الفصل السادس والعشرون
الاحتمال الوحيد
كان الضباب يزداد كثافة.
الأشجار أصبحت مجرد ظلال سوداء متداخلة، والأرض تحت أقدامهم مبللة بالماء والدم.
وقف وليد أمام آدم.
كانت البيضة المتشققة على الأرض بينهما.
أما خالد فكان بعيدًا قليلًا، يراقب المعركة دون أن يتدخل.
كان يعرف أن ما يحدث الآن ليس قتالًا عاديًا.
إنه صراع بين قدرتين يصعب التنبؤ بهما.
الاحتمال... والمرآة.
رفع آدم يده.
وفي اللحظة نفسها، اندفع وليد.
- دائرة العشوائية!
تحركت الاحتمالات حول جسده.
لكمة.
ثم أخرى.
لكن آدم صد الأولى، وتفادى الثانية.
استدار وليد وسدد ضربة إلى جانبه.
رفع آدم ذراعه وصدها.
ثم تراجع خطوة.
كان يراقب وليد بدقة.
"إنه لا يتنبأ فقط..."
"إنه يختار مسارًا مناسبًا ثم يجبر جسده على اتباعه."
أما وليد فكان يفكر في شيء آخر.
"إنه سريع..."
"إذا استمر القتال بهذه الطريقة، فسأرتكب خطأ."
اندفع آدم.
ركلة.
تفاداها وليد.
لكمة.
انحنى.
ثم حاول توجيه ضربة إلى صدر آدم.
تراجع آدم في اللحظة الأخيرة.
- أنت تتحسن.
قال وليد:
- وأنت تتحدث كثيرًا.
ابتسم آدم.
ثم اندفع مجددًا.
وفجأة...
توقف آدم.
نظر إلى يده.
كانت البيضة لا تزال معه.
اتسعت عيناه قليلًا.
"لحظة..."
بدأ يحسب الوقت.
"حين وصل وليد، كانت البيضة معه."
"وبعدها حملتها أنا..."
نظر إلى ساعته.
"لقد مر دقيقتان تقريبًا."
ثم رفع عينيه نحو وليد.
"إذن..."
"لقد حملها هو قبل أن أصل إليه لأكثر من ثلاث دقائق."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
- فهمت.
قال وليد:
- ماذا فهمت؟
لم يجب آدم.
بل رفع يده.
- مرآة الاستنساخ.
ظهر انعكاس أمامه.
ثم بدأ يتشكل.
كان يشبه وليد.
نفس الوقفة.
نفس طريقة التنفس.
حتى حركة اليد.
حدق وليد فيه.
- إنه يقلدني؟
قال آدم:
- المرآة لا تنسخ الشكل فقط.
تحركت النسخة.
- إنها تنسخ ما تراه.
نظر وليد إلى آدم.
- هذا مزعج.
أجاب آدم:
- والوقت يمر.
تراجع وليد.
كان يعلم أن المواجهة المباشرة لن تكون في صالحه.
ظهرت أمامه عدة خيوط.
أخضر.
أحمر.
أصفر.
ثم...
خيط واحد فقط.
قال وليد:
- الاحتمال الوحيد.
رفع آدم يده.
- المرآة المستنسخة... اثنان.
ظهر شخص ثانٍ بجانبه.
توقف وليد.
- اثنان؟
قال آدم:
- حاليًا يمكنني استنساخ اثنين مني.
نظر وليد إلى النسختين.
ثم إلى آدم الأصلي.
ثلاثة خصوم.
واحد منهم حقيقي.
اثنان مجرد نسخ.
لكن المشكلة لم تكن معرفة أيهم الحقيقي.
بل أن كل واحد منهم يستطيع القتال.
قال وليد:
- اثنان، هاه؟
ظهرت خطوط الاحتمالات حول جسده.
كانت متشابكة.
تتحرك بسرعة.
ثم وجد المسار.
- وجدتك.
اندفعت النسختان.
أحدهما يحمل سيفًا زجاجيًا.
والآخر يهاجم من الجهة المقابلة.
تحرك وليد بخطوة جانبية.
مر السيف الأول بجانبه.
انحنى.
مرت الضربة الثانية فوق رأسه.
ثم استدار.
قبضته اصطدمت ببطن النسخة الأولى.
كراك!
تشققت النسخة كأنها مصنوعة من الزجاج.
تراجع وليد.
لكن النسخة لم تختفِ.
فجأة...
سمعوا صوت رفرفة.
رفع وليد رأسه.
- ماذا الآن؟
خرجت مجموعة من الخفافيش من بين الأشجار.
ثم أخرى.
ثم عشرات.
صرخ آدم:
- الخفافيش!
انقضت عليهما.
رفع آدم يده.
تشكلت أمامه مجموعة من المرايا الزجاجية.
اصطدمت بها الخفافيش.
تحطم!
تطاير الزجاج.
أما وليد فلم يتوقف.
كان هدفه آدم.
اندفع بين الخفافيش.
تفادى الأولى.
الثانية.
الثالثة.
ثم...
دوم!
ضربته النسخة الثانية في كتفه.
تراجع وليد مترين.
قطرات من الدم سقطت من كتفه.
رفع رأسه.
كان آدم الأصلي يبتسم.
- الآن فهمت؟
مسح وليد الدم عن كتفه.
- فهمت شيئًا واحدًا.
- ماذا؟
- أنني أكره المرايا.
رفع وليد يده.
- دائرة العشوائية...
تغير الهواء حوله.
تداخلت الاحتمالات.
بدأت الخفافيش تصطدم ببعضها.
والنسخ تحاول ضربه دون أن تعرف أي مسار سيسلك.
قال آدم:
- ماذا تفعل؟
نظر وليد إليه.
- أغير القاعدة.
تغيرت ملامح آدم.
- ماذا؟
النسخة التي كانت قد تشققت...
بدأت تتحرك.
الشروخ الموجودة على جسدها لم تختفِ.
بل بدأت تتجمع.
ثم تعيد تشكيل نفسها.
قال آدم:
- المرآة لا تنكسر...
ثم ضيق عينيه.
- بل تعكس الضرر فقط.
فجأة...
انفجار!
انفجرت النسخة المتشققة.
تناثرت شظايا زجاجية في كل اتجاه.
لكن وليد لم يكن هناك.
كان قد تحرك قبل الانفجار بلحظة.
وقف خلف آدم.
اتسعت عينا آدم.
استدار.
لكن وليد كان أسرع.
اندفع نحوه.
حاولت النسخة الثانية اعتراضه.
تحرك وليد إلى الجانب.
ثم إلى الأمام.
ومر من خلالها وكأن جسده انحرف عن الواقع نفسه.
توقف آدم للحظة.
- كيف...؟
ظهر وليد أمامه.
قال:
- الاحتمال الوحيد...
ثم قبض يده.
- هو الشيء الذي لا تستطيع نسخه.
دووووم!
لكمة مباشرة إلى صدر آدم.
طار آدم للخلف.
اصطدم بالأرض.
وتدحرج عدة أمتار.
وفي اللحظة نفسها...
سقطت البيضة من يده.
ارتطمت بالأرض.
تشقق صغير.
ساد الصمت.
وقف وليد يلهث.
أما آدم...
فكان يحاول النهوض.
اختفت النسختان تدريجيًا.
نظر آدم إلى وليد.
"هذا ليس مجرد توقع..."
"هو يختار أي مستقبل يحدث."
نهض آدم.
مسح الغبار عن ملابسه.
- لم تنتهِ.
قال وليد:
- أعرف.
انطلق آدم.
- مرآة معاكسة!
ظهرت أمامه مرآة ضخمة.
في اللحظة نفسها، تحرك وليد.
- الاحتمال الوحيد!
لكمة من الجانب.
تحرك آدم.
صدها.
ركلة من الأسفل.
تفاداها وليد.
ثم ضربة أخرى.
كانت حركاتهما تتسارع.
خالد، الذي كان يراقب من بعيد، قال:
- إنهما مجنونان.
لم يجد أي منهما وقتًا للنظر إليه.
تغيرت المسافة بينهما.
آدم حاول توجيه ركلة نحو وليد.
ظهر خيط أحمر.
ثم أخضر.
اختار وليد المسار الأخضر.
انحنى.
مرت الركلة فوق رأسه.
وفي اللحظة التالية...
وجه ضربة مباشرة نحو البيضة.
كراااك!
تحطمت البيضة.
توقفت المعركة.
نظر آدم إلى البيضة.
ثم إلى وليد.
قال وليد:
- فزت.
ابتسم آدم.
- لا.
تجمد وليد.
جاء صوت من بعيد.
هادئ.
واضح.
- تم إقصاء الفريق.
التفت الثلاثة.
كانت فاطمة تقف بين الأشجار.
قالت:
- البيضة بقيت معك مدة تجاوزت الخمس دقائق.
صمت وليد.
- ماذا؟
رفعت فاطمة حاجبها.
- القوانين واضحة.
نظر وليد إلى البيضة المحطمة.
ثم إلى آدم.
قال آدم بابتسامة ساخرة:
- أعطيتك لحظة فرح.
اقترب منه.
- أنا كريم بطبعي.
نظر إليه وليد بوجه جامد.
- أنت مستفز.
ضحك آدم.
أما خالد...
فلم يقل شيئًا.
كان ينظر إلى وليد.
ثم إلى البيضة.
ثم قال:
- على الأقل حطمناها.
التفتت فاطمة إليهم.
- وهذا بالضبط ما ستتعلمون منه.
ثم أضافت:
- الفوز لا يعني دائمًا أن تكون أقوى.
سكت الجميع.
- أحيانًا...
نظرت إلى البيضة المحطمة.
- يعني فقط أن تفهم القاعدة قبل أن تبدأ اللعب.
أيمن صلاح الدين