34

34

22 0

الفصل الرابع والثلاثون: يوم انتهت فيه الطفولة

قبل ثلاثة أشهر من اختبار التسخير...

كان طارق قد بلغ الحادية عشرة من عمره، بينما كانت مريم في الثامنة.

كان الصباح لا يزال في بدايته، والضوء الذهبي للشمس يتسلل ببطء من بين النوافذ، بينما كان المنزل غارقًا في هدوء غريب.

في المطبخ، كان طارق يقف أمام الموقد.

كان يرتدي ملابس بسيطة، وشعره مبعثر قليلًا من أثر النوم، لكنه كان مستيقظًا منذ وقت مبكر.

حرك الطعام في القدر، ثم بدأ يجهز الفطور.

كانت هذه العادة قد أصبحت جزءًا من حياته.

لم يعد أحد يطلب منه ذلك.

كان يفعلها لأنه اعتاد أن يكون هو من يهتم بالمنزل.

وفجأة، سُمع صوت خطوات صغيرة خلفه.

استدار طارق.

كانت مريم تقف عند باب المطبخ، تفرك عينيها بيدها.

- استيقظتِ؟

اقتربت منه وهي لا تزال نصف نائمة.

- ماذا تحضر يا أخي؟

ابتسم طارق.

- فطور أمي.

اتسعت عينا مريم.

- أريد أن أساعدك!

نظر إليها طارق للحظة، ثم أشار إلى الطاولة.

- إذن جهزيها.

ركضت مريم بحماس.

- حاضر!

بدأت تضع الأطباق على الطاولة.

ثم وضعت أربع قطع من الحلوى...

وأربعة فناجين.

توقف طارق عن تحريك الطعام.

نظر إلى الطاولة.

ثم قال:

- لماذا وضعتِ أربعة؟

رفعت مريم رأسها، وكأن الإجابة واضحة جدًا.

- هذه لأبي.

تجمد طارق.

لم يجب.

مرت لحظات من الصمت.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة تحمل شيئًا من الألم.

- شكرًا لكِ.

نظرت إليه مريم باستغراب.

- لماذا؟

خفض طارق عينيه قليلًا.

- لقد نسيت أبي تمامًا.

اقتربت مريم منه.

- لا تقلق.

ثم ابتسمت.

- أنا هنا.

نظر إليها طارق، واتسعت ابتسامته.

- نعم...

ثم ربت على رأسها.

- من الجيد أنك هنا.

جلست مريم للحظة، ثم نهضت فجأة.

- سأذهب لأنادي أبي!

استدار طارق نحوها.

- عجلّي.

ركضت مريم خارج الغرفة.

أما طارق، فعاد إلى إعداد الفطور.

لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا.

رفع عينيه نحو السقف.

ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.

ثم قال بصوت منخفض:

- أبي...

أغمض عينيه.

- ابنتك تبحث عنك...

ثم نظر نحو غرفة والدته.

- وزوجتك تقاسي هناك.

سكت.

وتغيرت ملامح وجهه.

- فأين أنت بحق الجحيم؟

لم ينتظر جوابًا.

فهو يعرف أنه لن يأتي.

دخل طارق غرفة والدته.

كان الصباح قد بدأ يملأ المكان بالضوء.

اقترب من النافذة وفتح الستائر.

دخل ضوء الشمس إلى الغرفة.

ابتسم طارق قليلًا.

- استيقظي يا أمي.

ثم التفت إليها.

- حل صباح جديد.

انتظر.

لكن والدته لم تتحرك.

اقترب منها.

- أمي؟

لم تجبه.

عبس قليلًا.

ثم مد يده وحرك كتفها برفق.

- أمي... أمي، استيقظي.

لا شيء.

توقفت ابتسامته.

- أمي؟

حركها مرة أخرى.

هذه المرة بقوة أكبر.

- أمي!

لكنها لم تجب.

بدأ الخوف يتسلل إلى عينيه.

- أمي... هذا ليس وقت اللعب.

جلس بجانبها.

ثم أمسك يدها.

كانت ساكنة.

بدأت الدموع تتجمع في عينيه.

- أمي...

ارتجف صوته.

- أرجوكِ استيقظي.

هزها.

- أمييي!

انحدرت دمعة على خده.

- أرجوكِ...

لكنها لم تتحرك.

تجمد طارق.

لم يعرف ماذا يفعل.

لم يكن يعرف كيف يتعامل مع هذا الموقف.

كان الأمر أكبر من عمره...

وأثقل من أن يحمله فتى في الحادية عشرة.

كان من المفترض أن يكون أكبر همومه أن تسمح له والدته أو والده بالسهر ساعة إضافية.

كان من المفترض أن يخاف من الاختبارات...

أو أن يتشاجر مع أصدقائه...

أو أن يحلم بما سيصبح عليه عندما يكبر.

لكن الحياة قررت أن تعطيه شيئًا آخر.

شيئًا لم يكن طفلًا مستعدًا له.

ظل طارق جالسًا في مكانه، عاجزًا عن الحركة.

ثم فُتح الباب بعنف.

دخلت الخادمة مسرعة.

توقفت عندما رأت فتيحة.

ثم نظرت إلى طارق.

كان عقل طارق قد تجمد.

لم يعد يسمع شيئًا بوضوح.

وفي تلك اللحظة دخلت مريم وهي تبكي.

- أخي!

رفع طارق رأسه.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

- لم أجد أبي!

اقتربت منه.

- أين أبي؟

لم يجب.

قالت وهي تبكي:

- أبي سيعرف ماذا يفعل...

تجمد طارق أكثر.

أبي سيعرف ماذا يفعل...

نظر إلى أخته.

ثم نظر إلى والدته.

الحل كان موجودًا...

أو هكذا كانت مريم تظن.

لكن والدهم لم يتعب نفسه حتى ليكون موجودًا.

لم يكن هناك.

ترك لهم كل شيء.

ترك لهم المرض...

والخوف...

والحزن.

وانفجر طارق بالبكاء.

لم يعد قادرًا على إخفاء شيء.

نظر إلى مريم، التي كانت تبكي وهي تعول على والد لم يأتِ.

ثم نظر إلى والدته التي لم تستجب لكل صرخاته.

نضرت الخادمة اليه .

كانت ملامحها ثابتة بشكل مخيف.

قالت بصوت هادئ:

- طارق...

رفع رأسه إليها.

- مريم...

نظرت إلى الطفلة.

ثم عادت بعينيها إلى طارق.

- أمكم... وافتْها المنية.

اتسعت عينا طارق.

لم يفهم الكلمات في البداية.

ثم بدأ معناها يصل إليه ببطء.

- ماذا...؟

اقتربت الخادمة منه.

لكنها لم تمنحه الوقت ليستوعب ما حدث.

قالت:

- قال والدك إنه بعد ساعة وعشر دقائق ستتدرب على السيف.

توقفت لحظة.

- استعد.

رفع طارق رأسه فجأة.

- ماذااا؟

كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.

- أمي ماتت...

نظر إلى والدته.

- أهذا يعني... أنها ماتت فعلًا؟

ارتجف صوته.

- أهذا يعني أنني لن أراها مجددًا؟

لم تجبه الخادمة.

حدق طارق في وجه والدته.

ثم انفجر:

- أمي!

عاد يحتضنها.

- أرجوكِ...

لكن جسدها بقي ساكنًا.

ثم رفع رأسه فجأة.

شيء واحد كان يدور في عقله.

زوجته ماتت... فأين هو؟

كيف يمكن لأب أن يعرف أن زوجته ماتت، ثم يرسل ابنه ليتدرب على السيف؟

نظر طارق إلى مريم.

كانت تبكي بحرقة.

قال بصوت متقطع:

- لماذا تبكي...؟

ثم نظرت حولها.

- والدك لم يهتم بك.

لم يعرف طارق ماذا يقول.

لم يعد لديه جواب.

مرّت الساعات التالية كأنها حلم طويل.

لم يتذكر طارق كيف وصل إلى الجنازة.

كان يسير بصمت.

بجانبه المدير، وعدد من الشخصيات من العائلة، بينما كان الناس يقفون حولهم في هدوء.

كان المطر خفيفًا.

والسماء رمادية.

والهواء باردًا.

وقف طارق أمام قبر والدته.

نظر إلى التراب الذي يغطي المكان.

لم يبكِ هذه المرة.

كانت دموعه قد جفت.

لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا آخر.

فراغًا.

اقترب المدير منه ووضع يده على كتفه.

لم يتحرك طارق.

ظل يحدق في القبر.

كان يعرف أن شيئًا انتهى اليوم.

لم تكن والدته وحدها هي التي دُفنت تحت التراب...

بل دُفنت معها آخر قطعة من طفولته.

وبعد ثلاثة أشهر فقط...

سيصبح طارق، وهو في الحادية عشرة من عمره، أول مسخر.

التسخير الذي كان حلم الجميع.

الحلم الذي كان من المفترض أن يكون نعمة...

أن يكون بداية المجد والقوة والمستقبل.

لكن بالنسبة إلى طارق...

كان ذلك الحلم نقمة.

فقد كُتب عليه أن يتجاوز مرحلة الطفولة قبل أن يعيشها كاملة.

وفي اليوم الذي كان من المفترض أن يبدأ فيه حلمه...

كان الطفل الذي في داخله قد مات قبل ذلك بثلاثة أشهر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (50)
الفصل 1: بداية الطريق
2026/07/18
الفصل 02: كهف الحرمة
2026/07/18
الفصل 03: الفيج
2026/07/18
الفصل 04: الاختبار
2026/07/19
الفصل 05: الطائر العجوز
2026/07/20
الفصل 06: الطائر العجوز ( الجزء الثاني)
2026/07/21
الفصل 07: الطائر العجوز( الجزء الثالث)
2026/07/22
الفصل 08: بداية الطريق الحقيقي
2026/07/22
الفصل 09: ظلال الماضي
2026/07/23
الفصل 10: المجلس
2026/07/25
الفصل 11: نضام التخرج
2026/07/27
الفصل 12: طارق
2026/07/28
الفصل 13: إنحراف الاحتمال
2026/07/28
الفصل 14: اول خطوة نحو القوة
2026/07/29
الفصل 15: لماذا
2026/07/30
الفصل 16: بداية الترابط
2026/08/28
الفصل 18: اضطراب الحواس
2026/08/28
الفصل 19: عين ترى الحقيقة
2026/08/28
الفصل 20: خيوط الاحتمال
2026/08/28
الفصل 21: نهاية الفصل دراسي الاول
2026/08/29
الفصل 22: أعجوبة العصر
2026/08/29
الفصل إختبار البيضة: 23
2026/08/29
الفصل 24: غابة لا ترحم
2026/08/29
الفصل 25: الادراك والريح
2026/09/02
الفصل 26: الاحتمال الوحيد
2026/09/02
الفصل 27: نهاية الفصل الدراسي الثاني
2026/09/04
الفصل 28: بئر برهوت
2026/09/04
الفصل 29: بكاء الأطفال
2026/09/04
الفصل 30: الخيط الاخضر
2026/09/04
الفصل 31: وعد لا يجف
2026/09/04
الفصل 32: حين العالم كان بسيطا
2026/09/04
الفصل 33: آخر وجبة سعيدة
2026/09/04
الفصل يوم إنتهت فيه الطفولة : 34
2026/09/04
الفصل 35: قبل أن يبدأ الحلم
2026/09/04
الفصل 36: أرض الاحلام
2026/09/04
الفصل 37: كابوس العائلة
2026/09/04
الفصل 38: ثمن القوة
2026/09/05
الفصل 39: الطريق الى دار الحكمة
2026/09/06
الفصل 40: ضلال دار الحكمة وأسرار لوسفير
2026/09/07
الفصل 41: حرب النهار الواحد
2026/09/08
الفصل 42: مملكة سيفار
2026/09/11
الفصل 43: لقاء غير متوقع
2026/09/12
الفصل 44: خاتم الامنية
2026/09/13
الفصل 45: خيوط المؤامرة
2026/09/14
الفصل 46: كبش فداء
2026/09/16
الفصل 46: ثمن الخوف
2026/09/17
الفصل 48: الهروب من الموت
2026/09/19
الفصل 49: الاسم الجديد
2026/10/03
الفصل 50: الاسم الذي لا يموت
2026/10/19
الفصل 51: عيسى آل ريام
2026/10/21

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة