ثمن القوة

ثمن القوة

35 0

الفصل الثامن والثلاثون: ثمن القوة

بلغ طارق السابعة عشرة من عمره.

وبلغت مريم الرابعة عشرة.

مرت السنوات بسرعة، لكن آثارها لم تمر بالسهولة نفسها.

في صباح أحد الأيام، كان طارق يستعد لمغادرة القصر متجهًا نحو المدرسة.

وقف الخدم على جانبي الطريق، وكانت ملامح الخوف واضحة على وجوههم.

لم يكن أحد منهم يجرؤ على الاقتراب منه كثيرًا.

— بالتوفيق، سيدي.

أومأ طارق دون أن يتوقف.

ثم ألقى نظرة سريعة حوله.

كانت مريم غائبة.

لم تكن في المكان.

لكنه كان يعرف السبب.

كانت تختبئ منه خوفًا.

ابتسم طارق ابتسامة صغيرة.

— هذا جيد.

ثم غادر.

وصل طارق إلى المدرسة، وما إن دخل حتى بدأت الأنظار تتجه نحوه.

توقفت بعض الأحاديث.

وتعالت الهمسات في أرجاء المكان.

كان الطلاب قد سمعوا الكثير عنه.

بعضهم قال إنه عبقري.

وآخرون تحدثوا عن قوته.

وآخرون رووا قصصًا مبالغًا فيها عن شخصيته وقسوته.

لكن الحقيقة أن أحدًا منهم لم يكن يعرف طارق فعلًا.

وبينما كان يسير في الممر، التقى بأحد الأساتذة.

كان عادل.

نظر إليه عادل للحظات، ثم ابتسم.

— أنت الطفلة الأعجوبة؟

توقف طارق.

نظر إليه بهدوء.

— وأنت عادل؟

ثم أضاف:

— هل الأخبار صحيحة؟

رفع عادل حاجبه.

— أي أخبار؟

— سمعت أنك أصبحت نبيلًا ساقطًا.

ضحك عادل بخفة.

— الأخبار تنتشر بسرعة.

ابتسم طارق.

— هذا لأنك مشهور.

ثم سأله مباشرة:

— ما سبب سقوطك إذن؟

أجاب عادل:

— خلافات مع رئيس العائلة.

صمت طارق للحظة.

ثم قال:

— يبدو أن الأشياء السيئة تحدث لأناس جيدين.

نظر عادل إليه باهتمام.

لكن طارق أكمل:

— بل للأشخاص الجيدين والسيئين على حد سواء.

ثم أضاف:

— الفرق أن لكل شخص طريقته في التعامل معها.

ظل عادل صامتًا.

نظر طارق إليه للحظة.

— لكن يبدو أنك سعيد.

ثم رفع حاجبه.

— أم أنني مخطئ؟

توقف قليلًا.

— رغم أن هذا لا يعنيني.

ثم استدار وغادر.

ظل عادل ينظر إلى ظهره.

قال في نفسه:

حدسه مخيف... وهالته مرعبة.

ثم ابتسم.

يبدو أنه سيكون حامي الدولة الجديد.

سننتظر ونرى.

واصل طارق طريقه داخل المدرسة.

كان الطلاب يبتعدون قليلًا عندما يمر بجانبهم.

بعضهم ينظر إليه بإعجاب.

وبعضهم بخوف.

كانوا يعرفون اسمه قبل أن يلتقوا به.

سمع أحدهم يقول:

— هذا هو طارق.

ورد آخر:

— سمعت أنه أكمل بعض الاختبارات بطريقة لم يفعلها أحد من قبل.

وقال ثالث:

— سمعت أنه لا يخاف شيئًا.

لكن طارق لم يهتم.

لم يكن يعنيه ما يقوله الناس عنه.

توجه مباشرة إلى المكان الذي ينتظره فيه الطائر العجوز.

كان الطائر العجوز واقفًا فوق غصن شجرة ضخمة، يراقب الداخلين بعينين غريبتين.

اقترب طارق.

ثم وضع يده على جذع الشجرة.

ساد الصمت.

وبعد لحظات، تحدث الطائر العجوز:

— لديك ثقل يهدم الجبال...

توقفت عيناه على طارق.

— وندم شديد.

لم يتغير وجه طارق.

تابع الطائر:

— لكنك تخفي مشاعرك يا فتى.

ثم ابتسم ابتسامة غامضة.

— وتخفيها جيدًا جدًا.

اقترب رأسه قليلًا.

— أهذه طريقتك في التعامل معها؟

أجاب طارق بهدوء:

— أنا جيد جدًا في إخفاء مشاعري.

ثم رفع عينيه إليه.

— لذلك لا أحد يفهمني.

توقف لحظة.

— والآن لا وقت لنبواتك ولا لحواراتك.

ثم قال ببرود:

— أخبرني أين أنام.

ضحك الطائر العجوز.

— هاهاها!

ثم قال:

— لم أرَ أحدًا بجرأتك من قبل.

حدق فيه.

— وحرفيًا... أنت لا تخطط لمستقبلك.

رفع طارق كتفيه.

— ما سيأتي سيأتي.

قال الطائر:

— أيًا كان ما سيأتي، فهو مرحب به بالنسبة لك؟

— نعم.

ضحك الطائر مرة أخرى.

— لكن يقال إن الفضول قتل القط.

ثم مال برأسه.

— أخبرني لماذا؟

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه طارق.

— إذا كنت تريد أن تعلم...

ثم قال:

— فالمستقبل الذي تمنّيته بعيد كل البعد عما يحدث الآن.

نظر أمامه.

— لا علاقة له بهذه الفوضى.

كان يتحدث بابتسامة هادئة.

ابتسامة شخص تقبل بالفعل أن حياته لن تسير كما أراد.

ثم قال الطائر:

— أنت تعرف بالفعل يا طارق ما الذي أردته، أليس كذلك؟

صمت طارق.

أجاب الطائر بدلًا عنه:

— نعم...

— أردت حياة هادئة مع أمك وأختك.

ثم أضاف:

— وحتى والدك.

انخفضت عينا طارق للحظة.

— لكن القدر كان له مجرى آخر.

ساد الصمت.

ثم قال الطائر العجوز:

— أنت لا تنتمي إلى أي مهجع.

لم يبدُ على طارق أي استغراب.

— متوقع.

ثم رفع عينيه.

— فلا أحد منكم يستحق أن يشاركني الشعار نفسه.

مرت الاختبارات.

كان اختبار البيضة من أصعب الاختبارات بالنسبة للطلاب.

لكن طارق أنهاه خلال أربع دقائق فقط.

وقفت فاطمة تراقبه بدهشة.

— هذا الفتى أقوى مما توقعت.

ثم ابتسمت بحزن.

— أهذا ما يعنيه أن تصبح نابغة؟

نظرت إلى طارق وهو يغادر.

— لكنه وحيد...

ثم قالت بهدوء:

— القوة لها ثمن، أليس كذلك؟

مرت السنوات الدراسية.

أنهى طارق السنة الأولى...

ثم الثانية...

وبالعلامة الكاملة.

كان يتقدم على الجميع بفارق واضح.

لم يكن النجاح بالنسبة إليه شيئًا يثير الفرح.

كان مجرد شيء يجب إنجازه.

وفي أحد الأيام، كان المدير يتحدث معه.

قال:

— أختك ستؤدي اختبار السنة.

أجاب طارق:

— هذا جيد.

ثم نظر إلى المدير.

— عليك الاعتناء بها.

توقف لحظة.

— ولا تبخل عليها بشيء.

نظر المدير إليه طويلًا.

ثم سأله:

— هل تعتقد أن هذه الطريقة مناسبة لها؟

أجاب طارق:

— المسألة ليست مناسبة أو غير مناسبة.

ثم قال:

— المسألة أن الطريقة صحيحة.

سأله المدير:

— وهل أختك قادرة؟

أجاب طارق دون تردد:

— أنا أثق بها.

ساد الصمت.

ثم سأل المدير:

— وأنت...

نظر إليه مباشرة.

— هل تتحمل كره أختك لك؟

تجمد طارق للحظة.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

— هل الكذب مسموح؟

قال المدير:

— لا.

خفض طارق عينيه.

ثم أجاب:

— إذن لا.

رفع عينيه.

— لا أتحمل كره أختي لي.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

نجحت مريم في اختبار التسخير.

وأصبحت مسخرة لكائن أسطوري.

عندما سمع طارق الخبر...

تجمد في مكانه.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية.

ابتسامة لم يرها المدير منذ وقت طويل.

لم يستطع طارق حتى البقاء واقفًا.

نزل على ركبته.

وضغط يده على صدره.

كانت عيناه تلمعان.

كان سعيدًا.

سعيدًا حقًا.

لقد مر وقت طويل منذ شعر بهذا الشعور.

ثم جاء الخبر الآخر.

— وليد...

التفت الجميع.

— عامي، أصبح مسخرًا أسطوريًا لكائن الاحتمالات.

نظر المدير إلى وليد بدهشة.

— هذا العامي مدهش.

أما طارق...

فلم يكن يهتم إلا بشيء واحد.

مريم.

نظر إليها من بعيد.

ثم قال بصوت منخفض:

— هذا أكثر من رائع...

ظهرت ابتسامة على وجهه.

ثم قال:

— هناك احتمال...

توقف للحظة.

— أنني لن أنسى هذه الذكرى.

ظل يبتسم.

ولأول مرة منذ سنوات...

شعر طارق بالسعادة دون أن يجبر نفسه عليها.

لم تكن سعادة الماضي.

بل كانت سعادة جديدة.

سعادة أخته.

وسعادة نجاحها.

وفي تلك اللحظة، وللمرة الأولى، تمنى طارق أن تكون قدرته مخطئة...

وأن تسمح له هذه الذكرى بالبقاء كما هي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (50)
الفصل 1: بداية الطريق
2026/07/18
الفصل 02: كهف الحرمة
2026/07/18
الفصل 03: الفيج
2026/07/18
الفصل 04: الاختبار
2026/07/19
الفصل 05: الطائر العجوز
2026/07/20
الفصل 06: الطائر العجوز ( الجزء الثاني)
2026/07/21
الفصل 07: الطائر العجوز( الجزء الثالث)
2026/07/22
الفصل 08: بداية الطريق الحقيقي
2026/07/22
الفصل 09: ظلال الماضي
2026/07/23
الفصل 10: المجلس
2026/07/25
الفصل 11: نضام التخرج
2026/07/27
الفصل 12: طارق
2026/07/28
الفصل 13: إنحراف الاحتمال
2026/07/28
الفصل 14: اول خطوة نحو القوة
2026/07/29
الفصل 15: لماذا
2026/07/30
الفصل 16: بداية الترابط
2026/08/28
الفصل 18: اضطراب الحواس
2026/08/28
الفصل 19: عين ترى الحقيقة
2026/08/28
الفصل 20: خيوط الاحتمال
2026/08/28
الفصل 21: نهاية الفصل دراسي الاول
2026/08/29
الفصل 22: أعجوبة العصر
2026/08/29
الفصل إختبار البيضة: 23
2026/08/29
الفصل 24: غابة لا ترحم
2026/08/29
الفصل 25: الادراك والريح
2026/09/02
الفصل 26: الاحتمال الوحيد
2026/09/02
الفصل 27: نهاية الفصل الدراسي الثاني
2026/09/04
الفصل 28: بئر برهوت
2026/09/04
الفصل 29: بكاء الأطفال
2026/09/04
الفصل 30: الخيط الاخضر
2026/09/04
الفصل 31: وعد لا يجف
2026/09/04
الفصل 32: حين العالم كان بسيطا
2026/09/04
الفصل 33: آخر وجبة سعيدة
2026/09/04
الفصل يوم إنتهت فيه الطفولة : 34
2026/09/04
الفصل 35: قبل أن يبدأ الحلم
2026/09/04
الفصل 36: أرض الاحلام
2026/09/04
الفصل 37: كابوس العائلة
2026/09/04
الفصل 38: ثمن القوة
2026/09/05
الفصل 39: الطريق الى دار الحكمة
2026/09/06
الفصل 40: ضلال دار الحكمة وأسرار لوسفير
2026/09/07
الفصل 41: حرب النهار الواحد
2026/09/08
الفصل 42: مملكة سيفار
2026/09/11
الفصل 43: لقاء غير متوقع
2026/09/12
الفصل 44: خاتم الامنية
2026/09/13
الفصل 45: خيوط المؤامرة
2026/09/14
الفصل 46: كبش فداء
2026/09/16
الفصل 46: ثمن الخوف
2026/09/17
الفصل 48: الهروب من الموت
2026/09/19
الفصل 49: الاسم الجديد
2026/10/03
الفصل 50: الاسم الذي لا يموت
2026/10/19
الفصل 51: عيسى آل ريام
2026/10/21

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة