الفصل التاسع والعشرون: بكاء الأطفال
كان فاتح واقفًا في مواجهة المجموعة، وعلى وجهه ابتسامة غريبة لا توحي بأي نية حسنة. إلى جانبه وقف شادو، يحدّق في الجميع بنظرات باردة، بينما كانت مريم وخالد ووليد والأستاذ يستعدون لأي هجوم مفاجئ.
رفع فاتح رأسه قليلًا وقال بنبرة متعالية:
- وأنتم... نبلاء؟
نظرت إليه مريم باستغراب، ثم أجابت بحذر:
- وإن كنا؟
ابتسم شادو ابتسامة واسعة، وقال:
- استعدوا... سنسحق!
توقف فاتح لحظة، ثم التفت إليه وكأنه لم يفهم ما قاله.
- هو يقصد: سنسحقكم.
ثم تنهد وأضاف:
- أنا آسف، فهو لا يجيد استخدام الضمائر جيدًا.
حدّق شادو فيه بغضب.
- ماذا قلت؟!
لكن فاتح تجاهله تمامًا، وأخذ يتفحص المكان من حوله.
- إنهم أكثر منا عددًا...
ثم أضاف بهدوء:
- إذن...
رفع قدمه، وضرب بها الأرض بكل قوته.
دَوِيٌّ هائل!
اهتزت الأرض بعنف، وتشققت الصخور تحت أقدام الجميع، وانتشر زلزال قوي في المكان.
تعثّر بعضهم، وسقط آخرون على الأرض.
ومن بعيد، بدأت أصوات بكاء الأطفال تنتشر في كل مكان، أصوات متقطعة ومخيفة وسط الفوضى.
شدّ شادو قبضته، وقال بابتسامة ساخرة:
- سنجعل المعركة عادلة قليلًا.
وفجأة...
بدأت الأرض من حولهم بالتحرك.
خرجت أعداد هائلة من وحوش النسناس من بين الصخور والأشجار، ثم أخذت تتكاثر حتى امتلأ المكان بها.
تراجع وليد خطوة، واتسعت عيناه وهو ينظر إلى العدد الهائل.
- مستحيل...
اختفى شادو وفاتح فجأة داخل الظلال، وكأن الظلام ابتلعهما.
صرخ خالد:
- الحواس المعكوسة!
انتشرت قدرته في المكان، وبدأت حواس الوحوش تتشوش؛ بعضها أخذ يهاجم الاتجاه الخاطئ، وبعضها بدأ يضرب رفاقه دون أن يدرك ذلك.
رفعت مريم يدها.
- إرباك العقل!
اضطربت عقول مجموعة أخرى من النسناس، فأخذت تتخبط في أماكنها.
أما وليد، فظهرت تحت قدميه دائرة غريبة أخذت تدور بسرعة.
- دائرة العشوائية!
وفي اللحظة نفسها، رفع الأستاذ يده وقال:
- إلغاء الجاذبية!
ارتفعت بعض الوحوش عن الأرض فجأة، وبدأت تتخبط في الهواء.
اندفعت المجموعة للهجوم.
لكن عدد النسناس كان هائلًا.
انقضت الوحوش من كل اتجاه، وبدأ الاشتباك.
رفع الأستاذ يده وهو يحاول صد مجموعة كبيرة منها.
- تبًا... إنها كثيرة!
قفز وحشان باتجاه خالد.
التفت إليهما خالد، ثم ابتسم بسخرية.
- يا لكم من كائنات مزعجة!
استدار بسرعة، ووجه ضربة قوية إلى الأول، ثم أتبعها بضربة ثانية أسقطت الوحش الآخر أرضًا.
صرخت مريم بغضب وهي تتفادى هجوم أحد الوحوش:
- هذا خطؤك! لماذا أحضرتنا إلى هنا أصلًا؟!
لكنها لم تلاحظ الظل الذي ظهر خلفها.
خرج شادو من الظلام بصمت.
وفي لحظة خاطفة...
ركلها بقوة من الخلف!
- آه!
اندفعت مريم إلى الأمام وسقطت على الأرض، بينما وقف شادو خلفها وهو يبتسم.
قال بلا مبالاة:
- انسوا أننا لم نكن هنا.
التفت فاتح إليه، ثم قال بنبرة جادة:
- اسمع يا شادو... اترك الحديث لي.
نظر إليه شادو باستغراب.
أكمل فاتح:
- فأنت نوعًا ما غبي.
تجمد شادو في مكانه.
- ماذا؟!
وقبل أن يجيبه فاتح، اندفع شادو فجأة نحو وليد، ووجه إليه لكمة مباشرة.
لكن وليد مال بجسده في اللحظة الأخيرة.
مرت قبضة شادو بجانب وجهه.
تراجع وليد بسرعة، وعيناه مثبتتان على شادو.
وفي تلك اللحظة صاح الأستاذ:
- ماذا تفعلون هنا؟ وما سبب قدومكم؟
توقف فاتح عن الحركة، ثم نظر إليه.
- سمعنا بوجود دليل...
سكت لحظة، ثم تابع:
- دليل يقودنا إلى غرض معين كان يملكه ذلك الشخص.
عقد الأستاذ حاجبيه.
أما شادو، فقال:
- لكننا لم نجد شيئًا.
نظر وليد إليهما باستغراب.
- ذلك.....من ؟
ابتسم شادو ابتسامة باردة، وأجاب:
- ألشر النائم.
ساد الصمت للحظات.
حتى أصوات الوحوش بدت وكأنها تراجعت للحظة أمام وقع تلك الكلمات.
ثم رفع فاتح يديه بلا مبالاة وقال:
- بما أنه لا يوجد شيء هنا...
استدار نحو الظلال.
- سنرحل.
ثم التفت إليهم للمرة الأخيرة، وأضاف بابتسامة ساخرة:
- ويمكنكم التعامل مع بكاء الأطفال المزعج.
اختفى فاتح داخل الظلام.
وبعده مباشرة، تبعه شادو.
ترك الاثنان خلفهما ساحة مليئة بالوحوش... وبكاء الأطفال الذي لم يتوقف.
أيمن صلاح الدين