الفصل العشرين

الفصل العشرين

13 0

روايه ( عَيْنٌ بَاسِمَه و قَلْبٌ مُتَأَلِّم) بقلم

أسماء صالح

-------

مست قلبي مشاعر جديدة

فأصابته رجفة شديدة

وسألت نفسى أذاك هو الحب بمشاعره الوليدة

أهذا ما يقولون عنه الاحاسيس الفريدة

قلبى يحثنى على الاعتراف والا اكون عنيدة

ولكن عقلى ينكره و ينبهنى بأن اكون رشيدة

عن اى رشد يحدثنى به عقلى وانا عنه بعيدة

تحرقنى نار الغيرة المقيتة

حينها تيقنت من مشاعرى وبتُ من عشقى أكيدة

وذاق قلبى لذه العشق ولكننى سأظل وحيدة

----------------------------------

وقف أمام الغرفة التي حجز بها والده، بقلب مذعور يتذكر كيف هرول خارج مكتبه حين أستمع صرخه أخيه يستنجد به، ورأي والده أرضا فاقداً وعيه، حينها شعر بخوف بالغ عليه، خاف أن يفقده كما فقد أمه، خاف أن يعيش حياته دون والده، برغم الخلافات بينهما ولكنه يظل والده ويكن له الحب مهما حدث.

أقترب من (علاء) الذي يقف يتابع الطبيب في الداخل من خلال الحائط الزجاجي الفاصل بينهما، والتوتر يعلو وجهه، فسأله (براء) للمرة الثانية يحاول أن يفهم ما حدث وما سبب سقوطه هكذا:

" يعني أنت متعرفش إيه اللي حصل؟!"

قال الآخر بلهجة قلقه:

" قلتلك كنت جايلك وشفته بيقع وكان لوحده ومعرفش ايه اللى حصل"

مرر (براء) يديه في شعره بعصبية يشوبها القلق:

" ايه اللى حصل بس خلاه يتعب بالشكل ده؟!"

ربت (علاء) على كتف أخيه يحاول أن يطمأنه قائلاً:

" اهدا، دلوقتى الدكتور يخرج ونفهم ايه اللى حصل وان شاء الله تعدي على خير ويقوم بالسلامه"

" إن شاء الله "

أستمع الإثنان إلى صوت (ثامر) يقول وهو يركض نحوهما:

" ايه اللى حصل يا (براء)؟ عمي ماله فى ايه؟"

مسح الآخر على وجهه بتوتر وقال:

" م..مش عارف، لسه الدكتور جوه ومفيش حد طمنا"

بعد قليل، خرج الطبيب يقول بلهجة عملية بعد أن اجتمعوا حوله يسألون عن وضع (بهاء):

" ذبحة صدرية"

قال (علاء) وهو لا يستوعب ما قيل:

" بس بابا مش بيشتكي من قلبه اصلا"

عدل الطبيب نظارته الطبية وهو يقول:

" السيد (بهاء) مصاب بضيق شديد فى الشريان التاجي، هذا الشريان هو المسؤول عن إيصال الدم إلى أعضاء الجسم ومن ضمنهم طبعا القلب، والمرض ده يصيب الراجل في الغالب بعد سن الستين"

اتسعت عينا (ثامر)وهو يقول ولا يفهم ما قاله الطبيب:

" ممكن توضح اكتر لو سمحت؟"

بينما قال (علاء) بخوف:

" يعني الحالة إلى هو فيها دي بسبب الكلام اللي قلته؟"

وقال (براء) يشعر بالصدمة لما سمعه بالرغم أنه على علم مسبق بمرضه:

" اهدا انت وهو عشان نفهم الوضع"

رد الطبيب على سؤال (علاء) مقدرا خوفه قائلاً:

" بالظبط كده، فى حالة مرضه دي ممنوع عنه التوتر أو الضغط النفسي والعصبية طبعاً، لأن كل ده ممكن يكون سبب في ذبحة تانيه"

وصمت قليلاً وعاد يقول بقليل من الحرج وهو يعدل من نظارته:

" وفى حاجه تانيه"

انتقلت إليه العيون في توجس، فقال بعد أن تنحنح:

" العلاقة في الحالات دي بردو فيها خطر على صحته، أو بمعني أدق العلاقة ممنوعة....."

رد (براء) سريعاً قاطعاً حديث الطبيب وقد أحس أن هذا الحديث يطعن فى، رجوله أبيه أمام أخيه الأصغر وصديقه:

" مفهوم يا دكتور خلاص"

قال (علاء) محاولا ابتلاع صدمته:

" يعني هو كده في خطر على حياته؟"

رد الطبيب يحاول إيصال المعلومة بطريقة مهينة:

" للاسف لو ما فاقش في خلال اربع وعشرين ساعة، فاحتمال يكون في غيبوبه"

ردد الجميع الكلمة وقد أصابهم الهلع، فقال (براء) وكاد قلبه يقفز إلى حلقه ذعرا على والده:

" غيبوبه؟!........هي حالته خطر أوي كده؟"

" يؤسفني اقولك أنه في المرحلة الرابعة والأخيرة، والمرحلة دي بتكون تحت بند امراض القلب الشديدة جداً، بيكون فيما نسبة انسداد الشرايين التاجيه أكثر من ٥٠٪ وكل ما كان العمر أكبر بيرتفع خطر الإصابة بنوبة قلبية أو وفاة لقدر الله"

قال (علاء) وقد جحظت عيناه بلهجة مرتعبه:

" وفاه!!!.....انت بتقول ايه؟ بابا عمره ما اشتكي من حاجه"

بينما قال (ثامر) وقد غلبه الحزن لما سمعه:

" يعني مش ممكن يعمل عمليه تعالج الكلام ده؟"

" فى طبعا عملية، بس لازم ناخد السن بعين الاعتبار وكمان في الحالات المتأخرة إلى زي حالة السيد (بهاء) مش بننصح بيها لأن الخطورة بتكون أكبر ونسبة نجاحها بتكون قليلة جداً"

ألقي (علاء) نفسه على المقعد خلفه، ينغزه قلبه على والده، قائلاً بلهجة متألمة:

" طب والعمل هنسيبه كده ؟!"

قال الطبيب:

" طول ما هو بعيد عن الضغط العصبي والتوتر والعلاقة طبعاً زي ما ذكرت فهو هيكون بخير أن شاء الله، بس الاهم من كل ده أنه يفوق في خلال ٢٤ ساعه"

وقال وهو يهم بالرحيل:

" أدعو له أنه يفوق ويقوم بالسلامه أن شاء الله"

بعد ذهاب الطبيب، قال (براء) وهو يجلس بجانب أخيه، يحاول أن يمده بالقوة هو فاقد لها:

" متخفش يا (علاء) ابوك قوي وهيقوم منها"

رفع (علاء) مقلتين دامعتين وهو يقول:

"ده بيقول غيبوبة ووفاة يا (براء)"

حاوط الآخر كتفه يكتم خوفه:

" إن شاء الله خير وهتعدي صدقتنى هتعدي وهيقوم بالسلامه"

فى حين قال (ثامر) وهو يستند بظهره على الحائط بجانبهم:

" انا كلمت (مريم) تتصل ب (توليب) تعرفها اللى حصل"

اعتدل (براء) يخفق قلبه بقوة على ذكرها، فهو يشعر أنه بحاجة إليها، بحاجة أن يبوح لها بخوفه على والده، بحاجة أن تطمئنه وتخبره أنها ستمر، وسيصبح بأفضل حال كما كان، شعر بنظرات (علاء) إليه، نظرات متشككة ذات مغزى، فتنحنح وهو ينهض، قائلاً:

" خير ما عملت لازم يكون عندها علم"

-----------------------------------

كانت فاقدة قواها بعد ما حدث صباح اليوم تشعر بالإهانة وهي التي لم يمسها أحدا بسوء من قبل، حتى أن والدها لم يرفع يده عليها يوماً، وكان أقصى عقاب لها هو خصامها، تهان وتضرب بتلك الطريقة المؤلمة.

صعدت الدرج تجر قدميها جرا تشعر بجسدها ثقيلاً محملاً بالهموم، تشعر بنار حارقة أثر ضربة لها، حتى أنها لم تهتم لرنين الهاتف الذي يرن بشكل متواصل، تشعر بقواها التي خارت، فلا قدرة لها على التواصل مع أحد، تكمل طريقها، ينهمر من عينيها خيط من الدموع في صمت، لا تريد شيئاً في هذه اللحظة غير أنها تأوي إلى فراشها علها تنام وتري ذاك الحلم الذي باتت تنتظره وتري منقذها ينتشلها من الحريق، تتمني لو صار الحلم حقيقه، وينقذها من تلك الحياة المؤلمة.

----------------------------------------

وقف (ثامر) يعطي لكلا منهم زجاجات ماء بعد أن رفضوا تناول أي شيء، وقال بلهجة هادئة:

" طب انتو هتقعدوا ليه؟ مادام الزيارة ممنوعه والوقت كمان أتأخر"

وقال عندما لم يجد منهم رداً:

"حتي واحد يقعد والتاني يروح يرتاح وبعدها تبدلوا عشان تقدروا تكملوا"

قال (براء) سريعاً:

" روح انت يا (علاء) وانا هستني"

رد (علاء) وهو يسند رأسه على الحائط:

" أنا مش همشي، انت روح عشان تقدر تروح الشغل بكرة"

" شغل ايه! اللى هنشيل همه في الوقت ده"

قالها وهو يفرك رأسه بد الإرهاق يعلو وجهه في حين قال (ثامر):

" لو على الشغل متشلوش هم انا موجود، انا بتكلم على تعبكم انتو بالشكل ده مش هتقدرو تكملوا"

ربت (براء) على كتف (ثامر) يرفع عينيه تجاه ممر الدخول من وقت إلى آخر منتظراً مجيئها، ولكن خاب أمله حين رأي تلك التي تقترب منهم، رائحتها النفاذة تسبقها، وترسم على وجهها قلق مصطنع، وحين التقت عيناها بعينيه، ابتسمت برقه قائلة وهي تدنو منه:

" (براء) عامل ايه ؟ انا جيت اطمن علي اونكل (بهاء) لما عرفت أنه وقع في الشركة"

رفع (علاء) مقلتيه إلى أخيه يغمز إليه وقد تغلبت عليه شخصيته المرحه حتي في هذا الوقت، مما جعل (براء) يبتسم رغماً عنه، فقال وهو يواري تلك البسمه:

" مكنش ليه لزوم تتعبي نفسك يا (سالى)"

قالت بصوت رقيق وهي تبعد شعرها عن جبينها:

" مفيش تعب ولا حاجه"

ونظرت إلى (علاء) ومدت يدها إليه قائلة:

" ازيك يا (علاء) عامل ايه؟"

نهض ليصافحها وهو ينظر لها بإعجاب رجولى قائلاً:

" بخير والله، وشكراً يا ستي انك جيتي بنفسك لحد هنا"

آمال (ثامر) على آذن (براء) يقول بلهجة مندهشة مرحه:

" والله انا بتعجب من اخوك ده مبيعرفش يلم عينه الزايغة دي، حتى في الأوقات الصعبة بيضعف ادام أي واحدة خلقها ربنا"

كتم (براء) ابتسامته وهو يقول همساً:

" خليها تتلهي معه وتسبني انا في حالى"

قطع حديثهم صوت رنين هاتف (ثامر) فاخرج هاتفه وهو يعقد حاجبه قائلاً:

" دي (مريم)"

قال الآخر بلهفة:

" اسالها اتصلت ب (توليب) ولا لا"

هز (ثامر) رأسه وهو يرد على (مريم)، فقالت هي بعد أن سألت على وضع (بهاء):

" انا بكلم (توليب) من الصبح مش بترد"

تغيرت ملامح (ثامر) وهو يقول:

" مش بترد ليه يعني، جربي تاني ولا اقولك خلاص هتصل انا"

شحب وجهه(براء) وهو يسأل:

" (توليب) اللى مش بترد؟!"

أنتبه (علاء) وهو يقف مع (سالى) يشرح لها حالة والده إلى ارتباك أخيه، وهو يتصل باحد ما، فاستأذن منها، مما استرعى انتباهها هى الأخرى، ترى (علاء) يقترب من أخيه يقول بتوجس:

" مالك يا (براء)؟ التوتر اللى انت فيه ده؟"

رد (ثامر) وقد انتقل إليه عدوي القلق:

"بنحاول نكلم (توليب) من الصبح مش بترد"

قال (علاء) يحاول أن يخفف التوتر قليلاً:

" يمكن نايمه"

مرر (براء) يديه بشعره بعصبية، قائلاً وهو يحاول الاتصال مجدداً:

" نايمه من الصبح!، ولو حتى نايمه مش سامعه التليفون!؟"

سالت (سالى) متعجبه من حالة (براء) تلك:

" مين (توليب)؟!"

ولكن لم يعرها أحد اهتماماً، بينما وضع (براء) هاتفه في جيب سترته، يهم بالذهاب قائلاً:

" انا مش هستني اكتر من كده، أنا هروح اطمن عليها"

امسكه (علاء) من كتفه قائلاً بضيق، لا يعجبه خوفه عليها بتلك الطريقة:

"استنى انت يا (براء) انا اللي هروح اشوف في ايه"

وأشار له برأسه تجاه (سالى) قائلاً:

" كمان مش هينفع تسيب ضيوفك وتمشي"

ولكن (براء) لم يهتم بكل هذا، وخوفه عليها هو ما كان يحركه في تلك اللحظة، فنفض يد أخيه يتحرك على عجل قائلاً:

" انا اللى هروح اطمن عليها بنفسي"

حاول (علاء) اللحاق به، ولكن (ثامر) امسكه وهو يشير خفيه إلى (سالى) قائلاً:

" سيبه يا (علاء) هو انت مش عارف اخوك يعنى، مش بيحب يفضل قلقان على حد"

فهم (علاء) نظرات الآخر وإلى ما يرمي، فأمسك طرف الخيط قائلاً:

" أيوة معاك حق، هو قلوق اوي زيادة عن اللزوم"

وبداخله يقول:

" انا لازم افهم اللي بيحصل، وايه سبب الخوف الزيادة ده عليها"

بينما كانت (سالى) بعيدة كل البعد عن أن تلتقط ما يحدث، فسألت ببلاهه:

" ما حد يقولي مين (توليب) دي؟!"

----------------------------------------

لا يعرف كيف وصل إلى البيت، وفي رأسه ألف تخيل وتخيل عن غيابها هذا، وعدم اجاباتها على الهاتف.

دخل المنزل بخطوات سريعة مرتجفة وبقلب كادت تتوقف عضلته من شدة الخوف، فهتف مناديا بإسمها بصوت جهوري، باحثاً عنها في أرجاء الطابق الأول، ولكنه لما يجدها. فصعد إلى الاعلي مهرولا، يصعد كل درجتين معا، ليبحث في الطابق العلوي، متجا أولا إلى غرفتها وفى طريقه مر بغرفته وهو يخطو بضع خطوات، فلمحها مستلقية على فراشه، فعاد تلك الخطوات ليتأكد مشدوهاً بما رأي، اتنام بفراشه! يالله لو بيدي لصعدت بجانبها الآن، ضاربا اي تعقل بعرض الحائط، اضمها إلى قلبي،و امرغ وجهي باحضانها، أشبع من رائحتها حد الثماله.

وقف أمامها مباشرة وهي توليه ظهرها، يرسم تفاصيلها بعينيه، وهي نائمة تضم ركبتيها إلى صدرها، رفع يديه يكاد يلمس شعرها ولكنه تراجع منبها نفسه لتعقل، فناداها بصوت متحشرج هامسا:

"(توليب)"

ولكنها لم تجب عليه، فاقترب دون إرادة منه يهزها برقه وينطق أسمها ببطء وكأنه يتلذذ نطقه:

" (توليب) أنتي كويسه؟؟"

أما هي فعلي ما يبدو أنها كانت تعيش ذلك الحلم، فقالت بهمس، افقده ذرات ثباته:

" أخيراً جيت، انا مستنياك بقالى كتير"

عاد خطوه إلى الخلف ويبدو أنه نسي التنفس في هذه اللحظة، اتحلم أم ماذا؟ أكانت تنتظره حقا؟ فاجبر نفسه على الثبات دون أن يقترب، يوقظها بصوت مرتفع قليلاً:

" (توليب) انتى نايمة؟ .....(توليب)"

انتبهت حواس (توليب) لصوته الرجولى، ففتحت عينيها تستوعب أين هي، وحين أنتبه عقلها لما يحدث، هبت واقفه تنظر إليه بمقلتين مرتعشتين وتقول بتلعثم:

" انا...... انت....جيت.....ام..."

قاطعها مقتربا منها خطوة، قائلاً بصوته الرخيم:

"اهدي بس الأول....اهدي"

كانت تنهت بسبب تسارع دقات قلبها لرؤيته أمامها بعد أن كانت بين ذراعيه باحلامها، فرفعت يدها بحركة تلقائيه مكان اللكمه، وحين لمست شعرها المنسدل على وجهها يخبأ كدمتها، اطمأن قلبها واطلقت نفساً محبوسا براحه، تقول بصوت هامس:

" انا اسفة انى نمت هنا، انا بس حسيت بصداع جامد ومحستش بنفسي انا داخله فين"

أقتربت قدماه منها كأنها لا تستجيب لإجباره على الثبات، يتأمل وجهها البهي ولا زالت أثر النوم عليه، قال بلهجة دافئة:

" أنتي تنامي في المكان اللى انتي عايزاه، المهم تكوني مرتاحه"

حاولت السيطرة على ضربات قلبها التي تتراقص فرحا لرؤيته، وهي تقول بخفوت:

"انت هنا من بدري؟"

هز رأسه بلا، وفجأة أقترب منها بغته، يبعد شعرها عن عينيها، حينها وقد حادت عيناه إلى أثر اللكمة، يقول و سقط قلبه بين قدميه:

" ايه ده!!؟ ايه اللى فى وشك ده !؟"

رجعت خطوة إلى الخلف تبعد كفه بيد مرتجفة، لا تريده أن يعلم ما حدث كي لا تكون سبباً في شجار مع والده، فقالت وهي توليه ظهرها كي لا يقرأ كذبها في عينيها:

" وقعت وانا نازله الصبح"

ولكن على ما يبدو أنه لم يقتنع بهذا الحديث، فجذبها بشدة من ذراعيها يديرها حتى كادت أن تصطدم به، قائلاً وصدره يعلو ويهبط، لا يريد أن يصدق حدسه:

" بس دي مش واقعه يا (توليب)"

وقفت تضغط على يديها من فرط التوتر، مسبله اهدابها، لا ترغب في إيقاعه في مشاكلها، حاول أن يهدأ من حدته قليلاً حين شعر بتوترها، فلامس ذقنها رافعاً وجهها إليه، قائلاً بلهجة حاول أن تكون هادئة:

" اتكلمي يا (توليب)، مش احنا اتفقنا انك تثقي فيا وأن الكلام اللى بتقوليه هيفضل بينك وبيني"

رفعت إليه عينيها بنظارات تلتمع بالدموع، مما أربكت دواخله وهي تهز راسهابالإيجاب، فهز رأسه بدوره يحثا على التحدث، فقال:

" اتكلمي"

حاولت ان تحني رأسها تبعد عينيها عنه، ولكنه احتضن وجهها بكفيه في حركة جريئة منه، كانت سبباً في انقطاع أنفاسها، فاعادت النظر إليه وتعانقت الأعين بحديث طويل تأبي الأفواه النطق به.

انتبهت حواسه لقربها المهلك له، وكفيه يستشعران دفء بشرتها وخاتنه عيناه، وانحدرت نظراته إلى شفتيها حين عضتها خجلاً، اقترب منها فاقداً لأي سيطرة على نفسه، وما كاد أن يصل إلى هدفه، أبعدت (توليب) وجهها تقول بهمس حار، تبعد كفه برفق:

"(براء)"

منعها من الإبتعاد، وأنفاسها العطره تسربت إلى صدره، قائلاً ولهيب أنفاسه قد لفح وجهها وقد فقد زمام أمره، يضنيه الشوق إليها:

" قلب وعيون (براء)"

اتسعت حدقه عينيها تسأل أما زالت بهذا الحلم؟ هل اهذي الآن، أم أن تلك اللكمة أثرت على قواي العقلية؟ ولكن لما يبدو كالحقيقة؟ رجعت إلى الخلف محدقه به، تري عشقاً يملأ عينيه، وكادت أن تهرول بعيداً عن وجوده المربك، وما أوقفها إلا انقطع التيار الكهربائي، فكانت هرولتها إليه بدلاً أن تكون بعيداً عنه، فتمسكت بطرف قميصه بحثا عن الأمان.

أما هو، فلاحت ابتسامه على جانب فمه، يرفع ذراعيه يلمس خصرها ليقربها له، قائلاً بحشرجه من تضخم المشاعر بداخله:

"متخافيش"

كلمه واحده خرجت من بين شفتيه، اشعرتها بالأمان الذي تفتقده. أحست معها أن قلبها أعيد إلى الحياة، وأحست أن هنا يجب أن تكون، بين ذراعيه شاعره بدفء جسده وتسارع دقات قلبه. احقا هي سبب ذلك التسارع؟! رفعت وجهها إليه، لا تري شيئاً ولكنها شعرت به قريب، قريب للغاية إلى قلبها قبل أن يكون لجسدها.

شعر (براء) بسكونها بين ذراعيه، إلا من صوت أنفاسها العالية، فكان حبه اقوى من اي شىء فى تلك اللحظة، فلم يستطع أن يكبح جماح نفسه، فأمال عليها فجأة مقتربا من شفتيها، فحاولت ابعاده وهي تشعر بنفسها تكاد تذوب بين ذراعيه، تستشعر حلاوة قربه، فهمست باخر ذره تعقل منها:

" (براء) ارجوك"

ولكنه كان أبعد ما يكون عن التعقل، يدرك أن هوسه بها هو ما يتحكم به الآن، التهم شفتيها بدون اى مقدمات، يتذوق تلك الشفاه بعد شوق ارهقه لسنوات وسنوات. ابتعد قليلا، يسحب نفسا ينظم به انفاسه، وعاد يمس شفتيها مسا خفيفا، طابعاً قبلات حارقه على فمها الناطق حتي تلاشي صوتها شيئاً فشيئا وفقدت القدرة علي السيطرة على نفسها وعلى النطق أيضاً، تستشعر شفتيه الحارتين يعمقان تقبيلها، فتراخي جسدها تشعر بقدميها التي أصبحت كالهلام، فألقت بثقلها عليه بعد أن خارت مقاومتها، تستجيب لقبلاته التي فعلت بها الافاعيل.

طالت قبلته لها، داعما خصرها بذراعه العضلي، لا يود أن يستيقظ من حلمه هذا، ولكن عودة التيار الكهربائي أعادته إلى الأرض الواقع، فابتعد على مضض، يسند جبينه على جبينها وصوت أنفاسه يملأ السكون حولهما، فتحت عينيها لتودع هي الأخري تلك اللحظات المسروقة من حلمها رويداً رويداً، استعادت حس المنطق لديها وإعادتها إلى واقعها، فانتفضت مبتعدة بجسدها عنه، جاحظة العينين تستنكر فعلتها تلك، فرفعت يديها لتغطي فمها، تشعر بفداحة فعلتها، قالت وقد انفزعت ملامحها:

" أنا ايه اللى عملته ده؟! ازاي أعمل حاجه زي دي غلط كبير جداً"

إصابته كلماتها في مقتل، فألمت قلبه وهو يري ملامحها المفزوعه، كيف انجرف وراء مشاعره بهذا الانفلات، واستمع إليها تقول بصوت مرتبك:

"انت ابن جوزي لازم احط الحقيقة دي ادام عيني"

وهتف تقول بعصبية:

" لازم منساش الحقيقة دي"

تشنج جسده، يدرك أن هذا الانفلات سيكون له عواقب، وأولها فزعها هذا، ابتلع ريقه بصعوبة، يشعر بمراره حلقه يستشعر ندمها هذا كانه ناراً تحرق صدره، فقال محاولا إجلاء صوته:

"دي مش غلطتك، الغلط غلطي انا"

اقترب خطوه، فابتعدت هي أخري، فإنقبض قلبه، يقول:

" انا اسف، بس لو تعرفي انا حاولت اسيطر على نفسي ازاي"

اولته ظهرها لتخبا سيل الدموع، وقالت بلهجة متألمة:

" المشاعر دي لازم تتلجم، انا مرات ابوك"

هوت تجلس على المقعد بجانبها، تقول وكأنها تعذب نفسها بتلك الحقيقة المؤلمة:

" فاهم يعني ايه مرات ابوك"

نظرت إليه بأعين باكيه تصرخ:

" يعنى انا محرمه عليك، يعنى اللى حصل ده حرام، حرام يا (براااء)"

وانفجرت تبكي فاقدة تماماً السيطرة على تلك الدموع، ترفع كفيها تداري وجهها، تشعر بعار لاستسلامها هذا، تلعن نفسها ألف مرة وتلومها على شوقها الواضح له.

أما هو، التمع الدمع في عينيه، يشعر بدموعها تلك ناراً تسري في أوردته تكوي قلبه، فاقترب منها يجلس على عقبيه أمامها، يبعد كفيها، وقال:

" أرجوكي متلوميش نفسك أنا اسف واوعدك أنى اللي حصل ده مش هيكرر تانى بس ارجوكي متعيطيش"

رفعت يديها بعيداً عنه، ترجع شعرها خلف أذنها بحركة مرتبكة، تهز رأسها بالايجاب، حين وقعت عينيه على أثر اللكمة، رفع يديه ليلمسه بأطراف أصابعه، قائلاً بصوت متألم:

" ممكن تقوليلي بقي ايه اللى حصل؟"

أبعدت وجهها برقه عن مرمى يديه تدري الكدمة بشعرها دون رد، فهب واقفاً يهتف بعصبية:

" بابا اللى عمل كده؟؟"

اطرقت برأسها تنظر أرضا في صمت، مما أكد له حدسه، فتملكه الغضب وهو يقول:

" ليه؟؟! إيه اللي وصله أنه يعمل كده؟"

رفعت وجهها إليه، وقالت بلهجة مبتئسة:

" محصلش حاجه والله"

واعتصرت يديها، تقص عليه ما حدث، فعقد حاجبه يشعر بالغضب يصب بأوردته، وقال:

" عشان ايه........"

قطع حديثه رنين هاتفه، فأجاب بعصبية وقد تذكر سبب مجيئه إليها:

" نعم يا (علاء)"

سأله الآخر بتوجس حين أستمع إلى لهجة أخيه الحادة:

" (توليب) كويسة؟ اتاخرت ليه كده من غير ما تطمنا؟"

فرك الآخر جبينه قائلاً:

" كانت تعبانه شويه، عشان كده مكنتش بترد"

وجهت انظارها متعجبة إليه، وهي تستمع إليه يقول:

" أنا جاي دلوقتى يا (علاء)"

سألت بعد أن أغلق الهاتف:

" هو في حاجه ولا ايه؟ (علاء) بيسأل عليا ليه؟"

زفر (براء) يقص عليها بملامح متشنجه أحداث اليوم، ويخبرها سبب مجيئه إليها، فهبت واقفه، تقول بقلق:

" ثوانى وهكون جاهزة"

سحب ذراعيها يمنع تحركها، وقد لانت ملامحه وهو يري قلقها برغم ما فعله بها، يقول وهو يمتع عينيه بالنظر إليها من هذا القرب للمرة الأخيرة همساً:

" أنتي قلبك طيب أوي يا (توليب)"

------------------------------------

((فى صباح اليوم التالي))

دخل الشركة بملامح مظلمة لا تنذر بالخير ابدا، يسأل عن مكتب (بهاء) بغضب اظلم عينيه، وحين وصل، أوقفه أحدي الموظفات تسأله عما يريده قائلة:

" حضرتك محتاج حاجه؟ اقدر اساعدك؟"

هتف هو بانفعال قائلاً:

" انا عايز أقابل (بهاء الجارحي) حالا"

اجفلت الموظفة من انفعاله قائلة:

" (بهاء) بيه تعب امبارح ونقلوه للمستشفى"

اقترب منها بغته وقد فقد عقال صبره، يقول بصياح:

" هو اللي قالك تقوليلي الكلام ده؟"

ابتعدت الأخري وقد ملأ قلبها الذعر من هيئته العصبية تلك، تقول بصوت مهزوز:

"حضرتك ممكن تروح المستشفى وتتاكد بنفسك"

هدر بها بقوة، مما جعلها تنتفض، قائلاً:

" اسمها إيه المستشفى دي؟"

تركها بأقدام مرتعشة بعد أن عرف اسم المشفي، و بدأ يشق طريقه إلى هناك، يقول، وهو يستشيط غضباً:

" لو بتموت يا (بهاء) هاخد كل الفلوس اللي عايزها منك قبل ما تسلم روحك للخلقك"

-------------------------------------------

((فى المستشفى))

وقف (علاء) يرمق أخاه بنظرات متشككة، وهو يراه يتابع (توليب) التي ظهر الإرهاق على وجهها، ويبدو عليها الغرابه بمظهرها هذا، حيث كانت تخبا نصف وجهها بخصلات من شعرها، في مظهر بدأ مريبا، و لا يعلم لماذا.

في أثناء مراقبته لهما رن هاتفه، فنظر إليه وقد ارتسمت ابتسامه جانبية على فمه وهو يري اسمها ينير هاتفه، وما كان ذاك الإسم سوي (الشرسه) فرد بلهجة جادة مصطنعة:

" لسه بدري يا آنسه (نوران) والله، انا توقعت الاتصال ده من امبارح"

تلجلجت الأخري وقالت بخجل واضح في نبرتها:

" انا قلت اكيد مش هتكون فاضي ترد على مكالمات، عشان كده أجلت الاتصال للنهاردة"

تتمتم وهو يقول بصوت يبدو عليه الانهاك:

"فعلا دي حقيقه، انا مردتش على اي اتصال، بس لو كان الاتصال منك اكيد كان هيبقي في استثناء"

صمتت يكسوها حمره الخجل، وسألته بصوت خافت بعدما شرح لها وضع ابيه:

" انت كويس؟ صوتك مرهق أوي"

زفر قائلاً وهو يفرك عينيه:

" انا كويس الحمدلله، وهبقي احسن لما اطمن علي الحج أن شاء الله"

"ان شاء الله، هيبقي كويس متقلقش"

"ادعيله يا (نوران)"

دق قلبها عندما استمعت إلى اسمها منفرداً هكذا دون القاب، وهي تدعو له بالشفاء العاجل، فقال هو متابعا لاخيه الذي اقترب من (توليب) عارضاً عليها الطعام بإلحاح:

"(مازن) ايه اخباره؟"

تحدثت (نوران) بكلمات كثيرة، لم يعي منها شيئاً، فهو متعجب من حاله أخيه يراه وهو ينزل أمامها على عقبيه، يحدثها بكلمات لا تصل إليه ولكن يبدو أنها اقتنعت بما أخبرها به وأخذت منه الطعام، وشرعت في تناوله، انتبه إلى محدثته حين نطقت باسم ذاك (الرامي) فقاطعها قائلاً بحدة:

" ماله (رامي)؟ ماخدتش بالى بتقولى ايه ؟"

اجفلت الأخري من حدته قائلة:

" شكلك مشغول اكلمك وقت تانى"

ولكنه هتف دون أن يبالى بما قالته:

" قولتي ايه على (رامي) دلوقتى ؟!"

تاففت تقول:

"قولت أنه هو اللى هيرجع (مازن) البيت بعد جلسة العلاج الطبيعي وأنك ما تتعبش نفسك وتيجي انت، زي ما قولت قبل كده"

ضرب (علاء) جبهته متذكرا أنه قد وعد (مازن) أنه هو من سيرجعه إلى البيت كل مرة بعد كل جلسه ليكون تشجيعاً له، فقال بلهجة قاطعة:

" لا، انا اللي هاروح زي ما وعدته"

ثم قال ساخراً:

" وابقي قولي لسي (رامي) ده شاكرين تعبك والله"

فتحت فمها بإتساع من لهجته الساخرة، وقالت:

" نعم !!!...."

ولكنه أكمل بغيره مغلفه بالسخرية:

" وما تخلوهش ياخد عليكي بالشكل ده، لدرجة أنه يناديكي باسمك كده عادي"

اشتعل الغضب بجسدها وهي تقول وقد ارتفع صوتها قليلاً:

" أولا أنا مسمحتش لحد أنه ياخد عليا، ثانياً انا مقبلش انك تتكلم معايا بالطريقة دي أصلا"

ضحك ضحكه متسلطة وهو يقول وقد اشتاق لمناكفتها:

" هو ده بالظبط إلى عايزك تعمليه مع (رامي) باشا"

وبعدها اغلق معها، بعد أن تلذذ بتلك المناكفة، يسأل نفسه لما يضايقه ذاك (الرامي) لما يهتم بتلك الشرسة من الأساس.

وفجأة قطعت أنفاسه شاهقا حين رأي وجه (توليب) بعد أن ابعدت شعرها عن وجهها وعلى ما يبدو أنها نسيت انها تواري به تلك الكدمة الزرقاء تحت عينيها.

----------_--_-------_--------

قرأءة ممتعه للجميع 🥰

لسه المفاجأت جاي والأحداث، مستنيه رايكم ودعمكم وتشجيعكم 🥰

اسماء صالح

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عين باسمة وقلب متألم

المؤلف Asmaa saleh
2025/10/19 مكتملة
قائمة الفصول (42)
الفصل ٠: المقدمة
2025/10/19
الفصل 1: الفصل الاول
2025/10/24
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/24
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/24
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/24
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/24
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/24
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/24
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/24
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/24
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/24
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/24
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/24
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/24
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/24
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/10/25
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/25
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/25
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/25
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/25
الفصل 00: توضيح
2025/10/25
الفصل 20: الفصل العشرين
2025/10/25
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرين
2025/10/25
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرين
2025/10/25
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرين
2025/10/25
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرين
2025/10/25
الفصل 26: الفصل السادس والعشرين
2025/10/25
الفصل 27: الفصل السابع والعشرين
2025/10/25
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرين
2025/10/25
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرين
2025/10/25
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/25
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/10/25
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/25
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/25
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/26
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/26
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/26
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون والاخير
2025/10/26
الفصل 40: الخاتمة
2025/10/26

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة