الفصل الواحد والثلاثون : وعدٌ لا يجف
عاد الفريق من المهمة مع اقتراب المساء.
كانت خطواتهم ثقيلة، وملامح التعب واضحة على وجوههم. لم يتحدث أحد عن تفاصيل ما حدث، وكأن كل واحد منهم كان يحاول ترتيب ما عاشه داخل رأسه.
عندما وصلوا إلى المكان الذي كان ينتظرهم فيه الأستاذ، رفع عينيه نحوهم.
كان وجهه أكثر جدية من المعتاد.
قال بصوت هادئ لكنه حازم:
- عادل... ما حدث هناك سيبقى بيننا. أفهمتم؟
نظر عادل إليه لثوانٍ، ثم أومأ بصمت.
أما خالد، فلم يستطع إخفاء استغرابه.
- ولماذا؟
التفت الأستاذ إليه.
- تجاوز الأمر.
سكت لحظة، ثم أكمل:
- التدريبات انتهت... ومن الآن فصاعدًا، أصبحت الأمور جدية.
شعر الجميع بثقل كلماته.
لم يكن الأستاذ يتحدث عن تدريب عادي، بل عن شيء أكبر بكثير.
بعد لحظات، استدار عادل وغادر دون أن يقول شيئًا.
ظل وليد يراقبه حتى اختفى عن الأنظار، ثم التفت إلى رفاقه.
- ماذا سنفعل الآن؟
أجابت مريم وهي تتنهد:
- سنعود للدراسة.
قال خالد وهو يرفع كتفيه:
- هذا أكيد.
في نهاية اليوم
حل الظلام فوق الأكاديمية.
كانت الممرات هادئة، والطلاب بدأوا يعودون إلى مراقدهم بعد يوم طويل من الدراسة والتدريب.
كان وليد يسير برفقة مريم وخالد، حين لمح شخصًا من بعيد.
توقف فجأة.
- أليس ذلك طارق؟
التفتت مريم بسرعة.
وما إن رأته حتى تغيرت ملامحها، وظهر الغضب في عينيها.
- ماذا يفعل هنا؟
كان طارق يسير وحده، بخطوات هادئة، وكأنه لا يشعر بأحد من حوله.
وفي اللحظة نفسها، رأى وليد ضوءًا أخضر خافتًا ينساب خلف طارق.
اتسعت عيناه.
- ماذا...؟
رفع يده بسرعة.
- لكنني لم أفعل قدرتي!
كان الضوء الأخضر يتحرك خلف طارق دون أن يصدر صوتًا.
قال وليد بجدية:
- علينا أن نتبعه.
نظرت إليه مريم باستغراب.
- لماذا؟
التفت إليها وليد.
- لأنه مهم لك... ولي أيضًا.
ترددت مريم للحظة، ثم أومأت.
- حسنًا.
تسلل الثلاثة خلف طارق، محافظين على مسافة آمنة.
كان خالد يسير في الخلف، يراقب المكان بعناية، بينما كان وليد يركز على الضوء الأخضر الذي يظهر ويختفي خلف طارق.
استمروا في السير حتى ابتعدوا عن الأكاديمية.
وبعد مسافة طويلة، وصل طارق إلى مكان هادئ.
مقبرة.
دخل من بوابتها الحجرية دون تردد.
تبادل وليد ومريم وخالد النظرات، ثم تبعوه بحذر.
كانت الرياح تمر بين القبور، وتحرك أغصان الأشجار اليابسة، بينما كان ضوء القمر الخافت يغطي المكان بهدوء غريب.
واصل طارق السير حتى توقف أمام قبر محدد.
تجمدت مريم في مكانها.
اتسعت عيناها، وبدأت أنفاسها تتسارع.
- ماذا يفعل أخي...؟
نظرت إلى القبر.
ثم شهقت.
- أليس هذا قبر والدتي؟
تحول الحزن في عينيها إلى غضب.
قبضت يديها بقوة.
- هذا الوغد... يدنس قبر والدتي!
اندفعت خطوة إلى الأمام.
لكن خالد أمسك بذراعها بسرعة.
- انتظري!
همست مريم بغضب:
- اتركني!
- لا.
ظل خالد ممسكًا بها، بينما أشار وليد إليهما بالبقاء هادئين.
كان طارق واقفًا أمام القبر بصمت.
ثم وضع بجانبه دلوًا من الماء.
انحنى، وحمل الدلو بكلتا يديه، وبدأ يسكب الماء فوق القبر.
توقف للحظة.
حدق في القبر بعينين هادئتين، لكن الحزن كان واضحًا في أعماقهما.
ثم قال بصوت منخفض:
- لم يجف قبرك يومًا أيضًا... أليس كذلك؟
ظل صوته هادئًا.
لا غضب.
لا ابتسامة.
فقط حزن عميق أخفاه خلف ملامح جامدة.
بعدها وضع الدلو جانبًا.
استدار.
وغادر المقبرة دون أن ينظر خلفه.
ظل الثلاثة يراقبونه حتى اختفى.
قال وليد:
- ماذا يقصد بذلك؟
أجابت مريم وهي تنظر إلى القبر بغضب:
- لا شيء... إنه مجرد شخص أحمق يلهو.
نظر خالد إلى القبر، ثم قال:
- أهو كذلك؟
لم يجب وليد.
كان شيء ما في تصرف طارق يخبره بأن الأمر أعمق بكثير.
نظر إلى مريم.
كانت لا تزال غاضبة، ولم تكن تعرف الحقيقة.
وفي داخله دار سؤال مؤلم:
هل أخبرها بأعز ذكرى لطارق؟
لكنه سرعان ما تراجع.
لا...
أنا لا أضمن حياتها.
أنا لست قويًا بما يكفي لأتصدى له إذا اكتشف أنها عرفت.
خفض وليد عينيه.
قالت مريم:
- دعونا نذهب.
رفع وليد رأسه.
- هيا.
غادر الثلاثة المقبرة بصمت.
وخلفهم بقي القبر مبتلًا بالماء...
وكأن أحدًا كان يحاول منذ سنوات ألا يسمح له بالجفاف.
اليوم التالي
مع حلول الصباح، عادت الأكاديمية إلى حياتها المعتادة.
أصوات الطلاب ملأت الممرات، والمدرسون بدأوا أعمالهم، بينما كان وليد يسير نحو مكتب المدير.
طرق الباب.
- ادخل.
فتح وليد الباب.
كان المدير جالسًا خلف مكتبه.
رفع رأسه، وما إن رأى وليد حتى ابتسم.
- مرحبًا يا وليد.
اقترب وليد.
- مرحبًا.
ابتسم المدير وقال:
- كيف تبلي أنت وحفيدي؟
أجاب وليد:
- حفيدك؟!
ثم أضاف:
- إنه في مراكز متقدمة.
ابتسم المدير بفخر واضح.
- طبعًا...
ثم اتكأ على كرسيه.
- فهو حفيدي.
لكن وليد لم يبتسم.
ظل شارد الذهن.
لاحظ المدير ذلك فورًا.
- أخبرني... ما بك؟
رفع وليد عينيه إليه.
تردد قليلًا، ثم قال:
- لقد تبعت طارق إلى المقبرة.
تغيرت ملامح المدير قليلًا.
تابع وليد:
- ورأيته يرمي الماء على قبر ما.
ساد الصمت.
نظر المدير إليه بجدية.
ثم قال:
- من الجيد أنه لم يكتشف أمرك.
توقف لحظة.
- وإلا... لقتلك.
ابتلع وليد ريقه.
ثم سأل:
- هل تعرف سبب قيامه بذلك؟
خفض المدير عينيه للحظات.
وعندما تحدث، تغير صوته.
- إنه بسبب وعد.
اقترب وليد قليلًا.
- أي وعد؟
تنهد المدير، ثم قال:
- لقد وعد طارق أباه... أنه سينسى أمه يوم يجف قبرها.
تجمدت ملامح وليد.
أكمل المدير:
- ومنذ تلك الليلة، وهو يزور قبر أمه باستمرار.
- يسقيه بالماء حتى لا يجف.
ظل وليد صامتًا.
قال المدير:
- منذ وفاتها، وهو يفعل ذلك.
ثم أضاف بصوت أكثر حزنًا:
- ليس لأنه يريد فقط أن يحافظ على القبر...
رفع عينيه نحو وليد.
- بل لأنه يريد أن يحافظ على ذكراها.
خفض وليد رأسه.
تابع المدير:
- طارق يخشى أن يأتي يوم يجف فيه القبر...
- فيكون قد نسي أمه.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
ثم قال المدير:
- والمفارقة المؤلمة...
توقف قليلًا.
- أنه رغم كل ما يفعله كي لا ينساها، فقد نسي بالفعل شعور السعادة الذي كان يربطه بها.
نظر وليد إليه بصمت.
أكمل المدير:
- لم يعد يتذكر ضحكاتها كما كانت.
- ولا دفء وجودها.
- ولا الأيام الجميلة التي عاشها معها.
ثم قال بنبرة حزينة:
- الشيء الوحيد الذي بقي في ذاكرته بوضوح... هو الحزن الذي رافق يوم موتها.
خفض وليد عينيه.
بدأ يفهم شيئًا لم يستطع رؤيته من قبل.
طارق لم يكن يسقي قبر أمه لأنه يريد تدنيسه...
بل لأنه كان يخاف من فقدان آخر شيء يربطه بها.
قال المدير بصوت منخفض:
- وليد...
رفع وليد رأسه.
- إياك أن تخبر أحدًا.
ثم نظر إليه نظرة حازمة.
- يجب أن يبقى هذا الأمر بيني وبينك.
أومأ وليد بصمت.
لكن في أعماقه، لم يعد يرى طارق كما كان يراه من قبل.
لقد رأى خلف قسوته شخصًا يعيش كل يوم مع وعد قديم...
وكل ليلة، كان يخشى أن يجف الماء...
فيجف معه آخر أثر لأمه في ذاكرته.
أيمن صلاح الدين