الخيط الاخضر

الخيط الاخضر

23 0

الفصل الثلاثون : الخيط الأخضر

وقف وليد وسط الفوضى، يراقب الظلال التي اختفى فيها فاتح وشادو، بينما كانت وحوش النسناس تملأ المكان من حولهم. أصوات الزئير والصرخات اختلطت بصوت تشقق الأرض وبكاء الأطفال الذي لم يتوقف.

حدّق وليد في المكان الذي اختفى فيه الاثنان، ثم قال بانزعاج:

- لقد هربوا!

لكن خالد لم يلتفت حتى إلى الظلال، فقد كان منشغلًا بالوحوش التي كانت تحاصرهم من كل جانب.

قال وهو يصد أحد الهجمات:

- هناك أمور أهم من هروبهم! كيف سنهرب نحن من هنا؟!

التفتت مريم حولها بسرعة، وملامح القلق واضحة على وجهها.

كانت الأرض تهتز تحت أقدامهم، وكل لحظة تمر كانت تجعلهم يغرقون أكثر داخل التراب بسبب قوة الزلزال.

قالت وهي تحاول الحفاظ على توازنها:

- ألم نُسرع؟ سنُدفن تحت الأرض!

رفع الأستاذ يده، محاولًا استخدام قدرته مرة أخرى.

- إلغاء الجاذبية!

لكن شيئًا لم يحدث كما أراد.

شد الأستاذ أسنانه بضيق، ثم قال:

- لا يمكنني إلغاء الجاذبية بشكل كامل...

نظر إليه وليد باستغراب.

تابع الأستاذ وهو يحاول التركيز وسط الفوضى:

- يمكنني إلغاؤها إما على الجماد... أو على الأرواح.

توقف للحظة، وكأن فكرة ما خطرت في ذهنه.

- أما إلغاء الجاذبية عن كل شيء في الوقت نفسه... فهذا يتطلب اكتمال القدرة.

نظر وليد إلى الأرض التي بدأت ترتفع حول أقدامهم.

ثم صاح:

- احموني واتبعوني! أعرف الطريق!

انطلقت المجموعة خلفه.

وفي أثناء ركضهم، أغمضت مريم عينها للحظة، ثم فتحتها.

تغيرت نظرتها فجأة، وظهرت في عينيها هالة غريبة.

- العين الثالثة.

بدأت رؤيتها تتجاوز الصخور والضباب والغبار، وكأنها ترى الطريق المخفي خلف كل شيء.

أشارت إلى أحد الممرات.

- لنذهب من هنا!

اندفعوا خلفها.

كانت الرحلة أشبه بالجحيم.

وحوش النسناس كانت تلاحقهم من كل اتجاه، بعضها يقفز فوق الصخور، وبعضها يضرب الأرض محاولًا إسقاطهم.

كان وليد يتقدم بسرعة، يتفادى المخالب والضربات بصعوبة.

- من هنا!

قفز فوق صخرة، ثم انحرف إلى ممر ضيق.

خالد تبعه مباشرة، بينما كانت مريم تحذرهم من الوحوش القادمة من الخلف.

- خلفكم!

استدار خالد وصد هجومًا في اللحظة الأخيرة.

لكن الأرض بدأت تنخفض تحتهم.

صرخت مريم:

- الأرض!

بدأ جسد وليد يغوص في التراب.

- ماذا؟!

حاول الخروج، لكنه وجد الأرض تلتف حول ساقيه.

وفي لحظات قليلة، بدأ الجميع يشعرون بأنهم يُدفنون أحياء.

قال خالد وهو يحاول سحب نفسه:

- هذا سيئ جدًا!

وفجأة...

ساد صمت غريب.

توقفت وحوش النسناس.

توقفت حركة الأرض.

حتى الغبار الذي كان يملأ المكان بدا وكأنه تجمد للحظة.

رفع وليد رأسه ببطء.

- ماذا يحدث؟

نظر الأستاذ إلى الوحوش من حوله، ثم قال بهدوء:

- لا يهم... تحركوا!

لم يفهم أحد ما حدث، لكنهم استغلوا الفرصة.

تابعوا طريقهم حتى وصلوا إلى فتحة ضيقة في الأرض.

وبعد جهد كبير، خرجوا منها واحدًا تلو الآخر.

كانوا داخل بئر قديم.

خرج وليد أولًا، وسحب نفسًا عميقًا، ثم نظر حوله.

كان الليل قد بدأ يفرض سكونه على المكان. الأشجار تحركها نسمات باردة، والقمر يرسل ضوءًا شاحبًا بين الأغصان.

لكن الأستاذ لم يهتم بالمنظر.

فقد لمح شخصًا يقف بالقرب من المكان.

تجمدت ملامحه.

- ماذا تفعل هنا؟

استدار الشاب ببطء.

كان يقف بهدوء تام، وكأن وجوده في هذا المكان في هذا الوقت أمر طبيعي.

إنه طارق.

نظر إليهم للحظات، ثم أجاب بلا اهتمام:

- أتجول.

رفع الأستاذ حاجبه.

- المملكة بعيدة جدًا عن هنا... أعتقد أن عذر "التجول" ليس جيدًا بما يكفي.

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه طارق.

لم تكن ابتسامة ودية، بل بدت وكأنها تخفي شيئًا.

- ومن أنت حتى تستجوبني؟

تقدم خطوة، ثم أضاف بنبرة باردة:

- أنت مجرد نبيل ساقط.

تغيرت ملامح الأستاذ للحظة، بينما عقد وليد حاجبيه.

التفت إلى خالد ثم سأل بصوت منخفض:

- ماذا يعني... نبيل ساقط؟

لكن الأستاذ لم يجبه.

كان يحدق في طارق بعينين حذرتين.

قال:

- وجودك هنا في هذا التوقيت يجعلك محل شك.

رفع طارق حاجبه، وكأن الكلام لم يزعجه إطلاقًا.

- ألم أنقذك الآن؟

قالت مريم بسرعة، وكانت لا تزال غاضبة من تصرفه:

- وما سبب ذلك؟ أنت لا تهتم بأحد غير نفسك.

اتسعت ابتسامة طارق قليلًا.

ثم نظر إليها مباشرة.

- ماذا؟!

اقترب منها قليلًا، وقال بنبرة ساخرة:

- أختي الصغرى أصبحت جريئة.

تجمدت مريم للحظة.

- أختك...؟

لكن طارق لم يمنحها فرصة لإكمال السؤال.

استدار بعيدًا عنهم، ووضع يديه في جيبيه.

- سأغادر الآن.

توقف للحظة، ثم أضاف:

- لا أريد التأخر.

بدأ يمشي مبتعدًا.

راقبه وليد بصمت.

شيء ما في وجود طارق كان يثير داخله شعورًا غريبًا.

لم يكن يعرف السبب، لكنه شعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي حوله.

ثم...

رأى شيئًا.

خيطًا أخضر رفيعًا ظهر للحظة حول طارق، يمتد من جسده إلى مكان بعيد لا يستطيع وليد تحديده.

اتسعت عيناه.

- ما هذا...؟

لكن الخيط اختفى في اللحظة التالية.

ظل وليد ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه طارق.

وتساءل في داخله:

لماذا أنت بالضبط؟

قبل ذلك بأيام...

كان مكتب المدير هادئًا على غير المعتاد.

ضوء المصباح كان يسقط على المكتب الخشبي، بينما جلس المدير خلفه وهو يقلب بعض الأوراق.

وقف طارق أمامه، وملامحه خالية من التعبير.

رفع المدير عينيه إليه وقال:

- أريد منك أن تتبع الأستاذ ووليد... وتراقبهما.

رفع طارق حاجبه.

- ولماذا أفعل ذلك؟

ساد الصمت للحظات.

ثم وضع المدير الورقة أمامه وقال بهدوء:

- ولماذا لن تفعل؟

نظر طارق إليه طويلًا.

كانت ملامحه تقول إنه غير مقتنع، لكن في عينيه ظهرت لمحة اهتمام.

تنهد أخيرًا وقال:

- حسنًا...

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

- أعتقد أنه سيكون تدريبًا جيدًا.

رفع المدير عينيه إليه، وكأنه كان يعرف مسبقًا أن طارق سيوافق.

وهكذا بدأت مراقبة طارق لوليد والأستاذ...

مراقبة ستكشف لاحقًا أن وجوده بالقرب منهما لم يكن مجرد صدفة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حامي الدولة

المؤلف أيمن صلاح الدين
2026/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (50)
الفصل 1: بداية الطريق
2026/07/18
الفصل 02: كهف الحرمة
2026/07/18
الفصل 03: الفيج
2026/07/18
الفصل 04: الاختبار
2026/07/19
الفصل 05: الطائر العجوز
2026/07/20
الفصل 06: الطائر العجوز ( الجزء الثاني)
2026/07/21
الفصل 07: الطائر العجوز( الجزء الثالث)
2026/07/22
الفصل 08: بداية الطريق الحقيقي
2026/07/22
الفصل 09: ظلال الماضي
2026/07/23
الفصل 10: المجلس
2026/07/25
الفصل 11: نضام التخرج
2026/07/27
الفصل 12: طارق
2026/07/28
الفصل 13: إنحراف الاحتمال
2026/07/28
الفصل 14: اول خطوة نحو القوة
2026/07/29
الفصل 15: لماذا
2026/07/30
الفصل 16: بداية الترابط
2026/08/28
الفصل 18: اضطراب الحواس
2026/08/28
الفصل 19: عين ترى الحقيقة
2026/08/28
الفصل 20: خيوط الاحتمال
2026/08/28
الفصل 21: نهاية الفصل دراسي الاول
2026/08/29
الفصل 22: أعجوبة العصر
2026/08/29
الفصل إختبار البيضة: 23
2026/08/29
الفصل 24: غابة لا ترحم
2026/08/29
الفصل 25: الادراك والريح
2026/09/02
الفصل 26: الاحتمال الوحيد
2026/09/02
الفصل 27: نهاية الفصل الدراسي الثاني
2026/09/04
الفصل 28: بئر برهوت
2026/09/04
الفصل 29: بكاء الأطفال
2026/09/04
الفصل 30: الخيط الاخضر
2026/09/04
الفصل 31: وعد لا يجف
2026/09/04
الفصل 32: حين العالم كان بسيطا
2026/09/04
الفصل 33: آخر وجبة سعيدة
2026/09/04
الفصل يوم إنتهت فيه الطفولة : 34
2026/09/04
الفصل 35: قبل أن يبدأ الحلم
2026/09/04
الفصل 36: أرض الاحلام
2026/09/04
الفصل 37: كابوس العائلة
2026/09/04
الفصل 38: ثمن القوة
2026/09/05
الفصل 39: الطريق الى دار الحكمة
2026/09/06
الفصل 40: ضلال دار الحكمة وأسرار لوسفير
2026/09/07
الفصل 41: حرب النهار الواحد
2026/09/08
الفصل 42: مملكة سيفار
2026/09/11
الفصل 43: لقاء غير متوقع
2026/09/12
الفصل 44: خاتم الامنية
2026/09/13
الفصل 45: خيوط المؤامرة
2026/09/14
الفصل 46: كبش فداء
2026/09/16
الفصل 46: ثمن الخوف
2026/09/17
الفصل 48: الهروب من الموت
2026/09/19
الفصل 49: الاسم الجديد
2026/10/03
الفصل 50: الاسم الذي لا يموت
2026/10/19
الفصل 51: عيسى آل ريام
2026/10/21

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة