الفصل السادس والثلاثون

الفصل السادس والثلاثون

17 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

    -------

ماذا أقول عن الفقدان؟!

فهو شعور مؤلم يصيب للانسان…

يبدأ بالشوق وينتهى بالحرمان…

ماذا أقول عن الفقدان؟!

وانا بدونك كرواية بلا عنوان…

كأنى ظل بلا كيان…

تائهة بلا أوطان…

ماذا أقول عن الفقدان؟!

وانت لروحى سكن وامان…

دامك الله لى حبيبا لروحى ورفيق تلك الايام…

فأنت لى هبة من الرحمن…

------

((فى صباح اليوم التالي))

دخل (ثامر) المكان الذي أخبره عنه صديقه، ليجد (براء) جالساً على أحد المقاعد شارد الذهن، يحدق في الفراغ وعيناه تنضح بالغضب مختلفاً تماماً عن آخر مرة تحدثا فيها، الانزعاج كان جلياً على ملامحه.

تقدم (ثامر) ببطء ثم جلس أمامه، وسأله بقلق:

" (براء)… مالك؟! إيه اللى حصل بدلك بالشكل ده؟!"

ثم أقترب بمقعده منه وهو يضيف بنبرة مستفسرة:

" قعدت تقولى مفاجأة مفاجأة…أجي ألاقيك بالشكل ده"

رفع (براء) عينيه السوداوين، نظراته تحمل عاصفة مكبوتة، ثم أشار إلى الباب خلفه قائلاً، وقد انتفخت أوداجه غضباً:

" المفاجأة الأولي مستنياك جوه"

قطب (ثامر) حاجبيه بامتعاض:

" هو كمان فيه مفاجأة تانية؟!"

ثم صاح بنفاد صبر:

" ما تنطق يا (براء)، فى ايه؟!…انت هتنقطني بالكلام؟!"

زفر (براء) بقوة ومسح وجهه بكفيه، قبل أن يجيب بصوت متهجم:

" (سالى)…(سالى) لعبتها بقذارة"

اتسعت عينا (ثامر) في ذهول:

" (سالى)!؟…عملت ايه؟"

وبينما كان (براء) يروي له تفاصيل ما حدث بالأمس، بدأت ملامح (ثامر) تتبدل بين الصدمة والغضب، وعندما سمع ما فعلته (سالي)، شهق باندهاش:

"دي وسعت منها أوي …عشان إيه كل ده؟! وبعدين عرفوا بعض إزاي؟!"

ثم أضاف وقد تشنج جسده:

" وأنت ناوي تعمل إيه؟!"

نهض (براء) ببطء، وصوته جاء قاتماً، حاداً، بينما تحولت عيناه إلى بركان يكاد ينفجر:

" مش عارف حاجه… بس هفض الشراكة، للأسف ده كل اللى أقدر أعمله، ولو فكرت تطالب بالشرط الجزائي… يبقي آخر كارت فى أيدي الرسايل اللى بينها وبين الحقير اللى جوه ده"

ثم أضاف بصوت مختنق بالغضب المكبوت:

" ولو كان ينفع أحبسهم بالرسايل دي كنت عملتها"

ساد صمت ثقيل بينهما، لكنه لم يكن مجرد لحظه هدوء، بل كان إعلاناً لحرب قادمة لن تنتهي دون خسائر.

                  -----------------

كان (علاء) غارقاً فى العمل، بالكاد يلتقط أنفاسه وسط أكوام الأوراق والملفات، حين رن هاتفه معلناً عن اتصال وارد من (براء)، تنهد وهو يلتقط الهاتف، ثم رد بسخرية مرحة:

" أخيراً افتكرتني يا كبير… عجبتك القعدة جنب وردتك؟!"

وادعي البكاء مازحاً:

" وسايب أخوك حبيبك غرقان لوحده هنا… مش عارف يحب في نعومته ولا يكلمها كلمتين على بعض"

لكن الرد لم يكن كما توقعه، جاءه صوت أخيه حاداً وجاداً متجاهلاً مزاحة تماماً:

" ركز معايا يا (علاء)… عايزك ترتب أوراق فض الشراكة مع شركة (عبد الهادي شنب) وتراجع التفاصيل مع المحامي فوراً"

قطب (علاء) حاجيبة بدهشة، فالأمر لم يكن بسيطاً أبداً، وسرعان ما تسلل القلق إلى نبرته وهو يسأل:

" إيه اللى حصل يا (براء)؟! وإيه دخل اللى بتتكلم فيه بوجودك فى القرية؟! وبعدين الشراكة دى فرصة كويسه لشركتنا، إنت اللي كنت بتقول إنها هتنقلنا لمستوى تاني"

ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يضيف:

" وبعدين اللى بتقوله ده مستحيل، إحنا مش هنقدر ندفع الشرط الجزائي، ده فى افلاسنا"

لكن (براء) رد بثقة أدهشته، بينما صوته يحمل نبرة غامضة توحي بأنه يملك ورقة رابحة:

" من الناحيه دي اطمن… مش هندفع حاجة"

شعر (علاء) بتوتر متزايد، فأعاد تعديل جلسته وسأله بجدية:

" ازاي يعني؟!"

لم يجبه (براء) مباشرة، وإنما تبادل نظرة سريعة مع (ثامر)، قبل أن يضيف بهدوء زاد من غموض الموقف:

" زي ما قلتلك… مش هندفع حاجه، اعمل اللى بقولك عليه"

نفد صبر (علاء)، فرفع صوته بانفعال وهو يربت على المكتب بكفيه:

" إنت بتتكلم بالألغاز  ليه يا (براء)؟! ما تفهمني الحوار علي إيه؟!"

تحركت يد (علاء) لا إراديا إلى شعره بعصبية، لكن صدمته الحقيقية جاءت حين أخبره (براء) بالحقيقة أصابه الذهول، فلم يتخيل أبداً أن تلك الجميلة تكون بتلك الحقارة وهو يتمتم بصدمة:

" مش قادر أصدق إنها تعمل كده… ليه كل ده؟!"

لكن قبل أن يكمل حديثه، دوي صوت ضجة مفاجئة من اتجاه المخزن، التفت (ثامر) نحو الصوت، حاجباه معقودان بقلق، قبل أن يقول بحدة:

" هو بيحاول يهرب ولا إيه؟!"

أظلمت عينا (براء) وهو ينهي المكالمة بصوت قاطع:

" هكلمك بعدين"

ثم تحرك بخطوات سريعة، والغضب يشتعل فى عينيه، بينما لحق به (ثامر) وهو يسمعه يزمجر بصوت خفيض محمل بالتهديد:

" ده في أحلامه"

ما إن اقتحما المخزن حتي وجدا الفوضى تعم المكان، أصوات غاضبة وأجساد تتحرك بعنف، و (مسلم) وسط المشهد، يحاول الإفلات من قبضة الرجلين الذين يتولون أمر تصويره، وعيناه تلتمعان بتصميم مجنون وهو يسعي للوصول إلى آلة التصوير لتحطمها.

لكن (براء) لم يمنحه الفرصة في لحظة خاطفة، جذبه من تلابيبه بقوة، وسدد له لكمة قاسية في فكه، أعقبها بأخرى أسفل ضلوعه، فشهق (مسلم) متألماً وكاد ينهار، لكن (براء) لم يتوقف وجه إليه ضربات متتالية حتى كادت أنفاسه تنقطع، قبل أن يزمجر بصوت متحشرج بالغضب:

"فاكر إنك هتهرب أو تكسر الكاميرا بالساهل؟! انسى… إنت خلاص في إيدي يا (مسلم)، فاهم يعني إيه؟!"

دفعه بقوة ليسقط أرضاً، ثم وقف يرمقه بكره وهو يلهث، قبل أن يقول بصوت خطير، محمل بالتهديد الخالص:

" واهدى كده …عشان أنا لو عليا نفسي أخلص منك… بس مش هنولهالك، مش هوسخ إيدي بواحد زيك"

ثم ركل جسده بعنف عدة مرات متتالية، وعيناه تقدحان شرراً، قبل أن يضيف ببطء، كمن يلقي حكماً نهائياً:

" أنا ممكن أسامح فى أى حاجة… إلا (توليب)"

في تلك اللحظة، اقترب (ثامر) منه بسرعة، محاولاً إبعاده عن الرجل الذي يتلوى ألماً على الأرض، لكن (مسلم) لم يكن قد استسلم بعد كان جسده ينبض بالغضب والإهانة، ودمه يغلي بغريزة الانتقام، زمجر بين أسنانه وهو يحدق حوله بجنون، يبحث عن خلاصه، حتى لمحت عيناه شيئاً لامعاً وسط الفوضى...سلاح!

كان قد سقط من أحد الرجال أثناء العراك، التمعت أنفاسه واشتدت قبضته وهو يتسلل بخفة، مستغلاً انشغال الجميع بلملمة آلة التصوير، لم يتردد لحظة... التقطه بسرعة، ثم استدار بحركة مباغتة ورفعه مباشرة نحو (براء)!

دوي طلق ناري اخترق أركان المكان، فتردد صداه كزلزال عنيف، أعقبه صمت قاتل... إلا من صوت تغريد العصافير المذعورة التي طارت مفزوعة من أسطح المباني المجاورة.

للحظات لم يدرك (براء) ما حدث وأن الطلقة قد … إصابته، حرارة مفاجئة اجتاحت جسده، تلاها ألم حارق امتد عبر ضلوعه، انحدرت نظراته إلى جانبه، حيث بدأت بقعة داكنة تتسع شيئاً فشيئاً، حاول أن يتحرك، أن يستعيد توازنه... لكن ساقيه خانتاه، وتراجع مترنحاً قبل أن ينهار أرضاً.

" (برراااااااااء)"

صرخة خرجت من حنجرة (ثامر) بلوعة وذعر، وهو يندفع إليه، يرفع جسده المرتخي بحذر، ارتجفت يداه وهو يحاول إيقاف النزيف، لكن الدماء استمرت بالتدفق، تلون قميص صديقه بلون قاتم، كانت عيناه تلمعان بالدموع، وصوته خرج مهزوزاً، مخنوقاً بهلع:

" (براء)… حاول ما تغمضش عنيك، أرجوك… (براء) … اوعي تسبني يا صاحبي… انا ماليش غيرك…"

ثم رفع رأسه يصرخ في رجاله بجنون:

" حد يتصل بالاسعاف، بسرررعه"

أما (براء)، فقد كان جسده يبرد تدريجياً، والدماء تسربت ببطء، كافحت عيناه للبقاء مفتوحتين، وابتسم ابتسامة واهنة قبل أن يهمس بصوت متقطع، محمل بالألم:

" هوصيك… يا صاحبي على (علاء) و (حياة)…وقول ل (توليب) … إني بحبها"

فى حين كان(مسلم) وسط الصراخ والفوضى التي اجتاحت المكان، يفكر بشيء واحد فقط... الهروب! كان قلبه يدق بجنون، وعرقه يتصبب بغزارة، لم يعد يرى شيئاً سوى باب المخزن المفتوح على مصراعيه، لم يعد يهمه الدماء التي لطخت الأرض، ولا الجسد الذي سقط بسببه، ولا حتى آلة التصوير التي كانت سبب كل هذه الكارثة، دفع كل شيء من طريقه وهو يندفع راكضاً يلهث بجنون، تعثر أكثر من مرة لكنه لم يتوقف... كل ما كان يريده هو أن يختفي قبل أن ينتبه له أحد!

             -------------------

فى تلك اللحظة، كانت(بيان) تهرع نحو (يامن)، ألقت بنفسها بين ذراعيه، دون تفكير وكأنها كانت تفتقد الأمان، طوال الليل لم يغمض لها جفن، فقد كان القلق ينهش قلبها بلا رحمة، والآن وهو أمامها لا تريد سوى أن تستمد من وجوده الطمأنينة، ضمها (يامن) إليه بحنان، يمرر يده على ظهرها، فى محاولة طمأنتها، ثم قال بمزاح خفيف، محاولاً كسر أجواء القلق:

" بتجري كده ومش خايفة على (زهير)"

رفعت وجهها إليه، وعيناها مليئتان بالعتاب وهتفت بصوت مهزوز:

" ليه تخوفني عليك بالشكل ده؟! أنا كنت هموت من القلق عليك"

تأملها (يامن) بعشق، كانت نظراته تنطق بحبه، قبل أن يهمس قرب شفتيها:

" بعيد الشر عنك يا حياة القلب"

حاولت (بيان) التحدث أكثر من مرة، لكن الكلمات خانتها، شعرت فقط بفيض من المشاعر يسيطر عليها، مشاعر لم تستطع وصفها بالكلمات، اقترب منها أكثر وهمس عند أذنها بصوت خافت، لكنه محمل بالدلال:

" ما تيجي نروح البيت وتحكيلي هناك كنتي خايفة عليا قد إيه"

ابتسمت (بيان) رغم كل التوتر الذي كان يعتريها وضربته على كتفه برقة، هامسة بدلال انثوى:

" بعينك… بعد الرعب اللي عيشتني فيه أنا و(توليب) امبارح"

لكن بمجرد أن نطقت باسم (توليب) حتى سمعا صوت خطوات مسرعة تهبط الدرج، ثم ظهرت (توليب) بوجه يفيض بالقلق، ركضت نحوهما وصوتها يحمل رجفة توتر وهي تسأل بلهفة:

" ( براء) فين؟!... هو كويس؟!... مش بيرد عليا تاني ليه؟!"

ارتفع حاجب (يامن) بغيرة واضحة وهو يرمق (توليب) بنظرات متجهمة، قبل أن يقول بنبرة تحمل مزيجاً من الضيق والسخرية المرحة:

" خلاص كل اللي يهمك دلوقتي (براء) وبس"

ثم نظر إلى (بيان) وكأنه يحثها على موافقته الرأى، لكنها اكتفت بالنظر إليه بضحكة مكتومة، فقد أدركت فوراً أنه غاضب… ويغار بشدة، لاحت ابتسامة صغيرة على شفتي (توليب)، لكنها لم تفوت الفرصة لمداعبته والتمادي في إغاظته، فرفعت حاجبها بمكر قائلة:

" ما  أنت كويس قدامي أهو، وعمال تحب في مراتك"

رفع (يامن) كفه أمام وجهها كأنه يخمس، بينما يلملم ابتسامته قبل أن يغمغم بنبرة متصنعة:

" الله أكبر…"

ثم احتوى خصر (بيان) يشدها إليه بحركة متملكة، قبل أن يضيف بنبرة جادة لكنه يخفي مزاحا واضحاً:

" يلا بينا يا حياة القلب من هنا، أحسن في ناس حقودة عنيها وحشة"

ما إن أنهى كلماته حتى انفجرت الفتيات بالضحك وشاركهن اياها، لكنه ظل يخمس أمام وجهه كأنه يطرد الحسد قائلاً بنبرة درامية:

" يا منجي من المهالك يا رب"

ضحكت (بيان) بقوة وقالت ممازحة:

" أول مرة تكون الدعوة في محلها"

أما (توليب) فقد عقدت ذراعيها، تحاول كتم ضحكتها، لكنها لم تستطع منع نفسها من الرد بحنق طفولي:

" أنا مهالك يا (بيان)؟!"

ثم أضافت وهي بتظاهر بالاستياء:

" طب والله ما هناديكي بعد كده إلا بأم (زهير)"

تعالت ضحكات (يامن)، بينما شهقت (بيان) بدهشة، ثم قالت متخصرة وعيناها تضيقان بخطورة مصطنعة:

" إنتي بتهددينى؟!"

ضحكت (توليب) وهزت رأسها بمكر، بينما ظل ( يامن) يراقب المشهد بضحكة مستمتعة، وهو يفكر في أن حياته بين هاتين المجنونتين لم تكن يوما مملة،

كان (يامن) يتأملهما بعينين تلمعان بالسعادة، قلبه يغمره الفرح وهو يرى (بيان) و(توليب) تتبادلان المزاح والضحكات الرنانة، لحظة عائلية نادرة دافئة لم يكن ليبادلها بأي شيء في العالم... يفكر كم كان محظوظا بوجودهما في حياته.

لكن وسط هذا الجو الدافئ، اخترق رنين هاتفه اللحظة، أخرج الهاتف من جيب سترته وقبل أن يرد عقد حاجبيه عندما وجد رقماً غير مسجل ضغط على زر الرد، وما إن قرب الهاتف من أذنه حتى جاءه صوت (ثامر) من الجهة الأخرى يحمل نبرة ذعر بالغة:

" (يامن)… أنا (ثامر)… صاحب (براء)"

شعر (يامن) بأن القلق اخترق كيانه دفعة واحدة تراجع خطوتين بعيداً عن الفتيات دون أن يشعر، لتستقر نظراتهن عليه بريبة، فقد لاحظن تغير ملامحه المفاجئ، حاول السيطرة على اضطراب قلبه فابتلع ريقه وقال بقلق:

" أهلا (ثامر) هو ف.. "

لكنه لم يكمل جملته، لأن (ثامر )قطعها بصوت مختنق بالبكاء:

" أنت لازم تجيب (توليب) على مستشفى **** حالاً"

شعر (يامن) بانقباض في صدره وكأن الهواء من حوله قد تقلص فجأة، رفع بصره إلى (توليب) التي بدأت تعقد حاجبيها باستغراب وقلق، قبل أن تأتيه الجملة التي أسقطت قلبه أرضا:

" ( براء) اتصاب بطلق نارى من (مسلم) قبل ما يهرب… وهو دلوقتي داخل العمليات"

تجمد (يامن) مكانه وعيناه معلقتان بوجه ( توليب)… التي لم تكن تعرف بعد أن عالمها على وشك الانهيار.

                    ---------------

كانت تشعر أن روحها تنتزع من جسدها مع كل خطوة تخطوها داخل المستشفى، قدماها بالكاد تحملانها، وجسدها كله يرتجف من شدة الخوف، حتى كادت تتعثر أكثر من مرة، لولا أن (يامن) كان بجانبها يسندها كلما أوشكت على السقوط، قلبها يخفق بعنف وكأن كل نبضة تصرخ بإسمه...لا..لا يمكن أن تفقده… هي لا تملك القوة لتحمل ذلك.

وضعت يدها على قلبها المرتجف، تحاول أن تلتقط أنفاسها، لكنها خرجت متقطعة، وهمست بصوت بالكاد يسمع:

" ( براء)… مش هيموت… مش ممكن يضيع مني"

اقتربت من باب غرفة العمليات عيناها تبحثان عن أي أمل، فلم تجد سوى (ثامر) واقفاً أمامها، شاحب الوجه تملأ عينيه نظرات القلق والخوف، توقفت مكانها تنتظر منه أي كلمة تطمئنها، لكن ما إن التقت عيناهما حتى نطق بصوت مرتجف:

" لسه جوه فى العمليات"

انكمش قلبها وشعرت أن العالم ينهار من حولها، الهواء لم يعد يكفيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة، وفجأة… انهارت باكية لم تشعر بنفسها وهي تسقط، ولم تنتبه إلا حين وجدت (يامن) يحتضنها بقوة، وكأنه يحاول ان يثبتها على الأرض التى تهتز تحت قدميها، همس بجوار أذنها، صوته مبحوح حنون:

" ادعيله يا (توليب)… هو محتاج دعواتنا دلوقتي"

أغلقت عينيها، وشهقت بعنف دموعها انسابت بلا توقف ولم تعد تملك سوى الدعاء…

مرت ساعة أخري ثقيله، وكأنها دهر، ما أصعب أن تمر الثواني ببطء، ونحن لا نملك سوي الدعاء لبقاء الاحبه.

رفعت (توليب) نظرات زائغة إلى (يامن)، الذي كان يدلك يدها الباردة، محاولاً أن يبث بعض الدفء في أوصالها المرتجفة، بصوت متحشرج خرجت كلماتها متقطعة، وكأنها تحاول جمع أنفاسها وسط الألم الذي مزقها:

"قلبي بيوجعني يا (يامن)… مش عارفه هعيش إزاي لو حصله حاجه"

نظر إليها (يامن) بعينين يملؤهما القلق، ومسح على رأسها بحنان وقلبه يعتصره الألم من أجلها، ومن أجل ذاك الذي يصارع فى الداخل، وهتف بثبات، رغم الخوف الذي يعصف به:

" إن شاء الله هيخرج بالسلامه… بس انتي خليكي قوية"

ثم التفت إلى (ثامر)الذي بدا واجماً، وكأنه يطلب منه العون في مواساتها، أقترب (ثامر) منهم، وقال بصوت حاول جاهداً أن يخرجه دافئاً:

" أهدي يا (توليب)… (براء) هيزعل لو عرف بالى بتعملي في نفسك كده"

وأردف (يامن) مشجعاً:

" (توليب) اللى اعرفها عمرها ما استسلمت، دايما قويه وبتقف قدام الصعب"

لكنها انفجرت في البكاء، وقالت بصوت ممزق:

"(توليب) ضعيفة من غير (براء)…لو حصله حاجه أنا… انا هضيع"

غطت وجهها يكفيها وأخذت تهتز من شدة البكاء، بينما تبادل (يامن) و (ثامر) نظرات صامته، تحمل فى طياتها العجز والألم.

وفجأة…أنتبه الجميع لصوت فتح باب غرفة العمليات، تسمروا في أماكنهم لثوان قبل أن يندفع (يامن) و (ثامر) نحو الباب بخطوات قلقة، أما (توليب) فكافحت لتجمع شتات نفسها، وتحاول الوقوف رغم ارتجاف قدميها، وما إن وقعت عيناها عليه ممدداً على الفراش المتحرك، شاحب الوجه… حتي هرولت إليه وقلبها يكاد يتوقف من الخوف، نادت باسمه بصوت ممزق كأنه خرج من أعماق روحها:

" (براء)… برائي"

لكن لا جواب… كان غائباً عن الوعي، غارقاً فى عالمه، بينما عجلات الفراش تدفعه سريعاً نحو غرفة الإفاقة، تبعته عيناها وبداخلها نار تحترق من أجله وكلمات تدور في خلدها مراراً:

((وحيدة بدونك أنا يا برائي

فأنت ملجأى وآماني

وكيف لي وأنت بعيد أن أحيا أيامي

أنت الحياة وأنت النور في الظلامِ

فبلا وجودك كيف لي أن أعيش بسلامِ؟))

ركض الجميع خلفه، وصاح (ثامر) بغضب، بينما عينيه تتنقلان في أرجاء المكان بقلق:

" حد يطمنا …محدش بيرد علينا ليه؟!"

توقفت إحدي الممرضات عند باب غرفه الإفاقة، والتفتت إليهم بصوت هادئ لكنه حازم:

" الدكتور جاي حالا،  وهيشرحلكم حالته بظبط… بس أقدر اقولكم إن العملية نجحت الحمدلله"

كانت كلماتها كقطرة ماء في صحراء من القلق، لكنها لم تكن كافية لإخماد النار المشتعلة في قلب (توليب)، ظلت عيناها معلقتين بالباب المغلق…

تتمني أن يفتح، أن يطل عليها منه، أن يطمئنها بصوته، أن يقول:((اطمني يا وردتي… انا جنبك))

                ------------------

لم يعرف كيف قاد السيارة، ولا كيف مر على خالته ليصطحبها معه، كل ما يتذكره هو صدي صرختها الذي ما زال يتردد في أذنيه حتي الآن.

نفض (علاء) رأسه وهو يوزع نظراته بين الطريق وبين خالته الغارقة في البكاء بجواره وقلبه يعتصره الألم، حدث نفسه بوجع، وكأن روحه تئن داخله:

هل سيعيش هذا الوجع مرة أخرى؟ أو ربما للمرة الثالثة…لكن هذه المرة ستكون القاضية… لو فقد أخاه… لو خسر سنده الوحيد في هذه الحياة، فماذا سيتبقي له؟ كيف سيكمل دون (براء)؟

سحب نفساً مرتجفاً، وشعر بوخزة في صدره وامتلات عيناه بالدموع، لكنه جاهد ليكتمها، حاول أن يتماسك رغم الانهيار الذي ينهش روحه، ثم بصوت متوسل قال لخالته محاولاً تهدئتها:

" (حياة)…أرجوكي تماسكي أكتر من كده"

لكنها لم تجبه، ولم يبدو عليها حتى أنها سمعته كانت غارقة في حزنها، فى دعواتها الصامته.

زفر (علاء) بوجع وصرخ داخلياً بقلب منكسر وعينين تائهتين على الطريق:

" يارب…يارب قومه  بالسلامه… أنا ماليش غيره يارب"

فى الجهة الآخري، خرج الطبيب من الغرفة بملامح مطمئنة ونظر إليهم قائلاً بنبرة هادئة:

"الحمدلله… العملية نجحت، وطلعنا  الرصاصة، المريض حالته مستقرة، قدرنا نسيطر على النزيف، بس هيبقي تحت الملاحظه خلال الساعات الجاية"

كانت كلماته كنسمة هواء باردة وسط لهب القلق، أطلقت (توليب) نفساً متقطعاً، ثم التفتت إلى (يامن)، وقالت بفرحة عارمة:

" (براء)… هيعيش يا (يامن) الحمدلله… يارب"

قال الطبيب وهو يتابع (يامن) الذي ضم شقيقته إلي صدره:

" انتي (توليب)؟!"

التفتت إليه وهي لا تزال في أحضان أخيها، وهزت رأسها بريبة، أضاف الطبيب بابتسامة خفيفة:

" ماكنش بينطق غير باسمك… حتي بعد ما اتبنج"

لكن على عكس ما توقع، لم تبتسم… بل انفجرت بالبكاء مجدداً، ودفنت وجهها في صدر أخيها، بينما قال الطبيب وهو يهم بالانصراف:

" ممكن تشوفوا… بس بهدوء، وأن شاء الله لما يفوق من البنج هنطمن اكتر"

أما (ثامر) فأنهار ساجداً على الأرض فور مغادرة الطبيب، وكأن قدميه لم تعد قادرتين على حمله بعد أن ظل واقفاً قبل لحظات معقود اللسان مستنزفاً كل طاقته، غير قادر حتى على التفكير أو الاستيعاب، وأخيراً… ترك العنان لدموعه تنهمر بلا قيد وهو يهمس بحمد لله شاكراً نجاة صديقه.

و

عندما دخلوا… لم يتحرك أحد، كأن الجميع يحتاج للحظة يستوعب الخبر، يستوعب المعجزة التي كادوا يفقدون الأمل فيها، لكن قبل أن يخطو أي منهم نحو (براء)، انفتح الباب، فجأة واندفعت منه (حياة) تلهث، وكأنها فقدت روحها، وخلفها (علاء) بوجه شاحب وعينين غارقتين في الذعر.

انتبه الجميع واتجهت انظارهم إليهم، بينما هى صرخت بصوت موجوع مزق السكون حولهم:

" ابني… عملوا فيك إيه يا حبيبي؟"

أمسكت كفه البارد المرتخي على الفراش، وهمست بارتجاف:

" ليه يؤذوك يا (براء)؟!… ليه؟!"

ثم رفعت عينيها الدامعة إلى (ثامر) وسألت بحشرجة:

" ايه اللى حصل يا(ثامر)؟! فهمنى؟!"

لكن قبل أن ينطق (ثامر)، كانت (توليب) قد ركضت نحوها وألقت بنفسها بين ذراعيها هامسه بجزع:

" (حياة)"

ثم انفجرت في بكاء يائس..وعانقتا بعضهما بشدة، وكأنهما تستمدان القوة من هذا الاحتضان الموجوع.

أما علاء فوقف بجانب (ثامر) وقد انعقد لسانه يحاول أن يبقى صامداً يحاول أن يكون قوياً لكنه كان يعلم… أن قلبه يكاد ينفطر مثلهم تماما.

وسط الدموع والصمت الحزين… اخترق آذانهم صوت خافت، ضعيف، لكنه كالسهم الذي أصاب قلوبهم جميعاً:

" بلاش عياط يا وردتي… دموعك بتقتلني قولتلك"

                         ----------

اللهم أنا نسألك في يوم الجمعه الأولى من شهر شـــــــــوال

أن تمسح عنا أوجاعنا وتنور أيامنا اللهم إسقنا

فرحآ وأرزقنا من كل مداخل الخير اللهم حقق

أمانينا في رضاك وفرج... هم كل مهموم فينا

يارب العالمين اللهم اشفي كل مريض يتألم

اللهم اشرح.. صدورنا ويسر أمورنا اللهم اجعلها جمعه طيبه مباركه علينا وعليكم يارب

اللّهم اجعلنا ممن عفوت عنهم ورضيت عنهم و غفرت لهم ، و حرّمت عليهم النار وكتبت لهم الجنّة..📿🤲

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة