روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم
أسماء صالح
من أكون انا...؟!
أنا الماضي أم الحاضر..... ام مستقبل بلا عنوان
أنا الذى يتألم من فراق الاحباب
وما الحياة بدونهم ....ومن اكون ؟!
بت لا اعرف نفسي ولا لروحى وجود
صار كل شىء بداخلي يحترق كالاخدود
قلبي يصرخ ألماً...وعقلي يجن من الواقع منشود
----------------
((بعد مرور يومين))
علي حافة مكتبه وقف مستندًا إليه يتابعها وهي تضع قهوته على سطح المكتب دون أن تلتفت إليه، متجاهلة إياه كما هو الحال منذ أخر مكالمة بينهما، ولكنه ضاق ذرعاً من ذلك التجاهل، ففي خلال اليومين الماضيين اشتاق إليها كثيراً وإلى التحدث معها، أشتاق إلى سماع صوتها الذي ينسيه تلك الهموم التي ثقلت علي كاهله، بل حتى أنه أشتاق إلى مشاكستها ، فبات حقاً عشقاً لرؤيه شراسة ملامحها حين تغضب.
ناداها قبل أن تخرج من المكتب، فتوقفت متسارعة الأنفس دون أن تلتفت إليه، بينما اعتدل هو في وقفته، وقال بتذمر طفولي:
" لحد امتى هتفضلي تتجاهليني بالشكل ده ؟"
سحبت (نوران) نفساً عميقاً لتنظيم أنفاسها قبل أن تقول بلهجة حاولت إخراجها حادة:
" مفيش تجاهل ولا حاجه يا (علاء) بيه، ده الشكل الطبيعي لعلاقة بين أي موظفه ومديرها"
ساقته قدماه إليها مستمتعاً بسماع صوتها حتى لو كان بتلك الحدة، وقال وهو يقف خلفها مباشرة:
" بس علاقتي بيكي مش زي اي علاقه مدير وموظفة"
استدارت نحو غاضبة، لكنها فقدت توازنها للحظة حين وجدته خلفها مباشره، مد يده
و أمسك بمرفقها ليمنع سقوطها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامه صغيرة، مهلكة لقلبها الذي خفق بجنون داخل صدرها، فكم اشتاقت لتلك البسمة، شعرت بأنها أطالت التحديق به، فقطع هو الصمت بمرح، مدعي الخوف:
" أرجوكي متتحوليش دلوقتى، أنا محتاج اتكلم معاكي"
ارتفع حاجبها باستهجان، وهي لم تدرك بعد أنه لا يزال ممسكاً بها:
" متحولش!!؟.....ثم كلام ايه اللي محتاج تتكلمه معايا؟!....لو هتعيد الأسئل...."
رفع سبابته ووضعها برفق على شفتيها ليسكتها، ينظر إلى داخل عينيها التي اتسعت لفعلته تلك، واشتعلت وجنتاها بحمرة قانتيه، عندما شعرت بيده الأخري تنزلق من مرفقها إلى كفها يحتضنه بحنان، وهمس بصوت متحشرج:
" وحشتيني"
تعانقت نظراتهما للحظات، لا تصدق ما استمعت إليه، ولكن حين انخفضت نظراته إلى شفتيها وهو ينزع سبابته عنها ببطء اشتعل النار بجسد كلا منهما، دق جرس الإنذار فى عقلها، فتراجعت للخلف بسرعه، قائلة بإستنكار وهي تنفض يدها لا يعجبها ما حدث، وكم باتت ضعيفة أمام وطأت مشاعرها:
" أنا مستحيل اقعد يوم كمان في الشركة دي"
تبدلت ملامح (علاء) إلى الذعر بعد ما سمعه منها، قائلاً وقد جف حلقه:
" ما تسيبينيش يا (نوران) انا محتاجلك"
ولكنها استدارت تتحرك بسرعة صوب الباب دون أن ترد، هاربه من مشاعرها، قبل أن يكون منه، ولكنه نطق ما سمرها مكانها وخطف أنفاسها بل وسبب فى توقف قلبها للحظة، نطق بما ادهشه هو شخصياً وسبب فى صخب خفقات قلبه التي تضرب داخل صدره كاقرع الطبول:
" (نوران) ....أنا بحبك"
-------------------
اتجهت صوب ستائر النافذة تفحتها وتفتح النافذة أيضا لتسمح للضوء بدخول، بعد ان دلفت إلى الغرفة ووجدتها كئيبة معتمة لا يصل إليها ولو بصيص ضوء، و إقتربت من تلك المستلقية على فراشها وصوت اغنيتها المفضلة يصدح بالمكان:
(( ياللى حياتى بتحلم بيك
وبشوف كل الكون بعينيك
أنت العمر الحلو اللى زمان كان متأجل))
تأففت (بيان) تقول بتفكه علها تخرجها من حالة الاكتئاب التى حاوطتها منذ عودتها، وبعد أن نجحت أخيراً فى سحب الوسادة التى غطت (توليب) بها وجهها:
" أنتى ايه يا بنتى، مش بتزهقي من الأغنية دى؟ ليل نهار مش بتسمعي غيرها"
نظرت (توليب) إليها بشرود تنسط إلى اغنيتها.
((ليه عايزين يخده من قلبى
ليه يلمونى الناس على حبى))
وهنا وعلى عكس ما أرادت (بيان)، انفجرت ( توليب) فى البكاء تقول بهمس:
" طول عمرى بحب الأغنية دى أول مرة احسها كده"
انفطر قلب (بيان) على صديقة عمرها، شعرت بالعجز أمام حزنها الذي لا تستطيع تخفيفه عنها باى شكل من الأشكال، ترقرقت الدموع بعينيها من تأثرها بصديقتها ومن جهة هرمونات حملها التى جعلتها أكثر تأثرا اتجاه كل شئ، وقالت برقة:
" طب انتى بتعيطي ليه دلوقتى؟"
وحاولت إغلاق تلك الأغنية وهى تقول:
" وليه بتسمعيها أدام بتنكد عليكى يا قلبى ؟"
اوقفتها (توليب) وهى تنهض من رقدتها جالسة تقول وهى تمسح دموعها:
" أنا خلاص بقت كويسة"
أطالت (بيان) النظر إليها بقلق، ثم قالت بحزن:
" ايه اللى غيرك كده بس؟ وليه مش عايزة تتكلمى معايا أو حتى مع (يامن)؟ صدقينى هترتاحى كتير لو اتكلمتى"
أومأت (توليب) برأسها بصمت وعلى وجهها خيط من الدموع غير قادرة على منعه، مسحت لها (بيان) دموعها بلطف قائلة بلهجة مشجعة:
" قومى انزلى اتغدى معانا أو انزلى الحقول زى ما كنتي متعودة، غيرى جو بدل جو الكآبة اللى انت عايشة فيه ده"
اطرقت الأخرى برأسها تقول بصوت باهت فاقد للحياة:
" مش النهاردة يا (بيان)"
تنهدت (بيان):
" بقالك يومين بتقولي مش النهاردة"
لكن( توليب) استلقت مجددًا، تدير ظهرها لصديقتها، وعادت لعزلتها قائلة برجاء:
" سيبينى يا (بيان )ارجوكى، انا عايزة انام"
تأملتها (بيان) مطولا بعد أن وضعت الوسادة مرة أخرى تغطى رأسها، تشفق عليها، لكنها لم تجد بيدها حيلة لذا تركتها وغادرت الغرفة كما تريد بينما عادت الأخرى لا فكرها تعيد تحليل الأحداث برأسها للمرة التى تجهل عددها فى خلال اليومين الماضيين.
-----------------
" حبيبة بابى مضايقة ليه؟"
قالها (عبد الهادى) وهو يراها تجوب البهو بخطوات عصبية، إلتفتت (سالى) إليه تقول بنبرة حاولت اخراجها عادية:
" ابدا يا بابى شوية مشاكل فى الشركة"
ثم إقتربت منه تقول وقد تبدلت نبرتها إلى الدلال:
" بابى هو مش المفروض نعمل لاونكل (بهاء) زيارة تانية فى المستشفى؟"
لمعت عينا (عبد الهادى) وهو يتذكر جمال (توليب) وصفاء بشرتها الاخاذ:
" ومالو يا حبيبة بابى نعمله زيارة تانية "
ثم قرص خدها يقول بمداعبة:
" اى حاجة عشان سوسو ترضى"
طبعت (سالى) قبلة على وجنته، وقالت قبل تذهب إلى غرفتها:
" ميرسي اوى يا بابى"
فى غرفتها جلست (سالى) فى مقعدها المفضل تنفث دخان سيجارتها وهى تهز ساقها بغل تحدث نفسها قائلة:
" البت (شاهى) معها حق ولا ايه!؟"
واخذت نفسا عميقا من السيجارة الفاخرة التى بين اصبعيها، وتابعت:
" ده اتبدل حالة من يوم ما مشيت اللى ما تتسمى"
وفجأة تملكها الغضب، فركلت الطاولة التى أمامها تقول وقد وصلت إلى حافة غضبها وهى تتذكر ماحدث اليوم بشركة الجارحى:
" بقى انا يتعامل معايا بالشكل ده"
ومر أمام عينيها مقابلته الباردة لها، اجل هو كان بارد فيما سبق ولكن زاد برود، بل و تجاهله بعد رحيل تلك (التوليب) واشتغلت نار الغضب بجسدها وهى تتذكر كيف صاح بيها حين دعته لتناول الغداء معها فى الخارج موبخا اياه بقوله:
" انا مش فايق للشغل الفاضى بتاعك ده يا (سالى)، سيبينى فى اللى انا فيه"
سحقت (سالى) سيجارتها فى المطفأة الخاصة وهى تقول بحقد وغلٍ كبير:
" ده لو طلع حقيقي بيحبها يبقى وقع فى ملعبى يا ينفذ اللى عايزاه يا اما..... الفضيحة"
-------------------
فتح باب المكتب، ثم دخل وجلس أمام صديقه، وقال بلهجة مستنكرة:
" أنت هتفضل على الحال ده كتير؟!"
رفع الآخر إليه نظرات باهتة دون رد، فحاول (ثامر) مناكفته قائلاً بلهجة مدعية الخوف:
" خوفت أنا كده بقى!"
ولكن (براء) لم يٌبدِ أى رد فعل، وعاود النظر إلى الحاسوب الذى كان يعمل عليه، زفر الآخر بمرح وهو يقول متأففا:
" الصراحة بقيت كئيب كده ولا تطاق"
ثم قال فجأة وهو يفكر:
" طب ما تحاول تكلمها"
رفع (براء) إليه عينين ساخرتين مره أخرى وقال:
" على اساس انى محاولتش اكلمها اليومين اللى فاتوا"
ومسح على وجهه مطلقا نفساً محبطا، مرددا بصوت خفيض:
" قافله تليفونها... قافله تليفونها"
ثم علا صوته وهو يغلق الحاسوب بحركة عصبية:
" قافله التليفون، وأنا بموت هنا متكتف، مش عارف اعمل حا..."
قطع حديثه دخول (علاء) العاصف عليهم، وبدون اى مقدمات قال بصدر يعلو ويهبط:
" أنا رايح اخطب يا كبير"
تبادل الآخران النظرات فيما بينهما، أحدهما يحاول كتم ضحكته، والآخر متعجبا، وساد الصمت بينهما، بينما وقف (علاء) مترقبا رد فعل أخيه، ولكن من تحدث كان (ثامر )، الذى قال ببسمة شامتة:
" أنت وقعت ولا أيه يا شبر ونص؟"
تنهد (علاء) وهو يمسح على مؤخرة رأسه، قائلاً:
" أنا مش وقعت وبس، أنا اكتشفت انى غرقت ومن بدرى كمان وانا ولا دريان"
حدجه (براء) بنظرات مندهشة، رافعاً حاجبه، غير مصدق أن من يتحدث الآن عن الوقوع فى الحب هو أخوه (علاء)، الذى لم يكن مقتنعاً به يوما.
قال (علاء) ململمًا ابتسامته وهو يرى نظرات أخيه له:
" طب ايه يا كبير، مش هتقول حاجة؟!"
تنحنح الآخر قائلاً بسخريه مازحة:
" ودى تبقى مين بقى اللى امها داعية عليها.... قصدى داعيلها؟"
ضيق (علاء) عينيه وهو ينظر لأخيه بغيظ، بينما انفجر (ثامر)ضاحكا وهو يقول:
" والله يا (علاء) أخوك معاه حق، بقى (علاء) اللى يجذبه أى جنس ناعم بيحب، وعايز يخطب!"
قال (براء) وقد لاحت على شفتيه ابتسامة صغيرة مصححا:
" هو رايح يخطب خلاص "
طالعهم (علاء) متفحصا ثم تخصر وهو يقول بغيظ مرح:
" أنا شامم كده ريحة تريقة"
لوّح (ثامر) بيده نافياً وهو يكتم ضحكاته:
"ابدا ....ابدا"
بينما قال (براء) بمشاكسة:
" واحنا نقدر نتريق عليك برضو يا شبر ونص"
عدل (علاء) من سترت بدلته، وقال بخيلاء:
" حيث كده بقى، احب اقولك انى رايح اخطبها دلوقتى"
رأى (براء) أن أخيه جاد فيما يقول، فحينها نحّى المزاح جانبا، وقال بلهجة جادة:
" (علاء )انت بتتكلم جد؟؟"
رد الآخر بإبتسامة حالمة:
" جد الجد كمان"
التمعت عين (براء ) بالسعادة من أجل أخيه، وقال بعدما دنا منه وربت على كتفه:
" حبيبى انا معنديش أى مشكلة اننا نروح نخطبها، بس انت شايف ان ده وقت مناسب لحاجة زى كده؟"
وكأن (علاء) لم يكن منتبها لاختيار الوقت المناسب لخطبتها، بل تحرك دون تفكير بعدما فجر اعترافه لها، ورأى منها الذهول وعدم التصديق لما قاله، بل فرت من أمامه هاربة، ولم تمنعها كلماته من الرحيل، حينها عقد العزم على إلا يبيت ليلته إلا وهى له.
أطرق (علاء) رأسه قائلاً:
" الظاهر انى محسبتهاش"
شعر (براء) بانقباض في قلبه وهو يرى انطفاء سعادة أخيه، بينما قال (ثامر) مقترحاً:
" احنا ممكن نتقدم دلوقتى كربط كلام بس، وبعدها يحلها..... "
هتف (علاء) بفرحة وهو يرفع رأسه:
" الله على أفكارك يا ثمورة"
ردد (ثامر) اللفظ بغيظ :
" ما بلاش ثمورة دى، بدل ما احرمك من افكارى الجهنمية"
اقترب (علاء) منه بخطوة واسعة، قائلاً بلهفة مازحة:
" لا... ارجوك إلا أفكارك "
ثم قبل رأسه قائلاً:
" وادى دماغك اهى"
ضحك (براء) من قلبه لتبدل حاله أخيه، وقال من بين ضحكاته:
" ده انت حالتك متأخرة اوى "
قال (علاء) بمسكنة وهو يمسح على قلبه:
" اوى... اوى يا كبير"
اقترب (براء) منه واضعاً يده على كتفه بمحبة، قائلاً :
" على خير ان شاء الله... نروح نطلبهلك النهاردة بأذن الله"
--------------------
بعد مرور بعض الوقت، التقط هاتفه الذي كان يهتز فى جيب سترته، وذلك بعد مغادرة أخيه وصديقة، أجاب بصوت تغمره السعادة، رغم عتمة الاكتئاب التي ما زالت تحاوطه، كانت فرحته من أجل أخيه قد أضفت علي يومه بعض البهجة، رغم أنه لم يعرف بعد من هي التي أوقعت أخاه في شباكها، ولكنه شعر بالحماس:
" (حياة)، كويس انك اتصلتي، كنت لسه هكلمك في موضوع مهم جداً لازم تعرفيه"
تمالكت الأخري نفسها، وقالت بلهجة دافئة يغمرها الحزن:
" أنا كمان عايزاك في موضوع مهم يا حبيبي"
وقبل أن يتحدث، تابعت بصوت مهزوز باهت:
" والموضوع اللى عايزاك فيه مينفعش يتأجل"
شعر بالقلق وسألها:
" خير يا (حياة)؟، قلقتيني ....انتي كويسه؟؟"
" أنا كويسه يا حبيبي متقلقش...بس عايزاك تعدي عليا النهاردة ضروري "
لم يتحمل (براء) الانتظار حتى ينهي عمله، فهب واقفاً يهتف بلهجة قلقه:
" أنا جايلك حالا"
أغلقت (حياة) الهاتف وبيد مرتجفة باردة أخرجت محتويات الصندوق، ثم قالت بصوت مرتعش:
" أنا مش هقدر استني اكتر من كده، وانا شايفاه بيتعذب ادام عيني وساكته"
بعد القليل من الوقت، فتحت له الباب بوجه شاحب هربت منه الدماء، توجس خوفاً حين رآها، فسأل بقلق:
" مالك يا (حياة)؟ انتي تعبانه ولا ايه ؟....وشك اصفر كده ليه؟"
لم تجبه، بل سحبته إلى الداخل، وساقته حيث يوجد الصندوق، كان يسير معها طوعاً، لكنه لم يستطع كتم قلقه فسأل:
" طب فهميني فى ايه؟ انا بدأت اقلق"
اجلسته، ثم انحنت أمامه، تضم وجهه بين كفيها بحنو وخوف أيضاً، كانت حقاً تشعر بالخوف الشديد من أجله ومن وقع ذلك الخبر عليه، قالت بصوت يحمل مزيجًا من الحب والقلق:
" حبيبي أنت يا (براء) ... آه أنا اتحرمت من الخلفة، بس ربنا عوضني بيك انت و (علاء) ولولا غلاوتك في قلبي انا مكنتش أبداً خالفت وصية (ليالى)"
شعر أن القادم سيكون صعبا عليه، وإصابته رجفه لا يعرف سببها، فسحبها لتجلس بجانبه، يقول بأنفاس ثقيلة:
" أنا مش فاهم حاجه ؟!"
مدت يدها تاخذ محتويات الصندوق من فوق الطاولة الصغيرة بجانبها، ثم وضعتهم بين يديه، وقالت بملامح غير مقروءه:
" هتفهم كل حاجه من الورق اللى معاك ده"
وأشارت إلى كتاب صغير بين الأوراق، وقالت:
" كل حاجه كتبتها أمك هنا.... وكانت....."
وخنقتها العبره، ولكنها تابعت رغم انكسار صوتها:
" وحلفتني أن الحاجات دي تندفن ومتوصلش ليك أبداً، بس انا مقدرتش يا حبيبي اشوفك بتتعذب كده وافضل ساكته، واكيد (ليالى) لو مكاني وشافتك بالحالة دي كانت اتكلمت"
استقامت واقفة وقالت بمرارة:
" أنا جنبك هنا يا حبيبي حاول...تقوي قلبك"
ولكن ما حدث هو أنه قلبه ضعف وضعفت خفاقته، حتى شعر أنه على حافة الموت حين وقعت عيناه على أول ورقة بين الأوراق التي يحملها، ولم تكن سوي عقد زواج عرفي باسم أمه و ....وشخص آخر.
----------------
من أعلي الدرج أطلت عليهم بعد يومين عصيبين مرًا عليها، جعلاها تعيد التفكير في كل شيء حولها، وبالأخص حديث حبيب قلبها، كانت تتعجب من حالها، كيف أساءت الظن به بعد أن رأت تلك التسجيلات؟!، يا الله إنه يعرفها منذ أن كانت طفلة تبلغ من العمر عشر سنوات، ولكن ما أثار الغضب بداخلها، لما لم يحاول التقرب منها طوال تلك السنوات؟ أو لما تراجع عن مصارحتها رغم أنه أخبر (ثامر) بذلك، ولما أيضاً وافق على زواجها!، أجل هي تعلم أنها ظلمته حين اتهمته بحرق الحقول، لكنها لن تسامحه على موافقه أبيه على تدمير حياتها.
حاولت أن ترسم ابتسامه بسيطة على شفتيها وهي تهبط الدرج متجهة صوب أسرتها المتجمعة حول مائدة الطعام، كانت تتأملهم بشوق وحنين، لقد اشتاقت إلى رائحة طعام أمها، و اعداد القهوة لوالدها وقت العصاري، حتي أنها اشتاقت لمناوشات (يامن) ومشاكساته، واشتاقت إلى التجول بين الحقول كما اعتادت أن تفعل.
هلل (داوود) حين وقعت عينيه عليها وبمحبه وشوق قال وهو يفتح ذراعيه لها:
" وأخيراً ....هل التوليب"
أسرعت (توليب) إليه ترتمي في أحضانه، وهي تهتف وقد ترقرقت عينيها الدموع:
" وحشتني اوي يا بابا"
ضمها والدها بحنان، يخبرها مدي شوقه لها، متجنبا الحديث عن تلك الزيجة التي دمرتها بهذا الشكل، فى حين أقتربت (وجدان ) تجذبها إلى أحضانها، مطلقة زغرودة فرح بخروج ابنتها أخيراً من قوقعتها، فضحك الجميع وأولهم (توليب) على رد فعل أمها، بينما ضرب (يامن) كفاً بكف، يقول مازحاً رغم امتلاء عينيه بالدموع من أجل شقيقته:
" هتفضلي كده على طول يا ست الكل، كل اما تفرحي تزغردي"
بينما اردفت (بيان) ضاحكه بشجن:
" وأخيراً....رجعت الضحكه تملأ البيت من تاني"
---------------------
كان يجوب الغرفة كأسد جريح، يشعر وكأن سكيناً حادًا يمزق أحشاءه، ما هذا الذي رأته عيناه؟! إنه الجحيم بحد ذاته!،
ماذا يعني أن يكتشف بعد واحد وثلاثين عاماً أن....(بهاء) لم يكن والده!، بل .....كان مجرد زوج أمه، لقد حمل خطيئة لم تكن يوماً ملكاً له....
حاولت (حياة) أن تضمه، أن تحتويه بقلب يقطر ألما من أجله، ولكنه ابعدها عنه وهو يخلع سترته، ويلقي بها أرضاً، يشعر بضيق بصدره، وتعالت وتيره أنفاسه وهو يدرك الآن سبب معاملة (بهاء) القاسية له، بل وكرهه الذي لم يحاول يوماً اخفاءه، فهو ابداً لم ينتمي إليه، بل كان صوره مجسدة أمام عينيه لعدوه الذي سرق منه حبيبته، ثم تركها له تحمل برحمها قطعه منه.
صرخ (براء) بآهه شقت سكون المكان، وهو يمزق ازرار قميصه يشعر بالاختناق:
" يعني أنا ابن حرام؟!..... يعنى أمي كانت خاط...."
صرخت (حياة)، ترفع عقد الزواج أمام عينيه:
" والله كانت مراته وانا شهدت على الجواز"
ثم تابعت بصوت مهزوز:
" أمك كانت بتحبه بجنون لكن بابا رفض تماما فكرة جوازها من واحد شغال عنده وأقل منها.... وفى الوقت ده قدر (غالى) يقنعها بالجواز العرفي، وقال لها أن كده هيقدروا يحطو بابا ادام الأمر الواقع وهيضطر يوافق بعد كده ويعترف بجوزاهم، وكانت واخده قرار أنه مش هيقرب منها غير بعد ما يكتب عليها رسمي، بس.... هي ضعفت...ضعفت قصاد حبها الكبير.....و"
ثم انفجرت في البكاء تسترسل حديثها:
" متخيلتش ابداً أن (غالى) ممكن يتخلي عنها في يوم من الايام ويسيبها..."
مرر (براء) يده بعصبية بين خصلات شعره، بينما يدلك صدره باليد الأخري، يشعر وكأنه على وشك الإصابة بذبحه صدريه، سأل بصوت متهدج:
" وليه با..."
قطع كلمته بقهرا وعاد يقول شاعراً بغصة في حلقة أثر كتمه الدموع تلح عليه ليحررها:
" وازاي اتجوزها بعد كده؟ ....وليه قبل يسجلني على اسمه؟"
زفرت (حياة) أنفاسا ثقيله تحمل وجع الماضي، قائلة:
" بعد ما (غالى) اختفي اكتشفنا حمل (ليالى)، وبعدها مقدرناش نداراي أي حاجة عن بابا، بس للأسف بابا تعب جداً بعد ما عرف الحقيقة، ساعتها طالبها (بهاء) للجواز بحكم أنه ابن عمنا وأنه هيتحمل مسؤلية اللى حصل"
وابتسمت باستجهان قائلة:
" كبر (بهاء) في عنينا وقتها وقولنا راجل وأنه حبه ليها كبير وهيسامح....لكن بعد وفاة بابا ظهر الوش التاني (لبهاء) طمع في الورث وفى كل حاجه، وثار جداً لما عرف أن أغلب أملاك بابا ليا أنا و (ليالى) وهو ليه جزء بسيط من الشركة،... وبعد ولادتك صممت أمك تكتبك على اسم (غالى)....لكن بعد فترة (بهاء) غير الإسم عشان تبقي على اسمه وكل حاجه ترجع ليه في الأخر"
برقت عيناه بالألم، متذكرا معاملة (بهاء) القاسية لأمه فقال بصوت متقطع:
" بس انا عمري ....ما حسيت أنه بيحبها"
أومأت (حياة) برأسها تتألم من أجل شقيقتها ومن أجله، قائلة:
" لما مقدرش يخليها تحبه، اتغير للنقيض....وبعد ما بقي مسؤول عن مالها اتجبر وبقي واحد تانى تماماً كل اللى يهمه السهر والشرب وازاي يهد الشركة، كان فاكر انه كده بينتقم، لكن انتقامه الحقيقي لما كبرت كان بيك...وكل ما يحس أنها بتحبك وبتخاف عليك، زادت قسوته عليك، لانه في النهاية كان شايف (غالى) فيك"
تساقطت دموعه رغماً عنه وهو يقول بانكسار:
" طب انتي.... ليه محاولتيش تعرفيني قبل كده يا (حياة)؟"
مسحت (حياة ) دموعها و قالت بصوت مرتعش:
" كانت موصياني قبل ما تموت ولما حاولت اقولك بعد ما شوفت.... (توليب)..."
رفع إليها مقلتين مشوشتين، بينما هي ترددت قليلاً قبل أن تقول:
" لكن (بهاء) لما عرف إني ناويه اقولك هددني...بيك عشان كده سكت...عشان خايفه عليك يا حبيبي"
ارتمي (براء) على الأريكة، يمسك رأسه بكفيه يشعر بألم حاد يعصف برأسه، بينما الأسئلة تتصارع برأسه بقسوة، ثم قال بإدراك متأخر:
" عشان كده حرمني من اللى بحبها، اول أما قلتله وعشان يكمل انتقامه اتجوزها عشان يرد فيا اللى حصل فيه"
هزت (حياة) بالإيجاب ولم تجد من كلمات تخفف عنه، ولكنها رسمت ابتسامة حانيه وقالت:
" بس دلوقتي بعد ما عرفت الحقيقه تقدر تتجوزها يا حبيبي"
ارتفع جانب شفتيه بإبتسامة ساخرة وهو يقول بقلب جريح:
" للأسف... الحقيقة جات متأخرة اووى يا(حياة)"
---------------
🌷 ليله النصف من شعبان 🌷
اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ.. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ.. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ؛ فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.. إِلهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ».
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
اللهم أعنا على شكرك وحسن عبادتك.❤️
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.❤️
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا.❤️
قراءه ممتعه للجميع 🥰
بقلم أسماء صالح
Asmaa saleh