الفصل الخامس والعشرين

الفصل الخامس والعشرين

15 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

----

ظننتكِ حب الصغر

ولكن بقربك أدركت انه عشقاً وانكِ القدر

عشق.. مجنون.. خطر

فعشقى لكى وردتى تعدى كل البشر

وكيف لا اهيم بكى عشقاً وانت القلب.. والروح.. والبصر

قلبى الذى يذوب فيكى عشقا تعلم الصبر

ولكن عشقك فاض بقلبي حتى تفجر

الآن قلبى يئن وجعاً حتى تحجر

فكيف سيحيا بعيدا عنكِ والجرح به ينخر

فلا حياة لى فى بعدك وردتى فالعمر بيها سيندثر

وانا الذى أرغب سوى فى الذوبان فى عشقك حتى التبخر

-----------------------

وقف يتأملها بنظرة ذكورية دون أن تنتبه إليه، ففى خلال الأيام الماضية أقترب منها كثيراً حتى أنه أعتاد على محادثتها يومياً فى شتى الأمور، ولكنه لا يعلم لما يشعر مؤخراً بتغيرها معه، وكانها بدأت تتأفف من ذاك التقرب بينهما، وذلك ما جعله يشعر بالغيظ منها، ومنه هو ليس وحيداً حتى يفرق معه اكتساب صداقتها، ولكنه يشعر بالراحة بل يحب الحديث معها.

راقبها وهى تميل لالتقاط شيئا من على الأرض، فقال همساً وهو يدلف إلى المكتب:

" يا صباح النواعم"

اما هى فهبت واقفة حين شعرت بدخوله، دون أن تنتبه فإرتطمت رأسها بحافة المكتب مما سبب لها الدوار، دني منها فى خطوة سريعه، يدعم خصرها بذراعيه القويتين يحتويه قائلاً بصوته الرخيم:

" مش تخلى بالك"

رفعت (نوران) يدها إلى رأسها تتألم، ولم تستوعب بعد الوضع، أما هو فكان فى عالم آخر حيث استشعرت كل ذره به قربها منه، لما تسارعت نبضاتى؟ بهذا الجنون ولم يشعر بنفسه الا وهو يقربها إليه حتى كاد ان يلصقها به، وهو يقول بصوت متحشرج:

" أنتى كويسة؟"

أومأت برأسها وقد استيقظت حواسها لقربها منه، وعطره الرجولى يدغدغ أنفها، فرفعت عينيها التى إلتقت بنظرة عينيه المشتعلة التى اربكت دواخلها، وفجأة أدركت أنها بين احضانه و ذراعة تستقر على خصرها، و للمرة الثانية، رأى (علاء) تبدل ملامحها من الوداعة إلى الشراسة، وهى تنفض ذراعه بعيداً عنها بعنف، وتقول وصدرها يعلو ويهبط:

" شكرا انا كويسة"

ارتسمت ابتسامة على جانب فمه ثم مال برأسه صوبها وهو يقول بلهجة متسلية:

" خلى بالك، انت ساعات كده بتتحولى، وأنا بدأت اخاف الصراحة"

اشتعلت وجنتاها هذه المرة غيظا منه وهى تقول:

"ليه شايفنى زومبى؟!"

ضحك (علاء )ضحكته الرجولية الرائعة التى زادت من تسارع انفاسها، وهو يقول متحركا صوب مكتبه:

" لا... شرسة"

رفعت (نوران) حاجبها قائلة بنبرة متغاظة:

" أنا... انا شرسة!!؟"

اومأ (علاء) برأسه وهو لا زال يضحك، وقال قبل أن يغلق الباب:

"و..اوى كمان"

وقفت هى للحظات تحدق فى الباب بغيظ سرعان ما تحول إلى تنهيدة حارة، ولا تزال ضحكته ترن فى أذنيها، فحركت يديها أمام وجهها علها تهدئ حرارته وهى تقول هامسة:

" يا خرابى على دى ضحكة دى تدوخ اكتر من الخبطة"

ثم قالت محدثة نفسها بلهجة تشجيعية:

" أحلى قرار اخدتيه يا (نوران) انك وقفتي الصداقة دى عند حدها، عشان انتى مينفعش تقربي اكتر من كده لان قربه ده طلع خطر اوى عليكى وعلى قلبك"

---------------------------

تجول بعينيه على مبني المشفى من بعيد، يرتب خطواته بعد أن أتصل بشركة (الجارحي) وسأل عن (بهاء) وعرف منهم أنه لا يزال في المشفي، فابتسم ابتسامه متسلية وهو يقول محدثاً نفسه:

" ده كده احلوت أوي يا (مسلم)"

ومسح على رأسه من الخلف قائلاً:

" (سيد) وخلصنا منه و(براء) كده كده بره اللعبة، أما (بهاء) فبغيبوته دي هيسهل عليا حاجات كتير"

ونظر إلى بوابة المشفي وهو يقول:

" كده مش فاضل غير أن (توليب) تعرف حقيقة (بهاء)"

ثم ضحك ضحكه قاسية قائلاً:

" وهنا يجي دور (مسلم) الجدع، اللى مرضيش أن بنت قريته تعيش مع المجرم (بهاء) اللى حرقلهم المزرعه"

وصمت قليلاً وعاد ليقول:

" بس لازم أختار الوقت اللي هتكلم فيه معاها، وطبعا لازم تكون بعيدة عن حامي الحمي عشان ما يدمرش مخططاتي"

ثم قهقة عالياً وهو يقول:

" دماغك دي يا واد يا (مسلم) تتلف في حرير والله"

----------------------

"فينك يا ست (سالى) لا حس ولا خبر"

قالتها صديقه (سالى) المقربة (شاهي) عبر الهاتف، فردت (سالى) متاففة:

" موجودة يا قلبي بس انشغلت الفترة اللى فاتت فى الشركة جامد عشان حوار الشراكة مع شركة (الجارحي) ما انتى عارفه"

ضحكت الأخري ضحكة رقيعة وهي تقول:

" وايه مفيش جديد مع ابن (الجارحي)؟"

التمعت عينا (سالى) قائلة:

" هيكون يا (شاهي) متستعجليش، واحدة واحدة"

وضحكت في غرور قائلة:

" وكده كده محدش يعصي على (سالى شنب) يا قلبى"

بادلتها الأخري الضحك قائلة:

" يعني هنسمع خبر خطوبتك قريب؟"

فقالت (سالى) بثقة فاقت كل الحدود:

" مش هتعدي السنه إلا وأنا على ذمته، وبكرة أفكرك"

----------------------

أقترب من أبيه الذي وقف محدقاً في الحقول على مرمي بصره، تملأ عينيه الحسرة وخيبة الأمل، فسأله (يامن) رغم معرفته بالإجابة:

" ايه الاخبار يا حج؟؟"

أومأ (داوود) دون أن يجيب، فقال (يامن) وهو يتابع حركة العاملين بالمزرعة:

" البيعة متمتش بردو؟"

ألتفت الآخر إليه قائلاً بلهجة يائسة:

" للأسف كله عايز ياخدها برخص التراب"

مسح (يامن) على وجهه قائلاً بجزع:

" كله بينتهز الفرصة "

سحب الآخر نفساً عميقاً قائلاً:

" إن شاء الله مش هنأيأس، ربنا عالم بحالنا وهيسهل أمورنا"

اهتز الهاتف في جيب (يامن) فأخرجه وبيده الأخري يربت علي كتف أبيه قائلاً:

" إن شاء الله يا حج، بس قول يا رب"

ردد (داوود) يارب هامساً، وهو يسمع إلى (يامن) يقول وقد تبدلت ملامحه المواسية وحلَّ مكانها الذعر:

" دكتور!!.....ليه؟؟....حصلها ايه يا أمي؟!"

سأل الآخر وقد انتابه القلق:

" فى ايه يا ابني؟ دكتور لمين؟"

أشار لوالده وهو يقول بقلق بالغ:

" خلاص يا أمي أنا جاي دلوقتى"

ثم قال وهو يتحرك بخطوات سريعة:

" (بيان) يا حج، تعبت و اغمي عليها وهي عند اهلها وطلبوا لها الدكتور"

فتحرك (داوود) بدوره قائلاً:

" استني يا حبيبي انا جاي معاك عشان اطمن عليها، مش هقدر استني على أعصابي"

قطع الطريق إليها ركضاً، يكاد قلبه يتوقف من شدة خوفه عليها، وهناك استقبلته (بدور) قائلة، وهي تحاول أن تطفئ قلقه عليها:

" متخافش يا حبيبي هي كويسه، اطمن"

بينما قال (داوود) من خلفه وهو ينهت:

"اومال اغمي عليها ليه؟؟"

تابع (يامن) الحديث بصدر يعلو ويهبط، عاجزاً عن التحدث، فمسحت (وجدان) على ظهره قائلة بحنو:

" أدخل لمراتك يا ابني اطمن عليها، الدكتور خلاص مشي قبل ما تيجي"

وكأن كلمات أمه أعطت لعقله أمر بتحريك قدميه فهرول سريعاً صوب غرفة (بيان)، في حين قال (داوود) وهو يرفع يديه إلى جانبية بلهجة متشككة:

" هو إيه الحوار بالظبط طمنوني؟؟"

أستمع الجميع إلى صوت(فاروق) من الداخل يقول ضاحكاً:

" تعالى يا نسيبي العزيز، تعالى أشرب معايا القهوة، وانا هطمنك"

اطمأن (داوود) حين أستمع إلى نبره (فاروق) المرحه، واستمع إليه يقول:

" ما تنسيش الحلو يا (وجدان)"

أما عند (يامن) فتجلي قلقه في عينيه وهو يقترب منها، وهي ترقد على فراشها، يرها مرتبكة فأسرع الخطي إليها وجلس أمامها على حافة الفراش، يمسح على شعرها بحنان قائلاً بخوف:

" مالك يا حياة القلب؟؟؟...."

حاولت (بيان) التحدث أكثر من مرة، ولكنها من فرط السعادة لم تخرج الكلمات من فمها، فتأمل وجهها بقلق يشعر بإرتباكها، فدنى منها مقبلاً أيها بين عينيها قائلا بلهجة دافئة:

"طمنينى ياحبيبتي الدكتور قال ايه؟ وايه سبب الإغماء؟"

كانت تشعر بسعادة عارمة لا تعرف كيف تصوغ الكلمات، فرفعت عينيها إليه، تحتضن وجهه القريب بكفيها قائلة:

" اطمن يا حبيبي كل الحكايه أن.....انى ...."

قرب شفتيه من كفيها التي لا زالت تحتضن صدغه، طابعاً قبله على باطن يديها يحثها على الحديث قائلاً:

" أنك ايه يا حياة القلب"

ابتسمت (بيان) وهي تقول، وكاد قلبها يقفز بداخلها من السعادة، وتتحسس وجهه فى عشق:

" كلها كام شهر والزهور تنور البيت"

لم يستوعب مقصدها، فسأل ببلاهه:

" زهور ايه؟؟"

اتسعت ابتسامتها، ثم أمسكت بكفه ووضعته على بطنها تقول:

" يعني بعد سبع شهور هيشرفنا زهرة جديدة"

نظر إلى كفه على بطنها ولا زالت البلاهة ترسم على ملامحه، فضحكت (بيان) وهي تراه لم يستوعب بعد، قائلة:

" مش انت قلت انك عايز تسمي أولادنا على أسماء الزهور زي اسم (توليب)"

اتسعت عينيه فجأة وقد ضرب الإدراك عقله، فهمس وقد جحظت عيناه:

" حامل؟!"

اومات برأسها، فهب واقفاً يمرر يديه في شعره قائلاً بقلب يرفرف داخل صدره:

" قولى والله!؟؟؟"

ضحكت (بيان) عالياً وهي تقول:

" والله"

فضحك بفخر ذكوري، ومال عليها وجاذباً أياها من خصرها يضمها بقوة كادت تسحق عظامها، وهو يصرخ بسعادة قائلاً:

"أنا مش مصدق نفسى ولا اوصفلك فرحتى ازاى، أنا هبقى أب، يعنى فى حتة منى جواكى دلوقتى هتكبر يوم بعد يوم؟"

ابعدها عنه برفق، ثم مال عليها يحملها، وأستقام واقفاً بها فوق الفراش، يدور بها وهو يهتف مهللاً :

" (بيان) حامل يا بشر، أنا هكون أب"

فأطلقت هى صرخة صغيرة من المفاجأة، وضحكت عالياً، تلف ذراعيها حول عنقه قائلة:

"بتعمل ايه يا مجنون!!"

تجول بعينيه على صفحة وجهها العاشق له قليلاً، وانجرفت نظراته إلى شفتيها، فأطبق عليهما بقبلة طويلة يخبرها بما عجز لسانه النطق به، ولم يبتعد الا عندما طلبت رئتاهما الهواء، فطبع قبلة صغيرة على رقبتها، وهو لا يزال يحملها وبعدها، صرخ رافعاً رأسه إلى الأعلى وهو يقول:

"يا منجي من المهالك يارب ❤️"

------------------

قفزت من على الأريكة صارخة، وهي تقول شاعرة بالنشاط يغزو جسدها من فرط السعادة، تلصق سماعة الهاتف بأذنها:

" قولى والله ؟"

ضحكت (بيان) وقالت عبر الهاتف:

" يا ربي، نفس رد فعل اخوكي...والله حامل"

التمعت عيناها بتأثر تقول:

" يعني هبقي عمتو قريب"

فقالت الأخري بلهجة مداعبة:

" اه يا ستي، هتفتح زهور جديده تتقاسم معاكي حب (يامن)"

مطت (توليب) شفتيها بتذمر طفولى:

" ايه ده.....لا لو كده انا مش موافقة، خلاص رجعيهم تانى لو سمحتي"

قهقت الأخري تقول مدعية الغيظ:

" ودي اعملها ازاي أن شاء الله ؟!"

فقالت (توليب) بفرحة صادقة:

"بجد يا (بيان) ده أحلي خبر سمعته من فترة طويلة، يارب يا حبيبتي يتم حملك على خير ويفرح قلبك انتى و (يامن)"

وضحكت تقول:

" وتملوا البيت زهور يا ستي والبيت يبقي ربيع طول السنه"

ضحكت (بيان) بدورها تأمن على حديثها، وبعد قليل من الصمت، قالت الاخيره:

" مش ناويه تقوليلى ايه اللى مغيرك بالشكل ده؟ وايه سبب رفضك لل...."

قطعت (توليب) حديثها تتهرب من الرد على تلك الأسئلة التي تكررت كثيراً في الأيام الماضية:

" (بيان) حبيبتي، تقريباً في حد بيخبط، معلش مضطرة اقفل"

قالت (بيان) سريعاً:

" استني ده (يامن) كان عايز يكلمك"

ولكن الأخري قالت وهي تنهي الحديث لتغلق الهاتف:

" معلش مرة تانية، هروح اشوف مين

.....سلام"

وأغلقت بسرعة قبل أن تعترض (بيان) فلم تعد قادرة على الكذب من جهة، ومن جهة أخرى لا تستطيع البوح بما يعتمر في قلبها، وآه من ذاك القلب اللعين الذي لم ينبض إلى من أجله هو فقط.

نظرت إلى الصور بيدها مبتسمة ثم مالت عليها تقبلها في سعادة، وقد عاد إليها الحماس، تسحب حقيبة يدها تهم بالمغادرة لتقوم بما قررت فعله فيجب أن تمتلك نسخة من تلك الصور، حتى إذا عادت في يوم من الأيام إلى قريتها، تكون لها ذكري منه تصبر بها قلبها على الفراق.

-----------------------

دلفت إلى المكتب تحمل القهوة الخاصة بيه، وقد عزمت أمرها ألا ترفع عينيها إليه، فقد باتت تلك العينان تربكها وبشدة، بل وجوده بجانبها بات يربكها بدرجة كرهتها هي من نفسها.

التقت عينيها بنظره عينيه العميقة لها، مما جعل الصينية تهتز بيدها، فاسبلت جفينها سريعاً تضع القهوة على سطح المكتب، وهي تقول:

"اي أوامر تاني (علاء) بيه؟"

هرش (علاء) بارنبه أنفه، يكتم شعوراً بداخله يحثه على مناكفتها، لا يعلم لما يعجبه ذلك، يحب أن يري تحول ملامحها وتحرر الملامح الشرسة من الملامح البريئة تلك، فنظر إلى القهوة قليلاً، ولم يتمكن من كتم شعوره كثيراً، فقال بابتسامة باردة:

" القهوة دي ايه؟"

نظرت إلى طرف حذائها الذي يطرق علي الأرض قائلة وهي تحاول كظم غيظها:

"سادة يا (علاء) بيه، زي كل يوم"

ضيق عينيه وهو يتفحص الفنجان، قائلاً بلهجة متشككة:

" لا، مش طعم البن اللي بشربه كل يوم"

رفعت مقلتين مغتاظتين وهي تقول:

" يعني انت كنت دوقتها عشان تعرف!"

أمسك (علاء) الفنجان وقربه منها، قائلاً وهو يحاول أن يلملم ابتسامته:

" دوقيها انتي وقولي هي ولا لا؟"

أطبقت علي شفتيها وهي ترفع عينيها المشتعلة غيظاً تقول:

" والله يا (علاء) بيه مليش في القهوة، وبعدين أنا معرفش طعم قهوتك ايه عشان اعرف هي ولا لا"

ولكنه لم يتراجع، بل قرب منها الفنجان أكثر، يشير إليها بعينيه لتتذوقها، فأخذت منه الفنجان بتأفف، ترتشف منه على مضض، اقشعر بدنها حين شعرت بمرارة القهوة في حلقها، وظهرت تلك القشعريرة واضحة ل(علاء) فضحك عالياً وهو يأخذ الفنجان من يدها قائلاً:

" بعد الرياكش ده، تبقي هي أكيد القهوة بتاعة كل يوم"

شعرت (نوران) بالغيظ بداخلها يشتعل لا تعلم أهو من غيظها منه أم لسماعها ضحكته الرائعة تلك، واستمعت إليه وهو يقول من بين ضحكاته:

" تقدري تتفضلي يا آنسه (نوران)"

أطالت النظر إليه تتأمل وجهه رغماً عنها، فهو حقا حضوره طاغي، هدأت ضحكاته رويداً رويداً حين أحس بها تتامله، فلاحت ابتسامه جذابه على جانب فمه يقول مداعباً:

" وشي في حاجه متغيرة ولا ايه؟"

أنتبه عقلها لما تفعله، فاشتعلت وجنتاها وعضت على شفتيها توبخ نفسها على شرودها ذاك، فتحركت صوب الباب، تخطو بخطوات حانقة تضرب الأرض بقدميها دون البث بكلمة أخري، بينما هو اتسعت ابتسامته ينظر إلى الفنجان بيده ويقول:

" حتي خطواتك شرسة"

ثم رفع الفنجان أمام عينيه يبحث عن أثر شفتيها عليه، وحين وجده ارتشف منه بتلذذ مرة تلو الأخرى وهو يقول:

" هي مال القهوة احلوت كده ليه"

--------------------------

وقفت على قارعة الطريق لا تعرف إلى أين تتجه، فبعد أن عزمت على الخروج قبل بضع ساعات، سارت متخبطة لا تعرف أي طريق تسلك، حتي وجدت نفسها أخيراً على طريق عمومي يمر فيه الكثير من السيارات، حينها أوقفت أحدي سيارات الأجرة وأخبرته أن يوصلها إلى أقرب معمل لاستخراج الصور، والآن تقف بحيرة بعد أن أتمت مهمتها، لا تعرف كيف ستعود الآن إلى المنزل، فهي خرجت بحماسة ولم تحسب حساب العودة، حتى الورقة التي كانت تحتفظ بها داخل حقيبتها تحتوي على أرقام الجميع، يبدو أنها اسقطتها وهي تخرج حافظة أموالها وهي تنقد سائق الأجرة، انتباها القلق وهي تدور بعينيها حولها، تقول محدثه نفسها:

" انا مبعدتش كتير عن البيت، يعني لو حاولت افتكر الطريق يمكن اعرف ارجع"

وضربت رأسها بتوبيخ قائلة:

" ازاي مفكرتيش في الرجوع، حتى كنت سالت (حياة) عن العنوان، يا ربي انا حتى معرفش اسم الشارع"

وصمتت قليلاً وعادت لتقول وهي تفكر:

" طب اركب تاكسي واروح على المستشفى؟"

ولكنها اتسعت عينيها يضرب الإدراك رأسها تقول:

" أنتي إزاي كده يا (توليب) حتى اسم المستشفى مش عارفاه"

وحين شعرت أنها على وشك أن يصيبها الذعر، قالت تحاول أن تهدأ روعها:

" أهدي يا (توليب) واستعيني بالله كده والدنيا هتبقي سهله"

وعادت تفكر أن تذهب إلى شركة (الجارحي) فهو المكان الوحيد الذي تعرف اسمه، ولكنها استبعدت تلك الفكرة تماما فبماذا ستخبرهم عن سبب خروجها من المنزل، فحينها سيعلم (براء) أنها لم تفي بوعدها له، وسيتاكد (علاء) من شكوكه اتجاههم، وستكون سبباً في شجارهم مرة أخرى.

زفرت (توليب) وهي تدفن رأسها بين كفيها، قائلة:

" يا ربي أعمل ايه دلوقتي؟ اتصرف ازاي بس؟"

------------------------

" انا قولت أجاي أسأل عليك، واطمن على أمور الشغل بنفسي"

قالتها (سالى) وهي تجلس أمام (براء) في مكتبه، بينما اصطنع الآخر الابتسامه وقد باتت رائحتها النفاذة تلك تسبب له ضيقا في صدره، فقال:

" من ناحية الشغل فالدنيا تمام الحمد لله، واعتقد أن كل المعلومات بتوصلك أول بأول"

أبعدت (سالى) شعرها عن جبينها بخيلاء وهي تبتسم برقة قائلة:

" ومن ناحية عدم سؤالك؟"

فتح (براء) أحد الملفات أمامه مدعياً التركيز بها وهو يقول:

" والله يا (سالى) الشغل مالى كل وقتي زي ما انتى شايفه، انا حتى مش بعرف اروح لبابا كل يوم بسبب ضغط الشغل وبعتمد على (علاء)"

انكمشت ملامحها بحزن واهي وهي تقول:

" ربنا يشفي اونكل ويقوم بالسلامه أن شاء الله"

طال الصمت بينهما قليلاً بعد أن أمن (براء) على حديثها، فتاففت (سالى) وهي تحاول لفت نظره إليها ليجاريها الحديث، فقالت بدلال مفرط:

" طب مش هتطلبلى حاجه اشربها ولا ايه؟"

ولكنه أيضاً لم يفعل بل استقام واقفاً يلملم بعض الملفات، وهو يقول دون أن يرفع عينيه إليها:

" اعذريني، أنا لازم اروح المصنع دلوقتى، عشان أتابع استلام الشحنه الجديدة"

هبت واقفه بدورها وهي تقول مسرعة:

" طب خلاص خدني معاك"

ورفعت كتفها بدلال قائلة:

" واهو تفرجني على المصنع بالمرة"

رفع (براء) عينيه إليها وقد اقشعر بدنه من دلالها المفرط ذاك، ولكنه أبتسم ابتسامه لم تصل إلى عينيه، وأشار إليها أن تتقدم، قائلاً:

" اتفضلي"

سارت أمامه ببطء، تستعرض رشاقه جسدها، وهي تضرب الأرض بحذائها العالى بثقة كانت له قمة الغرور، فأسرع هو في خطواته كي يتخطاها، وما كاد أن يتخطاها قليلاً حتى أطلقت صرخة ألم خافته، التفت (براء) باهتمام وهو يعود إليها حين رآها تمسك ساقها متالمة، قائلاً:

" ايه اللى حصلك؟"

تألمت (سالى) وهي تستند عليه بكفيها وهي تقول:

" رجلي اتلوت يا (براء)"

ساعدها على الاستقامة وهو يقول سائلاً:

" هتقدري تمشي عليها؟"

أغمضت عينيها وقالت بلهجة متألمة:

" مش عارفه"

حاولت التحرك ولكنها عادت تسند عليه قائلة بصوت مهزوز وكأنها علي وشك البكاء:

" مش قادره احركها يا (براء)، هي انكسرت ولا ايه؟"

رق قلب (براء) لها حين أستمع إلى نبرتها الباكية، فمال عليها ليحملها وهو يقول بلهجة مطمئنة:

" متقلقيش هي اكيد كدمة مكان ما اتلوت، مش اكتر"

ابتسمت (سالى) بمكر وهي تسند رأسها إلى كتفه مدعية البكاء، وقالت محدثه نفسها معجبة بدهائها:

" ما هو ادام ما بتجيش بالطرق التقليدية اجيبك انا بطريقتي"

لحظة واختفت سريعاً الابتسامه الماكرة وحل مكانها ملامح متألمة باكيه وهي تقول:

" يا رب يا (براء)"

وقبل أن يصل بها إلى الأريكة، اقتحم (علاء) المكتب عليهما، يظن أن أخاه بمفرده، وهو يقول بلهجة قلقه:

"(توليب)........"

تجمد المشهد لثوانى، (براء) يحمل (سالى) و(علاء) محدقاً بهم فاغر الفاه، وأول من اذاب هذا التجمد هو (براء) الذي انخلع قلبه في تلك الثواني عليها، حين استشعر القلق بنبرة أخيه، فترك (سالى) بعنف حتي كادت أن تسقط أرضاً، مقتربا من أخيه يسأل بلهجة مذعورة:

"مالها (توليب) انطق؟؟"

وعلي ما يبدو أن (علاء) لم يتخطي دهشته بعد مما رأي فقال:

" اجيلك في وقت تانى ولا ايه يا كبير؟!"

ثم غمز وهو يقول همسا وقد نسي ما جاء من أجله:

" من غيري ...مكنش العشم يا كبير والله"

بينما (سالى) التي شعرت بالدوار حقا أثر تركه لها بهذه السرعة، وقفت تعدل من هندامها تهم بالخروج، ولكنها اجفلت حين أستمعت إلى صياح (براء) يقول:

" انت في إيه ولا ايه... مالها (توليب) حصلها حاجه؟؟"

نظر (علاء) إلى أخيه وكاد عاد إليه قلقه، فقال بلهجة جادة:

" (حياة) كلمتها اكتر من مرة عشان يروحوا المستشفى ومفيش رد، حتي لما عدت عليها فى البيت مفيش حد فتح برضه"

شحب وجه (براء) وكل ما ورد في تفكيره في هذه اللحظة هو أنها عادت إلى قريتها كما أخبرها، أحقا عادت تركته وذهبت؟، فقال بصوت متحشرج:

" رجعت القرية؟!!"

أشفق الآخر على أخيه ولعن تسرعه في أخباره، ولكنه ايضاً شعر بالقلق عليها، خاصة بعد أن أتصل بالمشفي ونفوا مجيئها، فقال في محاولة تهدئتة ولم ينتبه لتلك التي مازالت في المكتب تتابع ما يحدث بتعجب:

" معتقدش يا (براء) أكيد كانت عرفتنا"

رفع (براء) عينيه إلى أخيه وكأنه يتشبث بالأمل، قائلاً وهو يتحرك في عجله:

" مستحيل (توليب) تمشي"

ثم خرج مهرولاً وضرب بأى تعقل عرض الحائط، حتى انه قد نسى وجود (سالى) ولم يلتفت إلى مناداة (علاء) له.

------------------

اللّهُـمَّ عالِـمَ الغَـيْبِ وَالشّـهادَةِ فاطِـرَ السّماواتِ وَالأرْضِ رَبَّ كـلِّ شَـيءٍ وَمَليـكَه ، أَشْهَـدُ أَنْ لا إِلـهَ إِلاّ أَنْت ، أَعـوذُ بِكَ مِن شَـرِّ نَفْسـي وَمِن شَـرِّ الشَّيْـطانِ وَشِـرْكِه ، وَأَنْ أَقْتَـرِفَ عَلـى نَفْسـي سوءاً أَوْ أَجُـرَّهُ إِلـى مُسْـلِم.

(( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ))

قراءه ممتعه للجميع 🥰

أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة