الفصل التاسع والثلاثون: الطريق إلى دار الحكمة
كان الهدوء يخيّم على المكان بعد انتهاء الأحداث الأخيرة.
وقف المدير أمام وليد، وكانت ملامحه أكثر جدية من المعتاد.
نظر إليه للحظات، ثم قال:
— اذهب ونم يا فتى.
رفع وليد حاجبه باستغراب.
— أنام؟ لماذا؟
أخرج المدير تقريرًا كان يحمله، ثم نظر إليه.
— حسب هذا التقرير، ربما لن يكون لديك وقت طويل للحياة المدرسية.
اتسعت عينا وليد.
— ماذا تقصد؟
تنهد المدير.
— الأسبوع المقبل ستذهبون إلى مملكة الجان.
صمت وليد للحظة.
— مملكة الجان؟
أومأ المدير.
— وبالتحديد إلى دار الحكمة.
اقترب وليد باهتمام.
— وما الذي سنفعله هناك؟
— هذه المرة لن يكون الأمر مجرد تدريب عادي.
ثم أضاف:
— سنبحث عن بعض المعلومات المتعلقة بما كنا نبحث عنه.
ظل وليد صامتًا للحظات، ثم سأل:
— كيف تبدو مملكة الجان؟
ابتسم المدير.
— تقع إلى غرب مملكتنا.
ثم قال:
— إنها أشبه بحدائق معلقة لا تنتهي.
لمعت عينا وليد.
— حدائق معلقة؟
— نعم.
— ستندهش مما ستراه هناك.
ثم بدأ يشرح:
— أما الجان أنفسهم، فهم يشبهون البشر إلى حد كبير، لكنهم أطول قليلًا، ولهم آذان مدببة.
— الرجال هناك غالبًا ما يكون شعرهم فضيًا وطويلًا، والنساء شعرهن ذهبيًا وطويلًا.
تخيل وليد الصورة في رأسه.
ثم ابتسم.
— يبدو المكان رائعًا.
— سيكون رائعًا... إن سارت المهمة كما ينبغي.
تغيرت ملامح المدير قليلًا.
— والآن اذهب للنوم.
— حاضر.
غادر وليد.
لكن خطواته لم تكن سريعة.
كان عقله منشغلًا بشخص واحد.
طارق.
ظل يفكر فيه طوال الطريق.
ثم تمتم لنفسه:
— كيف تخبر شخصًا ما أن سبب حزنك... هو أنه يحبك؟
توقف قليلًا.
ثم ابتسم بحيرة.
— هذا أغرب شيء يمكن أن يقال لشخص.
واصل طريقه، بينما بقي السؤال عالقًا في ذهنه.
في مكان آخر...
عاد طارق إلى منزل العائلة.
كان القصر هادئًا.
دخل إلى الردهة الرئيسية، فوجد رئيس العائلة، لمين، ينتظره.
رفع لمين رأسه.
— مرحبًا بك.
أجاب طارق ببرود:
— أهلًا بك.
ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما للحظات.
ثم قال لمين:
— متى تنوي الوفاء بوعدك؟
لم يتغير وجه طارق.
— الاتفاق كان يوم جفاف القبر.
سأل لمين:
— ومتى يجف؟
نظر طارق إليه مباشرة.
ثم أجاب:
— يوم مماتي.
ساد الصمت.
لم يظهر على وجه لمين أي تعبير.
أما طارق، فأضاف:
— إن لم يكن هناك شيء آخر، فسأغادر.
استدار ومضى.
وفي أثناء مروره، ظهرت مريم أمامه.
كانت تسير في الاتجاه المعاكس.
توقفت للحظة.
ثم مرت بجانبه وكأنه غير موجود.
لم تنظر إليه.
ولم تقل شيئًا.
تابع طارق سيره.
لكن عينيه تبعتها للحظات.
ثم قال في داخله:
هذا جيد.
كلما أصبحت أقوى...
كلما ارتحت أنا.
أكمل طريقه دون أن يلتفت.
في اليوم التالي...
اجتمع وليد مع خالد ومريم والأستاذ.
كان عادل حاضرًا أيضًا.
قال الأستاذ:
— سنذهب إلى مملكة الجان.
نظر الجميع إليه باهتمام.
— هناك تقع دار الحكمة.
ثم تابع:
— سنبحث بشأن الشيء الذي كان أولئك الأشخاص يبحثون عنه.
قال عادل:
— ربما للكلمات المكتوبة معنى.
نظر إليه الأستاذ.
— هذا احتمال وارد.
سأل خالد:
— هل الفريق كافٍ؟
أجاب الأستاذ بهدوء:
— إنها مجرد مهمة دراسية.
ثم نظر إلى الأربعة.
— ووجودكم معًا سيكون كافيًا في حال وقوع مشكلة.
قال وليد:
— إذن لنذهب.
أومأ الأستاذ.
— لنذهب.
بدأت الرحلة.
كانت الطريق طويلة، وكلما ابتعدوا عن مملكتهم تغيرت طبيعة الأرض من حولهم.
وبينما كانوا يسيرون، كانت مريم تراقب عادل من حين لآخر.
ثم سألت فجأة:
— ما سبب تلقيب طارق لك بـ"النبيل الساقط"؟
نظر عادل إليها.
ثم ابتسم.
قبل أن يجيب، قال وليد:
— ولماذا لا تنادينه بأخيك؟
التفتت مريم إليه بحدة.
— هل ترغب بالشجار معي؟
رفع وليد يديه بسرعة.
— لا، لا، كنت أسأل فقط.
ضحك خالد بخفة.
أما الأستاذ، فتنهد.
— إذا كنتِ مهتمة فعلًا بمعرفة السبب، فسأخبرك.
نظر الجميع إليه.
قال:
— أنا أنتمي إلى عائلة فرعية.
ثم أضاف:
— عمي هو رئيس العائلة.
— ولم يُرزق بطفل حتى الآن.
ثم تابع:
— ولو لم يُرزق بطفل، لكنت أنا الوريث التالي لرئاسة العائلة.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت مريم:
— وهل المرأة ممنوعة من أن تصبح رئيسة العائلة؟
نظر عادل إليها.
— ليست ممنوعة تمامًا.
ثم تنهد.
— إنما هو خوف من ضياع النسل.
شرح:
— لذلك قرروا تزويج إحدى بناته من إحدى العائلات النبيلة الأخرى.
— لكن بشرط...
توقف قليلًا.
— أن يحمل الطفل اسم عائلتنا، آل سديم.
فهم خالد الأمر.
— ولهذا السبب؟
أومأ عادل.
— ولكي يقطع الشك باليقين، قام بنزع رتبتي كنبيل.
رفع وليد حاجبه.
— يستطيع فعل ذلك؟
— نعم.
ثم ابتسم عادل بسخرية.
— لديه السلطة التقديرية لفعل ذلك.
قال خالد:
— لكن أليس من الأفضل لعائلتك أن ترثها أنت؟
ضحك عادل.
لكن ضحكته كانت تحمل مرارة واضحة.
— عائلتنا؟
ثم نظر إلى الطريق أمامه.
— عائلتنا هي أسوأ عائلة بين الثلاث عشرة.
سكت الجميع.
أكمل:
— الجميع يروننا أضحوكة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
— ولهذا أنا سعيد لأنني لم أعد واحدًا منهم.
ظل الفريق صامتًا.
أما مريم، فخفضت عينيها قليلًا.
ولأول مرة...
بدأت تفهم أن لقب "النبيل الساقط" لم يكن مجرد لقب ساخر.
كان خلفه تاريخ كامل من الخلافات والعائلة والسلطة...
وتضحيات لم يكن أحد منهم يعرف حقيقتها بعد.
أيمن صلاح الدين