الفصل الثالث الثلاثون: آخر وجبة سعيدة
كان ذلك قبل خمس سنوات من اختبار التسخير.
كان طارق في السابعة من عمره، بينما كانت مريم قد بلغت الرابعة.
مرت السنوات، وكبر الطفل الصغير الذي كان يعتقد أن كل شيء يمكن إصلاحه إذا أصبح قويًا بما يكفي.
كان يؤمن أن مرض والدته لن يستمر إلى الأبد...
وأن عليه فقط أن يكبر بسرعة.
في ذلك الصباح، كان المنزل هادئًا، حتى سُمعت خطوات تقترب من الباب.
فتح طارق الباب، وما إن رأى القادم حتى أشرقت ملامحه.
- مرحبًا عمي!
كان القادم هو مدير الأكاديمية.
ابتسم المدير عندما رأى طارق، ثم وضع يده على رأسه.
- أووه... طارق! أنت تكبر بسرعة يا فتى.
ابتسم طارق بفخر.
- هذا مؤكد!
ثم رفع قبضته الصغيرة أمامه.
- عليّ أن أكبر بسرعة حتى أعالج والدتي.
اختفت الابتسامة من وجه المدير للحظة.
ثم سأل بلطف:
- وكيف حال والدتك؟
أجاب طارق بسرعة، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنعه:
- إنها تتحسن.
لكن المدير لاحظ شيئًا آخر.
كانت عينا الطفل تقولان عكس كلماته.
كان هناك خوف مخفي...
وعجز لا يستطيع طفل في السابعة من عمره أن يعبّر عنه.
ابتسم المدير وربت على كتفه.
- لا تقلق.
ثم قال بثقة:
- والدتك قوية جدًا.
رفع طارق رأسه.
- حقًا؟
- بالطبع.
ثم نظر المدير إلى السلة التي يحملها.
- سأذهب لألقي عليها نظرة.
رفع السلة قليلًا.
- وقد أحضرت بعض الفواكه.
ابتسم طارق.
- وأنا حضرت الغداء!
توقف المدير في مكانه.
نظر إليه بقلق مصطنع، ثم قال:
- أنت حضرته؟
رفع طارق رأسه.
- هذا أكيد!
ابتسم المدير وقال:
- إذن سأبقى لأتناول ما حضرته.
ضحك طارق.
دخل المدير إلى غرفة فتيحة، بينما اتجه طارق إلى المطبخ ليتأكد من الطعام.
طرق المدير الباب ودخل.
- مرحبًا.
رفعت فتيحة رأسها.
وعندما رأته، ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهها.
- المدير يزورنا؟ أهلًا وسهلًا.
اقترب منها المدير وجلس بالقرب من السرير.
لكنه لم يبادلها الابتسامة طويلًا.
قال بصوت منخفض:
- فتيحة...
نظرت إليه.
- قولي لي فقط... وسآخذك معي.
ساد الصمت.
كانت فتيحة تعرف تمامًا ما يقصده.
قالت:
- وابنتي وابني؟
أجاب المدير دون تردد:
- لن أتركهما.
نظرت إليه بحزن.
- ومن في هذا البلد أقوى مني حتى يمنعني؟
ظل المدير صامتًا.
أكملت فتيحة:
- أنت تعرف أن الأمر ليس بهذه السهولة.
ثم وضعت يدها على صدرها.
- ما أنا سوى روح واحدة.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالحزن.
- وإن أتيت معك، فأنت تعرف عدد الأرواح التي ستذهب في سبيل استعادة الطفلين.
لم يجب المدير.
قالت بهدوء:
- روحي ليست أغلى منهم.
انخفضت عينا المدير.
كان يعرف أنها محقة.
في الجهة الأخرى من المنزل، كان طارق يسير باتجاه المطبخ، لكنه لمح أخته الصغيرة جالسة على الأرض.
كانت تلعب بمجموعة من الدمى.
ابتسم واقترب منها.
- أهلًا أختي، ماذا تلعبين؟
رفعت مريم رأسها بسعادة.
- أخي!
ثم رفعت إحدى الدمى.
- أنا ألعب بالدمى.
جلس طارق بجانبها.
- وماذا تفعلين؟
ابتسمت مريم.
- إنها لعبة عروس وعريس.
أشارت إلى الدمية الأولى.
- العريس هو أبي.
ثم رفعت الدمية الأخرى.
- والعروس هي أمي.
ابتسم طارق للحظة.
لكن ابتسامته اختفت عندما سألت مريم نفسها بصوت بريء:
- أليس جميلًا؟
نظر طارق إلى الدميتين.
- لماذا؟
أجابت مريم ببساطة:
- لأنهما يحبان بعضهما بعضًا.
توقفت أنفاس طارق للحظة.
يحبان بعضهما بعضًا...
خفض عينيه إلى الأرض.
بدأت الكلمات تدور داخل رأسه.
متى كانت آخر مرة زار فيها أبي أمي؟
حاول أن يتذكر.
لم يجد جوابًا.
حتى أنا لا أتذكر...
ثم رفع عينيه نحو الدمية التي تمثل والده.
فكيف سيتذكر هو؟
شعر بشيء دافئ ينزل على خده.
كانت دمعة.
مسحها بسرعة قبل أن تلاحظها مريم.
لكنها لاحظت.
- ما بك يا أخي؟
ابتسم طارق ابتسامة مصطنعة.
- لا شيء.
ثم فرك عينيه.
- إنه غبار.
نظر إلى الدمية وقال:
- تذكرت عمي محمد، مدير الأكاديمية، هنا.
اتسعت عينا مريم.
- لماذا لم تخبرني؟
نهضت بسرعة.
- سأذهب إليه!
ركضت مريم بعيدًا.
بقي طارق وحده.
نظر إلى الدمية التي تمثل والده.
ظل صامتًا للحظات.
ثم...
رفع قدمه.
وداس عليها.
تناثرت الدمية جانبًا.
نظر إليها طارق بعينين جامدتين.
ثم قال بصوت منخفض:
- ما هو دور الأب في الحياة؟
لم يجد جوابًا.
عاد طارق إلى غرفة والدته.
كانت الخادمة تحمل طاولة الطعام وتضعها أمام فتيحة.
دخل طارق وهو يبتسم.
- مرحبًا أمي.
نظر إلى الطعام بفخر.
- لقد حضرت الغداء.
ابتسمت فتيحة.
- شكرًا يا ابني العزيز.
جلس الجميع.
وبدأ المدير بتذوق الطعام.
توقف للحظة.
ثم رفع رأسه بدهشة.
- محمد... هذا جيد!
ابتسم طارق.
ضحك المدير.
- على عكس ما توقعت.
نظر إلى طارق.
- هل حضرته أنت؟
أجابت فتيحة بابتسامة دافئة:
- كان ابني يحضر الغداء والعشاء طوال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية.
نظر المدير إلى طارق.
لم يكن يتوقع أن طفلًا في السابعة قد اعتاد تحمل مسؤوليات أكبر من عمره.
أما طارق، فابتسم بفخر.
- بما أنني الأخ الأكبر...
وضع يده على صدره.
- فهذه مسؤوليتي.
ابتسمت فتيحة بحنان.
ثم دخلت مريم وهي تركض.
جلست بجانب أخيها وقالت بحماس:
- أريد أن أحضر العشاء معك!
نظر إليها طارق.
ثم ابتسم.
كانت ابتسامته صافية تمامًا.
- بالتأكيد.
ربت على رأسها.
- سأكون سعيدًا.
ضحكت مريم.
وضحكت فتيحة.
وحتى المدير ابتسم.
اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام.
لم تكن هناك معارك.
ولا خوف.
ولا دماء.
ولا أسرار.
فقط أم تنظر إلى أطفالها بحب...
وأخ أكبر يبتسم لأخته...
وطفلة صغيرة تضحك وهي تحلم بعالم بسيط.
في تلك اللحظة...
كان طارق سعيدًا.
سعادة حقيقية.
سعادة لم يكن يعرف أنها ستصبح يومًا ذكرى بعيدة.
ولم يكن يعرف أن تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه فوق مائدة الطعام...
ستكون من آخر الابتسامات التي سيحتفظ بها قلبه.
فبعد سنوات...
سيظل يتذكر الحزن.
وسيتلاشى من ذاكرته شكل السعادة نفسها.
لكن في ذلك اليوم...
كان كل شيء لا يزال بخير.
أيمن صلاح الدين