الفصل الثامن والأربعون: الهروب من الموت
كان الليل قد أرخى ستاره الثقيل على المملكة، وبدا القمر بدراً كاملاً يسكب ضوءه الفضي الشاحب فوق المقبرة، بينما كانت الرياح الباردة تحرك أغصان الأشجار بصوت خافت يبعث على القلق والرهبة.
وفي أحد أركان المقبرة المظلمة، كان لِمين يقف إلى جانب مدبر منزل عائلة آل ريام، أمام أحد القبور القديمة. قال لِمين وهو يتلفت حوله بحذر: — طارق ليس هنا في الأكاديمية... لذا فهذه هي الفرصة المناسبة لننفذ ما خططنا له.
جاءه صوت أنثوي حاسم من الخلف: — وأي فرصة تعنيها يا لِمين؟
استدار لِمين بسرعة ليفاجأ بفطمة تقف هناك، حاملة في يدها دلوًا صغيرًا وبعض أدوات التنظيف. حدق بها باستغراب شديد: — ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت يا فاطمة؟
أجابته بنبرة هادئة وثابتة: — أنا هنا بناءً على طلب مباشر من المدير.
ثم أشارت برأسها نحو القبر: — لقد أخبرني أن طارق مشغول بمهمة خاصة خارج الأكاديمية، ولذلك فأنا مكلفة حالياً بسقي هذا القبر والاعتناء به نيابة عنه.
ضيق لِمين عينيه بتهكم: — أعتقد أنه لا شأن لك بظروف عائلتنا ولا بأمور قبورنا.
رفعت فاطمة حاجبها بتحدٍّ: — طارق أحد ألمع تلاميذي في الأكاديمية. لذا، فشأنه من شأني، وما يعنيه يعنيني.
صمت لِمين لحظة، محاولاً تقدير الموقف، ثم قال ببرود مصطنع: — حسنًا... سأتركك لشأنك إذن.
ابتسمت فاطمة ابتسامة ساخرة ولاذعة: — تتركني؟ هه...
اقتربت منه خطوة واحدة بثقة مرعبة: — كل ما في الأمر أنك لست جديراً بمجابهتي، وتدرك تماماً أنك لا تستطيع فعل شيء هنا.
تغيرت ملامح لِمين وتجهم وجهه غضباً، لكنه ابتلع إهانته. تابعت فاطمة بصوت بارد: — عائلة آل ريام... لولا وجود طارق بين صفوفكم، لما كنتم أكثر من مجرد يرقات تتصارع بضعة أيام في الظلام.
ساد صمت مطبق ومحرج، ولم يجد لِمين حرفًا واحدًا يرد به على كلماتها اللاذعة، فاستدار وغادر بخطوات متثاقلة.
وبعد مرور يومين كاملين...
كان الطريق المؤدي إلى حدود المملكة هادئاً بشكل مريب. على جانب الطريق المعبد، كان طارق مستلقياً بلا مبالاة تحت إحدى الأشجار الضخمة، ناطقاً بغطيط عميق ونوم هادئ، وكأن العالم بأسره وما يحمله من صراعات لا يعنيه في شيء.
وفي نفس الوقت، كانت عربة تجرها الخيول تسير ببطء على الطريق، محاطة بعدد من أشداء حرس مملكة سيفار. داخل العربة المعتمة، كان وليد يجلس مقيد الأيدي بإحكام، ناظراً من النافذة الصغيرة بأسى، ثم تنهد بعمق: — لماذا يجب أن يحدث كل هذا لي؟ كل ما أردته حقاً... هو أن أعيش في هذه الحياة بهدوء وسلام.
خفض رأسه بيأس لحظات، وفجأة... توقف موكب العربة مكانها فجأة.
رفع وليد رأسه باستغراب شديد. في الخارج، ساد صمت غريب، ثم قطع السكون صوت قائد الحرس بصوت عالٍ: — توقفوا! هناك شخص ما يعترض طريقنا!
في الجهة المقابلة من الطريق، فتح طارق عينيه ببطء شديد. تثاءب بكسل، ثم جلس متثاقلاً وهو يفرك عينيه: — لقد تأخرتم حقاً أكثر مما ينبغي...
تمطى بملل، وأضاف: — لقد نمت يومين كاملين وأنا أنتظر هذه اللحظة.
اقترب أحد حرس سيفار منه بحذر شديد شاهراً سلاحه: — من أنت أيها الوغد؟ وماذا تفعل في طريق محظور كهذا؟
نظر إليه طارق بنظرة فارغة تخلو من أي اهتمام: — لا داعي لأن تعرف من أكون...
ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة وغامضة: — لأنك ولأسفك الشديد... لن تتذكر أي شيء من هذا أساساً.
وفجأة... تغير العالم بأسره من حولهم في لمح البصر!
اختفى الطريق المعبد... واختفت الأشجار الضخمة... واختفت السماء المظلمة. ووجد الجميع أنفسهم فجأة محاطين بمساحة بيضاء نقية لا نهاية لها، إنها "أرض الأحلام".
نظر الحرس حولهم بقمة الارتباك والذعر: — ماذا حدث؟! أين نحن بحق الجحيم؟!
لكن طارق لم يمنحهم فرصة لاستيعاب الصدمة. تحرك بسرعة خاطفة كالبرق؛ ضربة لكمة دقيقة هنا، وركلة قاطعة هناك. وفي ثوانٍ معدودة، سقط الحرس فاقدي الوعي واحدًا تلو الآخر على الأرض البيضاء. لم يكن القتال بالنسبة لقدرات طارق الفريدة سوى تمرين بسيط وسهل.
وقف طارق بمنتصف تلك المساحة البيضاء، ثم مد يده مستخدماً قدرته: — التلاعب بالذكريات.
انتشرت موجة طاقة خفية وغير مرئية عبر أرجاء أرض الأحلام، فبدأت ذكريات الحرس تتشوه، وتتداخل، ثم أعيد ترتيبها وصياغتها تماماً كما أراد طارق وبدقة متناهية.
وبعد لحظات، اقترب من العربة وفتح بابها الخشبي بقوة. نظر وليد إليه بذهول مطبق: — طارق؟!
ابتسم طارق بخفة: — مرحباً يا وليد، يبدو أن موعد وصولك قد تأجل قليلاً.
سأله وليد بدهشة: — ما الذي تفعل هنا بحق السماء؟
أجاب طارق ببساطة مستفزة: — صادف مروري من هنا صدفة بحتة... المهم، لنرحل فوراً قبل أن يفيقوا.
حدق وليد فيه بعدم تصديق: — لكن... إن رحلت معكم، فماذا عنهم وعن أمري؟ سيرون أنني هربت!
قاطعه طارق بلا مبالاة: — لا تقلق بشأن هذه التفاصيل التافهة.
ثم أشار بيده نحو عربة جانبية أخرى أحضرها مسبقاً: — لقد أحضرت معي جثة مطابقة للمواصفات لتحل مكانك تماماً داخل العربة.
اتسعت عينا وليد بصدمة تامة: — جثة؟! هل قتلت شخصاً بريئاً من أجلي؟!
هز طارق رأسه بنفي قاطع: — لا داعي لكل هذا القلق المبالغ فيه. هو بالأصل شخص مجرم محكوم عليه بالإعدام مسبقاً، وقد أرحت القضاة منه.
صمت وليد مذهولاً من طريقة تفكير رفيقه. تابع طارق ببرود: — لقد قمت بتعديل ذكريات هؤلاء الحرس بالكامل داخل أرض الأحلام. كل ما سيتذكرونه حين يفيقون هو أن شخصاً قوياً مجهولاً هاجمهم بوحشية... وقتلك أنت أمام أعينهم.
توقف قليلاً، ثم أردف بابتسامة خبيثة: — وباختصار شديد، أنت الآن في عداد الموتى بالنسبة لعالم النبلاء ولمملكة سيفار.
نظر وليد إلى طارق بصمت عميق وطويل، ثم قال بصدق: — أنت مخيف يا طارق... أكثر بكثير مما كنت تظن.
ابتسم طارق بهدوء: — لنذهب إذن.
— وإلى أين نحن مذهبان؟ استدار طارق ليمضي: — إلى منزلك بالطبع.
توقف وليد مكانه بصدمة: — منزلي؟! ولماذا؟
نظر إليه طارق من فوق كتفه نظرة دافئة: — هناك أمور كثيرة يجب إنجازها وترتيبها... وأيضاً، أعتقد يقيناً أنك اشتقت كثيراً لرؤية أهلك وأحبائك بعد كل هذه المتاعب.
لم يجب وليد بكلمة واحدة، لكن ابتسامة صادقة ودافئة رَسَمَت نفسها على وجهه للمرة الأولى منذ أيام طويلة من القهر والتوتر.
وفي مكان آخر بعيد عن العاصمة...
كان جاك يقف برفقة شادو وأيمن وفاتح، يتابعون بتركيز بالغ آخر الأخبار التي وصلت إليهم بشأن الأزمة والتسوية السياسية الأخيرة.
قال جاك وهو يشبك يديه: — يبدو أن النبلاء تمكنوا كالعادة من تجنب الحرب بمعجزة.
ثم عقد حاجبيه بتساؤل: — لكن كيف استابوا لأن يغلقوا الملف بهذه السرعة؟
أجاب شادو بصوته الهادئ: — المعلومات تؤكد أنهم توصلوا إلى تسوية سياسية سرية مع سيفار.
رفع أيمن حاجبه بسخرية: — تسوية؟! وعلى حساب من؟
أجاب فاتح مكملًا: — لقد ألقى النبلاء اللوم كاملاً على فتىً مسكين يدعى وليد، ليكون هو كبش الفداء.
نظر جاك إليه باهتمام بالغ وبصيغة استهزاء: — ووليد هذا... ما سبب إقحامه من الأساس؟
أجاب فاتح: — مما عرفته بدقة، أنه ذهب إلى هناك متسللاً بمفرده، ولم يكن ضمن المهمة الرسمية أصلاً، مما جعله هدفاً سهلاً للتضحية.
سكت جاك للحظة طويلة، يقلب الأمر في عقله، ثم ابتسم بحدة: — وإن كان الأمر كذلك حقاً... فإن عائلته لن تمرر هذه المسرحية بسهولة.
تدخل شادو محذراً: — وهنا تكمن المشكلة الحقيقية يا جاك.
نظر إليه جاك بتركيز: — ماذا تقصد؟
— وليد لا ينتمي إلى طبقة النبلاء المتنفذة... بل هو مجرد فتى من العامة لا حول له ولا قوة.
اتسعت عينا جاك من الغباء الذي يعتري عقول النبلاء، ثم بدأ يضحك بصوت عالٍ: — إنه من العامة؟! ألقوا التهمة على عامي لا يملك سنداً؟!
خفض رأسه قليلاً، وكأن اللعبة أصبحت أكثر إثارة ومتعة بالنسبة إليه: — إذن... أولئك الأغبياء من النبلاء وجدوا الضحية المثالية لتغطية فشلهم.
قال فاتح بغضب وكراهية: — أولئك الأوغاد لا يهمهم سوى كراسيهم!
ضحك جاك بمكر، ثم وجه نظره نحو الأفق حيث تلوح أضواء القصور بعيدة: — لا تقلق يا صديقي... فلن ينعم أولئك النبلاء بعرشهم طويلاً.
ظهرت على وجهه ابتسامة حادة وخطيرة: — فنحن قريباً... من سنقيم العدل وننزلهم عن عرشهم الزائف.
وساد الصمت في المكان.
كان القمر لا يزال يرسل ضوءه الساطع ليغطي أرجاء المملكة... لكن خلف ذلك الضوء الهادئ، كانت عاصفة دموية أكبر وأعنف بكثير تقترب بصمت لتهز أركان العالم بأسره.
أيمن صلاح الدين