------------

اقترب متسع العينين لا يصدق ما تراه عيناه، يقف أمامها مباشرة ينهت من شدة الأنفعال وهو  يقول متفحصا وجه (توليب) التي حاولت أن تداريه حين أقترب:

" ايه اللى فى وشك ده؟!!"

استقام (براء) واقفاً يحاول أن يبعد أخاه عن جلسة (توليب)، قائلاً كي لا يسبب لها الإحراج:

" متقلقش دي مجرد وقعه"

وقالت وهي تخبئ وجهها بشعرها:

" كنت دايخه ووقعت من على السلم"

ولكنه لم يقتنع وهو يري آثار الضرب واضحة، فنظر إلى أخيه قائلاً بلهجة عصبية:

" انا مش صغير يا (براء) عشان أصدق الكلام ده، دي آثار ضرب باينة للأعمي"

وصاح بغضب:

" انا لازم أفهم ايه اللى بيحصل، كل حاجه حوليه غريبة"

وحين لم يجد رداً، أعاد نظره إليها متفحصا، يترجم له عقله ما يراه بشكل خاطئ، فهتف وهو ينقل نظره بين أخيه و (توليب) :

" معقول بابا هو اللى عمل كده؟!"

وأيضاً لم يجد رد، كل ما رآه معالم الخزي التي ارتسمت على وجه أخيه، ورأس (توليب) التي انحنت، فصور له عقله أشياء لا يريد أن يصدقها، فهو يثق بأخيه حتى الموت، ولكن تقربه من (توليب) بهذه الطريقة يملأ قلبه بالشك، أبتعد عن مرمي يد أخيه يقف أمامها، قائلاً بلهجة ساخطة:

" إيه اللي وصله يعمل فيكي كده؟ عملتي ايه؟!"

استشاط (براء) غضباً وهو يقول:

" ايه اللى انت بتقوله ده!، ما تخلي بالك من كلامك"

بينما قالت، وقد سال خيطا من الدموع من عينيها مدافعة عن نفسها:

" صدقني يا (علاء) ماعملتش حاجه، هو اللى اتعصب عليا كده من غير أي أسباب"

لاح (براء) بيده بغضب، يضيق صدره وهو يراها تبرر لأخيه، فهتف:

" مش محتاجه تبرري نفسك يا (توليب)"

فصاح الآخر بدوره، وقد فقد السيطرة على صوته واعصابه:

" لا محتاجه تبرر لي، ايه اللى يخلي بابا يعمل فيها كده"

ثم انفجر في وجه أخيه، وقد عماه الغضب:

" زي ما انت لازم تبرر لي ايه اللى أنا شوفته امبارح، وسر قربك ليها بالشكل ده"

شهقت (توليب) وضعت يديها على فمها، متمنية لو تتمكن من الهرب من أمامهم الآن أو تنشق الارض وتبتلعها، فهي تشعر بالعار من حالها، هل ستتعري حقيقتها أمام (علاء)، بينما نظر (براء) لأخيه بتعجب من حاله يسأله:

" وليه مسالتنيش؟! ليه سكت؟!"

اتسعت عينا (علاء) طرحت برأسه خاطره، فقال وهو يحاول التحكم بعصبيتة، يصيح بصوت جهوري:

" يبقي أكيد بابا شاف اللى انا شفته عشان كده ضربها وبعدها تعب من ....من صدمته فى ابنه..وفيها..."

لطمة اسكتته وآلمت به، على الرغم أنها لم تكن قوية، ولكنه لم يتلقاها يوماً من أخيه، رفع رأسه إلى (براء) بعيون منكسرة، يسمعه يقول بغضب متفاقم، وصرخه استنكار خرجت من فمها:

" انا مسمحلكش ابدا انك تغلط فيها ابدا، واتعلم تحفظ لسانك وتتكلم بإحترام"

لم تتحمل (توليب) رؤيتهم هكذا، فركضت تهرب من أمامهم، منفجرة فى البكاء تزجر نفسها وتعنفها، لقد فرقت بين الأخوين بعد أن كانت تري الاحترام الذي يكنه (علاء) لأخيه، رأت تبدل الاحترام  باستحقار له ولها.

لم يلحق بها (براء) فكان تحت صدمة تهوره، أحقا لطم أخيه الآن، صغيره الحبيب ولكنه لم يكن ليسمح بأي تجاوز في حقها لم يتحمل قلبه ذلك.

التمعت عينا (علاء) بالصدمة، وقال بلهجة متألمة مغلفة بالسخرية، كانت موجعة لأخيه:

" بتضربني يا (براء)!!! ده انت عمرك ما عملتها"

اعتل الندم وجه (براء) وقبل أن ينطق كان (علاء) يقول وهو يشعر بالخذلان تجاه أخيه، وهو يهم بالذهاب:

"بعد اللى انت عملته ده بتأكد ليا كل شكوكي"

وتركه وذهب بقلب منكسر يملأه الخذلان، وأثناء خروجه رآها تقف في أحدي زوايا المشفي، فرمقها بنظره سخط جعلتها تجهش باكيه بمزيد من الدموع.

------------------------------------

نظر ليديه وهو يسند ظهره إلى الحائط شاعراً بالندم، وما حدث يعاد أمام عينيه مرات ومرات، وتذكر خروجها العاصف وهي تبكي، و ما كاد أن يتحرك ليبحث عنها حتي رأي قدوم الطبيب إليه، وتعلو وجهه نظرات آبي (براء) أن يفسرها، فسأله بتوجس:

"خير يا دكتور؟"

تنحنج الطبيب وهو يعدل نظارته:

" للاسف، الوالد دخل في غيبوبه"

ارتمي (براء) على المقعد خلفه يشعر أن ساقيه لم تعد تتحمل، فرفع رأسه إلى الطبيب يستمع إلى باقي حديثه:

" كده السيد (بهاء) في غيبوبه كامله ومفيش فى ايدينا حاجة نعملها، كل اللى علينا الدعاء والانتظار"

هز (براء) رأسه مهموما، ربت الطبيب على كتفه، يقول مواسياً وهو يهم بالذهاب:

" إن شاء الله يقوم الوالد بسلامه"

اقترب (ثامر) في تلك اللحظة ورأي الحزن الذي يعلو وجه صديقه، فإرتعب قلبه وهو يسأله:

" ايه يا (براء)  الدكتور قالك ايه؟ طمني؟"

دفن الآخر رأسه بين كفيه وهو يقول:

" دخل فى غيبوبة"

جلس (ثامر) بجانبه يقول بجزع:

" لا حول ولا قوه الا بالله، عشان كده (علاء) مردش عليا وانا داخل، أن شاء الله هيفوق وهيبقي كويس، لازم تقوي نفسك عشان تقدر تهدي التاني ده وشه يا حبيبي ميتفسرش"

رفع (براء) رأسه ولا زال مائلاً على كفيه، يقول وهو يشعر بالخزي:

" (علاء) ميعرفش لسه"

تعجب الآخر وقال:

" اومال هو عامل كده ليه؟!!"

عاد يدفن رأسه بين كفيه يقول بصوت مبحوح:

" مديت ايدي عليه"

اتسعت عينا (ثامر) وقال بلهجة مندهشه:

" لييه؟؟!!!!..... ازاي أصلا.....ايه اللى خلاك تعمل كده؟!"

هب (براء) واقفاً يتذكر (توليب) قائلاً متحركا صوب الخارج:

" هقولك بس أنا لازم اطمن علي (توليب)"

امسك مرفقة ليوقفه، قائلاً بنفاذ صبر:

" فهمني الأول ايه اللى حصل ما بينكم"

مرر (براء) يده في شعره بعنف وقال:

" قل  أدبه مع (توليب) عشان....."

ثم زفر يقول بغضب:

" عشان شاكك فيا انا وهي"

هب الآخر واقفاً يقول وقد نفاذ صبره:

" ما تتكلم زي الناس، وتفهمني ايه اللى حصل وايه اللي خلي (علاء) يشك أصلا، وانت ليه مسيطرتش على مشاعرك ادام أخوك من الأساس"

جلس (براء) على مضض يقص عليه ما حدث منذ البداية، والآخر يستمع إليه بأعين تلتمع بالدهشة، يقول بعد أن أنتهي صديقه من الحديث، يوبخه:

"انا حذرتك يا (براء) وقولتلك  لازم تنسي وتشيلها من قلبك، آخره الحب دا تهور"

هتف الأخر بيأس:

" مش قادر...... انت بتطلب مني أشيل قلبي، انا عايش بحبي ليها حتي لو مش ليا كفايه تكون جانبي"

نظر (ثامر) يميناً و يسارا إلى حركة الناس من حولهم، وقال بصوت خافت كي لا يلفت الأنظار أكثر من ذلك:

" وانت مستني من (علاء) يفهم حاجه زي كده!!"

رد الآخر بقلب متألم:

" لازم يفهم، لازم يعرف أن مش انا اللى خاين، وان أبوه سبب عذاب ابنه، أن ابوه اتجوز الوحيدة اللى حبها ابنه، لازم يفهم يا (ثامر)، انا مش هقدر أشوف نظره الاستحقار دي في عينه تانى، ومش هقدر استحمل أن يظلم (توليب) ويبصلها البصه دي"

تخصر (ثامر) وهو يقول بلهجة متهجمه:

" هو معاه حق يا (براء)"

رفع (براء) رأسه يناظره بحدة، فقال الآخر سريعاً:

" حط نفسك مكانه، يشوفك الأول في الوضع اللى وصفته وبعدها ابوك يقع بالشكل ده، ومحدش يعرف السبب وبعدها تظهر (توليب) بآثار ضرب، عايزه يفكر ازاي؟ ولا يقول ايه؟، اي حد مكانه هيفكر بالطريقة دي"

رفع (براء) أنظاره إلى السقف يأكد لنفسه كلام صاحبه، فحقا لو كان مكان أخيه لكان الشك ملأ قلبه.

--------------------------------

وقف يتأملها من وراء إحدي الأشجار في حديقة المشفي، تملؤه الحسرة على خسارتها، كم أشتاق إليها وإلى رؤيتها وسط الحقول كما كانت تفعل كل صباح، يحدث نفسه بغل فاق الحدود:

" انت اللى خطفتها مني يا (بهاء) الكلب، عشت عمري أمنع أي حد يقرب منها عشان تبقى ليا تيجي انت اللي تتجوزها، لا وايه بمساعدتي انا وانا زي الغبي، عماني الانتقام من (يامن) ومفكرتش انك بتعمل كده عشان طمعان فيها"

تنهد بحرارة، يقول وهو لا زال يراقبها:

" ومين يشوفها وميطمعش فيها، دي رقيقه زي الورد ولا ريحتها دي كانت ادماني"

لم يشعر (مسلم) بنفسه وهو يتقدم نحوها، فقاده الشوق إليها ولكن وقبل أن يصل إليها، رأي (براء) يقف أمامها يحدثها بما لم يصل إليه، فعاد الغضب يجري في شراينه مجري الدم، فقال وهو يسحق أسنانه:

" بعد كل اللى عملته عشان ابعدك عنها، بردو عرفت توصل وتكون قريب منها، حتي لو قربها ده انها تكون مرات ابوك"

رمقه بنظرات تملأها الشر وهو يقول:

" بس العبرة في النهاية، وهاخد حقي منك ومن ابوك وهدفعه تمن غدره بيا غالى اوي، و (مسلم) ماينساش الغدر ابدا"

عاد إلى إدراجه يحدث نفسه أنه حان وقت كشف جميع الأوراق التي تخص (بهاء) أمام أولاده، ولكن بعيداً عن (توليب)، فهو لا يزال طامعا بيها يمني نفسه، فبعد كشف (بهاء) لها بالتأكيد ستطلب الطلاق، وسيكون هو في انتظارها لتحقيق حلمه بأن تكون له.

وضحك ضحكة ساخرة يقول بلهجة شامتة:

"(براء ) وخرج بره اللعبة خلاص ومبقتش تنفعله وانا بس اللى هبقى فى الصورة وهتكون ليا مهما حصل".

--------------------------------------

وضع يديه في جيب بنطاله متقبضا كي يمنع نفسه من مسح تلك الدمعات الغاليه على قلبه، يقول بلهجة مترجية:

" لو سمحتي متعيطيش، مفيش حاجه في الدنيا تستاهل دموعك"

مسحت دموعها تحاول السيطرة عليها وهي تقول دون أن ترفع عينيها إليه:

" مش عايزة اكون سبب في زعل بينك وبين (علاء)"

أبعد نظراته الولهة عنها ممارسا أقصي درجات ضبط النفس من انفلات وشيك، وقال بلهجة هادئة:

" مفيش زعل صدقيني، (ثامر) معاه دلوقتى بيفهمه الحقيقة وبعدها انا هعتذر له"

إنتابها الخوف وكادت أن تسأله عن أي حقيقة يقصد؟ هل يقصد حقيقة مشاعرها؟ وهل يعلم (ثامر) بحقيقة تلك المشاعر ؟هل اخبره (براء) ماحدث بينهم هل سيعريها أمام أخيه وصاحبه بتلك الحقيقة المره؟ ولكنها نفضت رأسها تبعد تلك الأفكار عنها، فهو ابداً لن يفعل ذلك، هي تثق به.... تثق!؟ أجل، هي تثق به ولا تعلم متي نمت تلك الثقه، ولكن ما تعلمه هو  أن ثقتها به بلا حدود.

استمعت إلى صوته المرهق يقول:

" ممكن بقي تتفضلي معايا عشان اوصلك البيت"

رفعت إليه مقلتين متعجبتين وهي تقول:

" و (بهاء)؟؟"

قال وقد هاجمته موجه الحزن على أبيه:

" الدكتور أكد عليا أنها غيبوبة كاملة"

هبت واقفه وهي تشهق بذعر، تأمل هو وجهها المذعور وتمني لو يضمها إلى صدره، يطمئنها ويغرق في رائحتها، وينعم بالراحة ولو لبضع لحظات...... لحظات فقط كافية ليمضي قدماً في طريق عذابه.

------------------------------------------

شحب وجهه وهو يستمع إلى حديث (ثامر)، وإدراكه الحقائق واحدة تلو الأخرى أثقل كاهله، صدم بل صعق لقسوة أبيه، أجل كان يري عنفه مع أخيه، ولكنه لم يخيل له يوماً أن تصل به القسوة إلى حد أن يمنعه من الزواج مِن مَن احب، بل ويتزوجها هو! كيف يحرق قلبه بهذه الطريقة أنه إبنه!، إذا الخائن ليس (براء) بل (بهاء) الخائن المتجبر.

فسأل و قد تشنج جسده، فمعرفة الحقيقة أشد آلما من شكوكه:

" يعنى (توليب) متعرفش اي حاجه عن الكلام ده ولا حب (براء) ليها اصلا!!؟"

رد (ثامر) حانقا على (بهاء):

" لا....، ولما قرر أنه يعترفلها ويتقدم ليها عمي رفض، رفض تام حتي انه هدده أنه ممكن يأذيها لو فكر أنه يتجوزها من غير موافقته"

هرش (علاء) رأسه بغضب هاتفا:

"ليييه؟؟! ايه اللى يخلي أب يعمل كده في ابنه؟ فهمني!"

وصاح بلهجة ناقمة:

" وازاي أهل (توليب) يوفقوا يجوزها لواحد اد ابوها؟! ويمكن اكبر كمان"

لم يكن (ثامر) راغباً في إلقاء الحقيقة كاملة بوجه (علاء) خوفاً عليه من تلك الصدمة المرسومة على وجهه، فاستمع إليه يقول هادراً:

" فهمني يا (ثامر) ؟ قبل ما اتجنن، ليه ابوها وابويه قسيو عليهم بالشكل ده؟!"

ثم صرخ وقد فاض به:

" اتكلم يا (ثامر) ارجوك انا عايز أفهم كل حاجه"

أطرق (ثامر) رأسه لا يريد أن يرى خذلانه على وجهه، وقال:

" لأن الحج لعبها صح واختار الوقت اللي عمرهم ما هيرفضوه فيه"

نظر الآخر إليه وقد أحس أن القادم ليس بهين، فسأل بصوت مهتز:

" تقصد ايه؟؟"

قص (ثامر) عليه حقيقة زواج أبيه، ويا لها من حقيقة مؤلمة، شتتت عقله وكان وقعها عليه تزاحم بالأفكار السوداء برأسه، افكار تدور حول مدي حقارة أبيه.

اتعثرت خطواته شاعراً بالشفقة على أخيه الأكبر، فاسنده (ثامر) و فجأة انتابه شعور خانق برغبة....فى البكاء.

------------------------------

جلست شاردة، ترتشف الماء بايدي مرتعشة وذهن مشغول، فهي على جلستها هذه منذ أن اوصلها (براء) إلى المنزل منذ ما يقارب الثلاث ساعات، تفكر في جميع الاتجاهات تفكر في وضع (بهاء) الصحي، وعلي قدر ما تكن له الكره، على قدر ما تتمني شفاؤه من أجل أبنائه، فلن يعد لهم أحد إذا مات، ومن جهة تفكر في ظنون (علاء) بهم ونظره الاستحقار التي رمقها بها، يا الله كم المتها تلك النظرة فهي تعد (علاء) أخا لها، كانت تدعي ربها أن يتمكن (ثامر) من إصلاح الوضع بينه وبين أخيه، ومن جهة مشاعرها التي وضحت وضوح الشمس ل (براء)  وعند تلك الخاطرة انتفض قلبها يضرب اضلعها بقسوة، يجب أن توئد المشاعر يجب تتعلم كيف تحكم عواطفها إتجاهه، يجب أن تتجنبه من الآن وصاعداً، وأن تتحشي النظر إلي عينيه المعذبة تلك، يجب ألا تتواجد في محيطه يجب أن تدعس على قلبها وتبتعد، فهو لن يكون لها يوماً.

اجفلت حين استمعت إلى صوت جرس الباب، فلم تحرك ساكناً تشعر بأن قوتها قد خارت بعد أن عزمت على الابتعاد علها تتمكن من النسيان ولكن إلحاح جرس الباب جعلها تتحرك رغماً عنها، تحبس دموعها بمقلتيها حتي حرقت عيناها:

" مساء الخير، ازيك يا (توليب)؟ عامله ايه؟"

قالتها (حياة) بعد أن فتحت لها الباب، بينما تسمرت ( توليب) تنظر إليها بأعين زائغة، لماذا الآن؟، ولما في هذا الوقت تحديداً؟ وهي تحتاج إلى حضن دافئ كحضن أمها ليوسيها، لما ظهرت تلك المرأة بهذه الحاله التي تحيطها بالحنان الآن وهي تحاول كتم بكاءها، ولكنها لم تشعر بعينيها وقد خانتاها وسال الدمع منها.

أقتربت (حياة) تحيط وجه (توليب) بكفيها الدافئتين وهي تقول بلهجة تقطر حنانا:

" كله هيعدي يا حبيبتي، مفيش حاجه تستاهل دموعك يا قلب (حياة)"

ولكن تلك الكلمات لم تساعدها على التوقف، بل جعلتها تذرف المزيد من الدموع من قلبها قبل أن تطلقها عيناها، وفجأة تحولت هذه الدموع إلى نشيج عال ومن ثم إلى انهيار تام، وهي تدفن رأسها بأحضان (حياة) تسمح لنفسها أخيراً الإنهيار.

ساندتها (حياة) إلى الداخل ولا  زالت تضمها إلى صدرها، تتمتم بكلمات دافئة لتهدئتها، حتى وصلت إلى الأريكة جلست أولاً ثم اجلستها ساحبه رأس (توليب) إلى صدرها تمسح على رأسها براتبه، جعلتها تشعر بالسكينة، واستمعت إليها تقول بلهجة دافئة:

" لو حاسه ان العياط هيريح قلبك عيطي ومتكتميش زعلك"

ومالت تطبع قبله على جبينها، وحين وقعت عيناها على آثار ضربها، اعتصرت الغصه قلبها وهي تقول:

" منه لله، كانت تتقطع أيده ولا يمدها عليكي يا حبيبتي"

رفعت الأخري رأسها تسأل بلهجة مندهشة:

" عرفتي ازاي؟؟"

مدت يدها تعيد رأس (توليب) إلى صدرها وهي تقول بحنو:

" (براء) قالى على اللى أبوه عمله"

وعادت تمسح على رأسها بتلك الرتابه التي أشعرتها بالنعاس مع الرغبة في الهروب من الواقع إلى أرض الأحلام التي لا مستحيل بها، قالت (حياة) بعاطفة جياشة:

" وهو كمان اللى قالى أجي النهاردة عشان متقعديش لوحدك"

كلمتها كانت لها تفعيل المخدر على روح (توليب) المعذبة، ايفكر بها وهو الذي يمر بوقت عصيب من جهة أبيه وعلمه بغيبوبته ومن جهة (علاء)، ايخشي عليها من وحدتها الليلة تحديداً، لدرجة أن يرسل لها خالته لتكون بجانبها تهون عليها آلامها، ظلت تفكر وتفكر و (حياة) تتمتم بكلماتها الدافئة حتي ثقل جفناها وراحت في نوم عميق بين ذراعيها الدافئة.

-----------------------------

جلس في سيارته يشعر بتخبط أفكاره، فما عرفه اليوم كان صادما له، لا يعلم لما أحس أنه يريد أن يتحدث إليها في هذا الوقت، فأخرج هاتفه طالبا إياها دون أن ينتبه للوقت الذي تعدي منتصف الليل، فجاءه صوتها الناعس الرقيق يقول بتعجب:

"( علاء) بيه!!!"

نظر إلى ساعته حين شعر أنه أيقظها، قائلاً:

" اسف، صحيتك من النوم"

اعتدلت (نوران) من نومتها جالسه، وهي تقول ولا زال التعجب يتخلل صوتها:

" لا انا لسه منمتش ....هو....فى حاجه؟ انت محتاج حاجه يعني؟"

اغمض عينيه مستمتعاً بسماع صوتها ولا يعلم سبباً لذلك، فتنحنح يقول بعد صمت طال قليلاً:

" لا أبداً انا بس كنت بطمن على (مازن) زعل إن انا مرحتش معاه النهاردة"

شدد من اغماض عينيه، يشعر بالسخف لما قاله، يتذكر مكالمته السريعه لها وسط احداث اليوم، يخبرها أنه لن يتمكن من الذهاب مع (مازن) اليوم، واعتذر لها وأغلق دون إضافة المزيد، بينما نظرت هي إلى الساعة وهي تقول بتعجب:

" دلوقتي؟!..."

" ملقتش وقت قبل كده عشان أتصل"

قالت الأخري وهي تبعد شعرها عن جبينها، تشعر بالاحراج لما تفوهت به:

" (مازن) كويس الحمدلله مزعلش، لما عرف أن والدك تعبان في المستشفى"

صمتت قليلاً وعادت تقول:

" فى جديد في حاله (بهاء) بيه؟"

" للأسف لا، دخل فى غيبوبة كامله"

لا يعرف بعد ذلك كيف تطرف الحوار بينهم، يخرج من موضوع ليدخل في آخر، وطال الحديث بينهما وهو أعجبه ذلك حتي أنه لم يرغب في إنهاء تلك المكالمة التي كان وقعها في نفسه الراحة مما يؤلمه.

بينما هى تعجبت من حالها وكيف طال الحديث بينهما هكذا دون حرج او ملل، بل كانت ترغب فى اطاله المكالمه، فكانت تشعر به مضطرب يحتاج إلى التحدث، ويلا للعجب راق لها لجوؤه للحديث معها، بل أسعدها... أسعدها جدا.

-----------------------------

أنهي مكالمته على مضض، وبعد أن شرد قليلاً، عزم أمره وقرر الذهاب إلى أخيه ليعتذر منه عما بدر منه من كلام جارح، فهو لن يكون عليه هو الآخر ويسبب له المزيد من الأوجاع.

اقترب من غرفه (براء) يرتب ما سيقوله، وطرق الباب وهو منحني الرأس، بينما فتح الأخر وعلى شفتيه ابتسامه غامضة دون أن يتحدث، فاسترق (علاء) نظره سريعه إليه مدعياً الخوف، وهو يقول كأنه طفل أذنب:

" السماح يا كبير، انا غلطت في حقك"

جذبه (براء) من رأسه ليضمه إليه، قائلاً وقد اتسعت ابتسامته:

" حقك انت عليا يا شبر ونص، اوعدك عمري ما مد ايدي عليك تانى"

قال (علاء) مازحاً برغم الدموع التي ملأت مقلتيه:

"يا كبير انت تعمل اللى انت عايزه"

وقال بلهجة مسرحيه وهو يضرب على رأسه من الخلف:

" ده احنا خدمينك يا باشا"

ضحك (براء) عالياً وقد اطمأن قلبه لعودة أخيه إلى طبيعته المرحة، واستمع إليه يقول بلهجة جادة هذه المرة:

" انا اسف يا (براء)، لو كنت جرحتك بكلامي بس صدقني ده.....غلطك انت"

أبتعد الآخر يسأله بعينيه، فرد (علاء) وهو يحاول أن يغلف شفقته على أخيه بالمرح:

" انت اللى باعدني عن أي حاجة تخصك، عمرك ما فكرت تتكلم معايا عن مشاعرك أو عن.....الحج"

أدار (براء) وجهه جانباً قائلاً بإنهاك:

" صدقني مكنتش عايز نظرتك لبابا تتغير، مكنتش عايزك تعرف أد إيه هو جبار وقاسي القلب"

حين رأي الألم بادياً علي وجه أخيه، فحاول أن يغير مجري الحديث بمرح مزيف:

" يعني اعتبرني زي اخوك مفيهاش حاجه يعنى يا كبير"

ألتفت (براء) إليه ضاحكاً قائلاً:

" حاضر، هبقي اعتبرك اخويا"

أطال (علاء) النظر بعين أخيه حتي عادت الدموع تملأ عينيه، فاقترب يضم أخاه إليه فى عناق أخوي، مواسياً له دون كلام، فلا يجد ما يقوله  ليواسيه سوي عناقه.

 

-------------------

قراءه ممتعه للجميع 🥰 🥰

القصه لسه في أولها ولسه في مفاجات كتير 😉 🫣 🫣 🫣

يلا مستنية رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰

وطبعاً الكومنتات والفوت 🥹

أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة