الفصل التاسع والعشرين

الفصل التاسع والعشرين

15 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

------

آه يا قلب

آه يا قلب، من جرح لك قد كتب

الحبيب تركني ورحل عني دون عتب

وبت انا غير قادرة حتى على الغضب

ضعت انت يا قلبي ومات بداخلك الحب

وسرت وحيدة اكمل نهاية الدرب

تركت له قلبي وعدت بلا قلب

ولم يعد لعشقي مكانا غير السطور التي تملأ الكتب

وبت انت يا حبيبي أمنية تتلاشي كتلك السحب...

آه يا قلب

---------

لحظه مرت عليها كادت أن تلقي بنفسها بين ذراعيه، ولكن اللحظة التي تلتها تملك الغضب منها، فإستقامت واقفة تتضارب المشاعر بداخلها، يقرأها هو ببساطة على صفحة وجهها.

اقتربت (توليب) خطوه وهي تقاوم شعور بالخيبة بداخلها، وعيناها تزرفان المزيد من الدموع عاجزة عن منعها، و أول ما نطقت به بصوت ميت ليس به حياة:

" ليه...؟"

تمزق قلبه من أجلها وهو يراها هكذا لأول مرة، رغم سنوات معرفته لها، فتقدم منها خطوتين، قائلاً بحيرة يتخللها الحنان:

" ليه ايه يا وردتي؟ فهميني مالك؟ ايه اللى بدل حالك بالشكل ده ؟"

أغمضت (توليب) عينيها بحنين وهي تسمع منه اللفظ التدليلي الذي وللعجب هو الذي أطلقه عليها، قاومت ذلك الشعور بقوة، فعلت وتيرة أنفاسها وهي تفتح عينيها قائلة:

" ليه مقولتليش انك كنت تعرفني قبل كده؟!"

اتسعت عيناه وتوقف قلبه للحظة، وهو يستمع إليها تقول بصوت متألم وبكلمات متقطعة:

" جوايا أسئلة كتير اوي....بس ...يا (براء) الأهم منهم كلهم......ليه؟!....ليه توافق.....بالى حصلي؟!...."

وصرخت بهياج، مما قطع نياط قلبه:

" كنت فيين......وابوك بيدمرني؟! ....كنت فيين ....وابوك بيعمل ....اللى عمله؟!"

اقترب خطوه أخري، وقال بلهجة حاول إخراجها هادئة:

" اهدي يا (توليب)"

علا صراخها وبأنفاس متلاحقة، قالت:

" متقوليش أهدي، لأني مش ههدي .... أنا.. أنا لازم افهم"

واعتصرت يدها، تقول بعينين منتفختين من البكاء وبصوت خفيض:

" لازم أفهم.... إزاي قبلت أن ابوك يت......"

ولم تستطع أن تكمل جملتها بل انفجرت بالبكاء، تضع كفيها على وجهها تبكي بنشيج عالى، تمالك (براء) نفسه بشق الأنفس، وتلك الدموع التي تذرفها تدمي قلبه، فقطع المسافة بينهم محاولاً احتوائها، ولكنها صدته بل وابعدته بطول ذراعيها، ترتجي منه قائلة:

" أرجوك فهمني....ومتسبنيش لوساوس الشيطان (مسلم) ....انت .."

قطع حديثها يسأل بخوف يغلفة الدهشة:

" (مسلم)..؟!....ازاي؟!"

ضحكت (توليب) بسخرية حزينة، وقالت وهي تمسح دموعها بحركة عصبية:

" مش مهم ازاي...المهم اني عرفت كل حاجه.."

وعادت للصراخ بحرقة:

" كل حاجه يا (براء) من أول الفيديوهات لحد حرق المزرعه"

فغر فاه وهو يستمع إليها، أعلمت حقاً بأمر مراقبتها؟! فأكدت هي على حديثها تقول بيأس:

" ليه محاولتش تمنع أبوك من أنه يدمرني؟ لو زي....."

ونزلت على عقبيها تقول بنشيج عالى:

" لو زي.....ما قولت ل(ثامر) انك....بتحبني"

لم يتحمل قلبه المزيد، فاقترب منها بخطوه واسعه يجلس على عقبيه أمامها، يلمس وجنتيها بأطراف أصابعه، يقول بصوت مبحوح:

" هفهمك كل اللى محتاجة تفهميه وتعرفيه، بس ارجوكي.... ارجوكي متعيطيش يا وردتي انتي مش عارفه دموعك بتعمل فيا ايه"

وبكف بارد سحب اناملها المرتجفة وثبتها موضع قلبه، قائلاً بصوت هامس متحشرج:

" ده بيموت عشانك يا (توليب)، لانه بيدق بردو عشانك"

لمح تأثرًا مرّ بعينيها وهي تنظر لعينيه، ولكنها محته سريعاً وكأن كلامه لم يصل إليها، فسحبت يديها بصعوبة ونهضت واقفة، وهي تقول وتوليه ظهرها المتصلب:

" طب ازاي عايزني اصدق وانا....وانت...."

وصمتت تتذكر صرخته يوم الحريق، فالتفتت إليه تقول بأنفاس ثقيله:

" انت اللى خرجتني من الحريق ؟!"

فاجأه سؤالها بشدة، كيف لها أن تتذكر وهي التي كانت شبه فاقدة لوعيها، وقبل أن ينطق استمع إليها تقول بصدمة رسمت على ملامحها:

" انت اللى حرقت المزرعه ؟!!!....."

وقالت وقد جحظت عيناها:

" عشان تسهل الطريق لابوك؟!"

لم تكن عينا (براء) أقل منها جحوظاً، بل كادت عينيه تخرجان من محجريهما، وبصدر يعلو ويهبط قال:

" هو ده اللي ترجمه عقلك ؟!!"

رفعت إليه مقلتين مشوشتين تقول بتيه:

" حاجه واحده بس ترجمها عقلي، وهي اني.....ان أنا معرفش انت مين!"

صوت مذعور لم يخرج من حنجرته قال:

" (توليب)"

                  -------------------

انتابهالقلق وهو يقترب منهم، يري(علاء) يسند رأسه إلى كتف خالته، بعدما ترك ما بيده في الشركة وجاء إليهم بعد اتصال صديقه الذي أخبره أن الطبيب سيخبرهم آخر تطورات حالة أبيهم.

طالعهم (ثامر) بارتباك يسأل:

" (علاء)....هو عمي كويس؟"

رفع (علاء) وجهه إليه وحزن عينيه، زاد من قلق الآخر، بينما قالت (حياة) ببكاء مكتوم:

" الدكتور قال كلها أيام"

كست الصدمة وجه (ثامر) وهو يقول:

" لا اله الا الله.... يعنى مفيش اي تحسن؟!"

حينها هز (علاء) رأسه بالنفي، وقد تجمد الدمع بعينيه وقلبه يؤلمه، هل سيعيش ألم الفقد مرة أخرى؟ لم يمر العام على فقده لأمه، هو لن يتحمل أن يعيش هذا الوجع مرة أخرى، أجل هو لن يكون بمفرده، بجانبه أخيه وخالته ولكن.....لا عوض عن وجود والديه في حياته، فاصابته حالة من التخبط الداخلي، كيف سيحيا بدون والديه؟ يا الله إنه يشعر أنه تعري في العراء البارد بدون دفئ أو ملابس تقيه البرد، هكذا يشعر إذا فقد أبيه، حتى لو أنه لم يكن يؤدي دور الأب كما يكن، بل وكان قاسيًا في بعض الأحيان ولكنه يظل أباه، خنقته الغصه فسحب نفساً عميقاً متقطعًا، وهو يستقيم واقفاً، فقالت (حياة) باهتمام:

" علي فين؟؟"

فتحرك دون أن يرفع عينيه إليهم، يخرج هاتفه من سترته، قائلاً:

" هخرج بره شويه.....حاسس اني مخنوق"

قال (ثامر) وهو يتابع ابتعاده:

" فين (براء)؟ كلمته اكتر من مره مش بيرد"

ردت (حياة) وهي تمسح دمعه فرت من عينيها:

" مش عارفه يا ابني.....جاتله مكالمه وبعدها خرج جري من غير ما يقول حاجه"

سال المزيد من الدموع وهي تقول:

" بس أعتقد المكالمة دي لها علاقة ب (توليب)"

فتساءل الآخر:

" هو في حاجه حصلت مع (توليب) جديده؟!"

ولكن على ما يبدو أن حديثه لم يصل إلى (حياة) التي غرقت في دوامة أفكارها، فقالت بحسرة:

" قلبي عليك يا ابني وعلى الهم اللى محوطك من كل اتجاه"

                ----------------

دلف إلى المنزل متعجبًا أن بابه مفتوح، مما سبب المزيد من القلق، منادياً باسمها بوجل، ولكن ما من مجيب، حتي أستمع إلى صوت جلبه آتي من الطابق العلوي، فصعد الدرج مهرولًا يصعد كل درجتين معاً، وشعوره بالقلق عليها هو ما يحركه ويسوقه إليها، وهال له ما رآه وسمعه، فنطق بذعر وهو يتقدم نحوهم قائلاً:

" (توليب)"

ألتفت كلا من (توليب) و (براء) إتجاه الصوت ونطقا الاثنين في صوت واحد:

" (يامن)!"

نطقها (براء) متعجباً مجيئه، فهو لم يخبره حين حدثه أنه قادم، و بينما نطقتها (توليب) بوجع كالغريق الذي تعلق بقشه إنقاذه.

اطلقت (توليت) تنهيدة أحرقت جوف (براء)، وهي تقول بصوت مخنوق بالبكاء:

" (يامن)...."

وركضت تلقي نفسها بين ذراعيه التي ضمتها بخوف، بينما (براء) وقف متقبضاً، يضيق صدره وهو يراها تستنجد بغيره، وغيره يحتويها بدلاً منه، وبالرغم أنها لم تكن سوى ذراعي أخيها ولكن مع ذلك اشتعلت الغيرة بصدره، وعلى ما يبدو أنها لم تكتفي بتعذيبه بشكها به و انهيارها أمام عينيه وهو عاجز عن تهدئتها، بل زادت من آلامه حين قالت من بين نشيجها العالى:

" خدني من هنا يا (يامن) ...... أنا مش هقدر.... اقعد هنا يوم واحد زيادة.... ارجوك مشيني من هنا"

انخلع قلب( براء) وكأن أنفاسه موج هادر، حين نطق اسمها يستنجدها رغماً عنه:

" لا (توليب) ....مش هتمشي"

وكاد يقترب منها، ولكن أوقفته نظره (يامن) التي رمقه بها فسمرته مكانه، بينما الآخر هدر بلهيب الغضب المستعر بداخله، ولا زال يضم أخته الغارقة في نحيبها وكأنها في عالم آخر لا تستمع إليهم:

" لا  هتمشى، بس أفهم فى ايه؟ و ايه اللى حصل بالظبط؟"

وقال محاولا تهدئتها، وهو يرفع وجهها إليه :

" اهدى يا حبيبتى، أنا هعمل اللى انتى عايزاه، بس فهمينى ايه سبب حالتك دى؟"

حولت (توليب) إجلاء صوتها وهى تقول بصوت متقطع هامس:

" هفهمك كل حاجة، بس ارجوك مشينى من هنا"

مرر (براء) يديه بشعره بعصبية يشعر بالعجز، بل بانسحاب روحه، كيف سيتركها ترحل؟ أجل هو طلب منها ذلك في وقت مضى، ولكن ليس الآن، ليس وهي تسوء الظن به بهذا الشكل، فقال بصوت متحشرج مس قلبها:

" ( توليب)..... أرجوكي"

حينها ابعدها (يامن) برفق بنظرات متشككة، يشعر بالريبة مما قرأه في أعينهم، وحاول جاهدا نفض ما ترجمه عقله من مشاعر متبادلة بينهم:

" يلا يا (توليب) حضري شنتطتك، عشان هتمشي معايا دلوقتى حالاً"

وبلهجة متحفزة قال:

" ومحدش يقدر يمنعك"

ورفع عينيه يمعن النظر إلى (براء)، الذى شحب وجهه يدعى ربه سرا أن لا يصدق حدسه، وما يراه منهم حقيقى ، ولكن (براء) لم يبالِ بحديثه، بل رفع عينيه التي تنطق بالكثير لها، فبدت عينيه الخضراوين سوداويين فجأة تنضخ بالمشاعر، بينما هي أطالت النظر إليه وعينيها تفيض دمعاً، وتخبره بالكثير، ولكن أكثر ما ألمه نظرة العتاب التي وجهتها له، استمع الاثنان إلى صوت (يامن) يقول بحزم:

" يلا يا (توليب)"

سارت أمام أعين الاثنين بخطي متعثرة، تشعر وكأنها تترك روحها بين يديه قبل مغادرتها، غامت عينيها وقلبها يئن ألماً بداخلها يطالبها بالعودة عن ذاك القرار، ولكنها لم تستجب، وما كادت أن تخطو خطوتين حتي مادت بها الأرض، وللمرة الثانية تفقد الوعي لمجرد فكرة رحيلها عنه، صرخ الاثنان بلوعه:

" (توليب)"

وكاد (براء) التحرك للحاق بها، ولكن يد (يامن) أوقفته، وأسرع باللحاق بها، وهو يقول بخوف يتخلله الغضب:

" أنا هقدر اهتم بيها.....لوحدي"

كانت دعوة صريحة (لبراء) بالذهاب، ولكنه لم يهتم بل كان كل همه هي، وهو يري أخاها يحملها بين ذراعيه بعيداً عن يديه وعن ناظره، فشعر حينها أن حياته قد انهارت وسلبت منه وردته، وحرم حتي من رؤياها واستنشاق عبيرها، آه مما حرمت منه يا قلبي، وكيف سأكمل دونها دربي؟.

              ----------------

من بين حالة التيه التي انتابته، وجد نفسه لا إراديا يطلب رقمها، فشعر تلك اللحظة أنه بحاجه للتحدث معها، فصوتها وحده سيجعله يستعيد رباطة جأشه وله ما فكر به، فجاء صوتها الناعم الرقيق كالمسكن لأوجاعه، ولكنه فقط مسكن مؤقت لا غير وسيعود حتماً إلى حالة التيه تلك.

أغمض (علاء) عينيه وهو يستمع إلى اسمه من بين شفتيها، فقال متفكهاً ولكن بنبرة صوت كساها الحزن:

" يعني مفيش مرة تقولي (علاء) من غير بيه"

شعرت (نوران) أن هناك خطباً ما حين أستمعت إلى تلك النبره، ولكنها قالت بخجل أنثوي رقيق:

" ميصحيش يا (علاء) بيه، حضرتك المدير بتاعي"

مرت ابتسامه صغيرة على شفتيه، وهو يقول بجدية مصطنعة:

" يبقي فكرني اطردك لما ارجع الشركة"

سقط قلبها وهي تسأل بأنفاس حبيسة:

" لييه؟؟....انا عملت ايه ؟"

هنا لك ضحك (علاء) قائلاً:

" عشان تقوليلي يا (علاء) من غير بيه"

اطلقت (نوران) نفساً مرتاحاً قائلة:

" الله يسامحك وقعت قلبي"

قال ببحة رجولية:

" سلامة قلبك"

تخضب وجهها بالحمرة، ساد الصمت بينهما قليلاً، فقطعته (نوران) تقول:

" انت فى حاجه مضايقاك؟"

وضع يده الأخري بجيب بنطاله، يقول وقد عاد إليه حزنه:

" اوي يا (نوران) أنا مش مضايق بس انا تايه"

تألمت بشدة من أجله وسألت:

" وايه اللي وصلك للحالة دي؟"

قص عليها وضع أبيه وأخبرها بمشاعره وخوفه من عيش تجربة الفقد مرة أخرى، وبينما هي تحاول التخفيف عنه ومواساته، اقتحمت أمها غرفتها، وهي تقول دون أن تعلم أنها تتحدث عبر الهاتف:

" تقدري تقوليلي ايه سر رفضك (لرامي)؟ وليه مقولتيش أنك نهيتي الحوار معاه؟"

اجفلت (نوران) وسقط الهاتف من يدها، فقالت وهي تلتقطه بهمس مغتاظ من أمها التي تقف أمامها:

" الله يسامحك يا ست (حسنيه)، هيقول عليا ايه دلوقتي!؟"

فى حين أن الآخر شبت نيران الغيرة بجسده، فإعتصر الهاتف بيده، وهو يسمعها تقول بلهجة هاربه:

" أنا لازم أقفل دلوقتى يا (علاء) بيه و......"

ولكنه قطع حديثها يضم قبضته داخل جيبه:

" هو (رامي) طلب ايدك؟"

لما وترها سؤاله، فقالت بارتباك:

" أيوة....بس الكلام ده...من فترة طويلة"

نهرت نفسها بشدة لما تبرر لها، وعضت على شفتيها وقد نسيت تماما أن أمها لا زالت تقف أمامها تحدق بها بنظراتها الثاقبه، سحق (علاء) أسنانه بغضب وأنهال عليها بأسئلة:

" طويلة أد إيه يعني؟ يعني قبل ما يجيلك المكتب ولا بعد؟ وانتي رديتي عليه بأيه؟ وليه مقلتيلش أنه اتقدملك؟"

تشتت ذهنها من كم الأسئلة التي انهالت عليها، ولكنها لم ترد على أي سؤال منها، وقالت بشراسه، وقد أحست كما لو كان يحاسبها:

" اظن ان دي حياتي الشخصية ومش مسموح لك تحاسبني ، اعذرني انا لازم اقفل"

ألقت الهاتف بعنف بجانبها على الفراش، وهي تزمجر وتبعثر شعرها بعصبية، وفجأة تذكرت أن أمها لا زالت أمامها، فرفعت عينيها إليها ببطئ، فوجدتها تقف عاقدة ذراعيها تحت صدرها، تسند ذقنها على إصبعيها السبابة والابهام تحدق بها بنظرات ناريه، فهبت (نوران) واقفة تقول ببسمة واسعة:

" ست الكل"

ومالت علي وجنتيها تقبلها تلك القبلات الخاصة بها، ذات الصوت العالى قائلة:

" ما تجيبي جرعة سكر"

بينما قالت الأخري ولا زالت على وضعها:

" والله......كلي بعقلي حلاوة يا ست (نوران)"

ولكن الأخري استمرت في تقبيلها في محاولة للهروب من مواجهتها تقول:

" هاتي بس جرعة السكر بتاعتي"

قالت (حسنيه) بسخرية ناعمه وهي تفهم ما تحاول ابنتها فعله:

" حاسبي بس لاسنانك تسوس"

ضحكت (نوران) عالياً وهي تقول:

" لا متخافيش عليا"

ارتسمت ابتسامه صغيرة على وجه (حسنيه) وبعدها قالت بلهجة دافئة، وهي تحضن بكفها المتغضن جانب وجهها:

" هو ده بقي سبب رفضك (لرامي)؟"

اسبلت (نوران) عينيها وقالت:

" يا أمي أنا رفضه( رامي) من قبل حتي ما اشتغل في الشركة"

" بس كنت حاسه ان في أمل وممكن توافقي عليه "

لم تجد (نوران) كلمات ترد بها على أمها،

فتنفست الأخري بعمق وهي تضمها إليها، قائلة:

" يا حبيبتي انا بتمني انك تلاقي السعاده اللى تستحقيها بعد تعبك السنين اللى فاتت، بس انا مش عايزكي تحلمي أحلام أكبر منك"

ومسحت على شعرها بحنان قائلة:

" يا بنتى احنا فين و (علاء) فين؟"

نغزها قلبها لكلام أمها، وتكرر تلك الجمله برأسها، فقالت بحسرة رغماً عنها:

" اطمني يا أمي، مفيش حاجه أصلا من اللي بتفكري فيه "

وتحركت نحو فراشها تسحب الهاتف، قائلة بانكسار لم يكن يوماً من طباعها:

" وزي ما قولتي انا فين وهو فين"

                   --------------

مرَّ اليوم أخيرًا، رغم ثقله على الجميع، كان يومًا مرهقًا، استنزف طاقتهم بالكامل، وحين عاد كلٌّ منهم إلى منزله غارقًا في دوامة أفكاره وصراع مشاعره.

أولهم (حياة) فقد عادت إلى التحديق في ذلك الصندوق الصغير، وعاودها التردد والخوف من كشف المستور ونبش الماضي، خاصة مع الحالة التي يمر بها عزيز قلبها الآن، وبما يعانيه من خوفه على أبيه من جهة، وحزن يعتصره على رحيل معشوقته من جهة أخرى، تذكرت كيف انخلع قلبها حين عاد إليهم مجرد جسد بلا روح، ملامحه المنهكة تخبرها بالكثير والكثير عمّا يعتري قلبه، ومن سيفهمه أكثر منها؟ وهي التي ربّته على يديها، وكانت له بمثابة أم ثانيه،

أطالت النظر إلى محتويات الصندوق، بنظرات قاتمة وخائفة مما هو قادم، تتذكر كيف استطاعت أن تخفي هذا السر طوال السنوات الماضية، وما تعرضت له من تهديدات كي لا تبوح به إلى العلن.

أما (علاء) فاستلقى إلى فراشه محدقًا في سقف الغرفة، يتألم للفقدان الوشيك لوالده العزيز، فمن جهة يشعر بالحيرة لرده فعله من (نوران) لماذا ثار بتلك الطريقة حين علم بأمر (رامي)؟ أليست فتاة مثل باقي الفتيات، سيتقدم لها الكثيرون؟ فلماذا يهتم من الأساس؟ ولماذا كلما ضاق به الحال ركض إليها يخرج ما بجبعته لها؟ لماذا هي فقط وحدها القادرة على التخفيف عنه بل ومداواة ألمه؟، ومن جهة أخرى يشفق على أخيه بشدة، بعد أن رأى تبدّل حاله حين عاد إليهم المشفي، وعلم من (ثامر) أن (توليب) قد عادت إلى القرية بصحبة أخيها، بعدما علمت من ذاك المدعو (مسلم) الذي فضح له حقيقة أبيه، حقيقة حرق الحقول و يا لها من صدمه! هو نفسه لم يتحملها، فكيف بها؟ ودعي الله من قلبه أن يلطف بها و يخفف عنها صدمتها.

بينما في الغرفه المجاوره، جلس (براء) في الظلام، يشعر بالفراغ يحاوطه، والعتمه تبتلعه، لا يعلم كيف تمكن من تركها تذهب، يتذكر كيف نزف قلبه وهو يراها تغادر بصحبة أخيها، بعدما  ظل مرابطًا أمام المنزل بعد أن طرده (يامن) بطريقة غير مباشرة، يا الله سقوطها أمامه بهذا الضعف سبب في إنهيار حصونه، وكاد يركع لأخيها ليتوسل إليه أن يسمح له بالاطمئنان عليها فقط، لا يريد شيئا غير هذا، ولكن الآخر لم يستجب لتوسلاته بل وشعر بغرابة الأمر، حينها شعر (براء) أن الأفضل له أن ينسحب، فهو لا يريد أن يجعل (يامن) يسئ الظن بها، وهو يعلم جيداً ماذا يعني لها أخاها، فرحلت أمام عينيه وقلبه كاد يخترق صدره يركض خلفها، يتوسل إليها ألا ترحل.

أما عند (نوران) فلم يكن الحال أفضل، ظلت ليلتها تنهر وتزجر نفسها، كيف تركت العنان لمشاعرها؟ ولما هو دوناً عن الجميع من دق له قلبها؟ وماذا يعني رد فعله ذاك؟ ايغار عليها أم مجرد وهم؟ لما ثار هكذا حين علم بأمر (رامي)؟ وشعرت بالغيظ من نفسها، فقد فضحت مشاعرها أمام والدتها و (رامي)، دعت الله ألا تكون مشاعرها بهذا الوضوح أمامه، فهي لن تتحمل علي كرامتها ذلك، حتي لو اضطرها الأمر إلى ترك العمل معه، فلن تتأخر عن ذلك، حتي لو كان ذلك سيسحق قلبها، فلن تبالى، فلا شيء  تمتلكه في هذه الحياة سوي كرامتها.

فى الجانب الآخر، كان الوضع عند (توليب) شبه مأساوي، فبعد عودتها مع أخيها ومعرفة الجميع لحقيقة حرق الحقول، تعجب الجميع حالتها تلك، صحيح أن الحقيقة صعبه و صادمة، ولكن يحق لها أن تسعد فبسبب تلك الحقيقة تمكنت من العودة، بل ستتمكن أيضاً من التخلص من (بهاء)، فلماذا إذا تبدو لهم وكأن هذه الحقيقة قد دمرتها؟، ولما هي بذلك الإنهيار؟ فهي لم تتوقف عن البكاء منذ عودتها، فظن الجميع في البداية أن شوقها لهم هو ما يبكيها، كما أبكاهم جميعاً حين رأوها.

حتي أبيها الذي كاد يسقط حين رآها تدخل عليه بصحبة أخيها، لم يتمكن من السيطرة على دموعه فرحاً بعودتها يضمها إليه، يشتم رائحتها إلى رئيته التي اشتاقها كثيراً، وظل يهلل ويحمد الله كثيراً أنها عادت إليه وأخيراً، ولم تكن أمها أفضل حالاً منه، فانتحبت كثيراً تضم ابنتها إليها تغمرها بالقبل الدافئة، وهرعت إلى المطبخ لتحضر لها أصناف من الطعام التي تحبها، وكذلك (بيان) التي ضمتها في شوق عارم عاجزة عن وصف فرحتها لعودة صديقتها المقربة، وبالرغم أن (توليب) حقاً كانت سعيدة تشعر ببعض من الراحة لعودتها إلى قريتها الحبيبة وأسرتها الغالية، إلا أن جزءا من روحها لم يعد معها، بل بالحقيقة تركت روحها وقلبها هناك، فعادت (توليب) أخري غير تلك الفتاة المفعمة بالحيوية والإشراق، كزهرة متفتحة باتت ذابلة، تحيطها هاله من الحزن والألم، وجهها منتفخ وعيناها غير قادرة عن التوقف عن البكاء، حتي اثناء نومها، فإستمر نشيجيها حتي بعد أن ثقلت جفونها من كثرة البكاء، وذاك النشيج قطع نياط قلب (وجدان) التي وجدت نفسها عاجزة عن حماية ابنتها من هذا الألم الذي كسي ملامحها.

وقفت( وجدان)عند باب غرفه ابنتها تلقي عليها نظرة أخيرة ثم أغلقت الباب، ينغزها قلبها لحالتها تلك.

قابلها (يامن) عند أول الدرج، فسألها بقلق:

" مكلتش بردو؟"

هزت (وجدان) رأسها نفيًا، وقالت بمرارة:

" نامت يا حبه عيني من كتر ما عيطت"

ربت (يامن) على كتفها، قائلاً بلهجة مترجية:

" مضغطيش عليها يا أمي ارجوكي، خليها براحتها وهتلاقيها من نفسها رجعت زي ما كانت، وقالت على اللى مغيرها بالشكل ده، انتي عارفه (توليب) يا أمي مش هتتكلم إلا لما تحس انها عايزة تتكلم"

ترغرغت عيناها بالدموع مجدداً وهي تقول:

" أنا يا ابنى عايزة اطمن عليها، قلبي واجعني وانا شايفها بالحالة دي، ومش عارفه اعملها حاجه"

ضمها (يامن) إليه يقول بحنو:

" اطمني يا حبيبتي، وكفايه أنها فى وسطينا وادام عنينا، بعدها أي حاجة تهون"

آوى إلى فراشه بجانب زوجته الحبيبة فى غرفته القديمة بمنزل والده، فلم يرغب فى العودة إلى منزله هذه الليلة وترك شقيقته بتلك الحالة، بل يجب عليه ان يكون بجانبها، ويشدّ من أزرها، لكنه لم يستطع فهم سبب انهيارها أو بمعنى أدق هو لا يريد أن يصدق ما رأته عيناه.

لا يزال يتذكر جيدا كيف انعقدت معدته حين دخل الغرفة ليجدها بهذا الانقلاب، و (براء) يقف أمامها والصدمة تعلو وجهه بعد أن ألقت عليه سؤالها الصادم: هل هو من قام بحرق الحقول؟ ورغم ذلك كانت عيناه تفيض بمشاعر يرفض (يامن)  تصديقها، و يكاد يجزم أن (توليب) لم تفقد وعيها إلا لسبب يخص ذاك (البراء)، فقد قرأ في عينيها نظرة استجداء، بل كانت... نظرة عشق!.

نفض (يامن) رأسه محاولًا طرد تلك الأفكار السوداء من رأسه، لا يريد أن يسئ الظن بشقيقته، مهما رأى من دلائل واضحة، سينتظر حتى تأتى و تخبره بمكنونات قلبها، التى يدعو الله من أعماق قلبه ألا يكون ما استشفه بفراسته.... حقيقة.

                    -------------

اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة القبر، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال”

------

قراءه ممتعه للجميع 🥰

إقتربت النهاية🥹

أسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة