الفصل السابع والثلاثون: كابوس العائلة
منذ ذلك اليوم...
لم يعد طارق هو الأخ الذي عرفته مريم.
تغيرت معاملته لها شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت كلماته القاسية وأوامره ونظراته الباردة جزءًا من حياتها اليومية.
كان يتعمد أن يكون قاسيًا معها.
إذا أخطأت، وبخها.
إذا تحدثت دون إذنه، أسكتها.
وإذا حاولت الاقتراب منه كما كانت تفعل في طفولتها، قابلها بنظرة جعلتها تتراجع.
ومع مرور الأيام...
بدأ الخوف يتسلل إلى قلب مريم.
لم تعد تراه أخًا يمكنها الركض إليه عندما تخاف.
بل أصبحت تراه شخصًا يجب عليها الحذر منه.
وفي إحدى الليالي، كان طارق يقف بعيدًا عنها، يراقبها وهي تنظر إليه بخوف.
لم يظهر أي تعبير على وجهه.
لكن في داخله كان يقول:
هذا جيد.
ستراني كعقبة يجب عليها تجاوزها.
بهذه الطريقة ستصبح أقوى.
ثم نظر إليها للحظات.
حتى رئيس العائلة لن يتجرأ عليها عندما تكبر.
كان يعلم أن ما يفعله يؤلمها.
لكنه أقنع نفسه بأن الألم المؤقت أفضل من أن تصبح مريم ضعيفة في عالم لا يرحم.
في اليوم التالي...
كان رئيس العائلة، لمين، يتحدث مع إحدى الخادمات.
ناولها شيئًا صغيرًا.
- اسمعي.
نظرت الخادمة إليه.
- نعم، سيدي.
قال ببرود:
- هذا دواء.
ثم أضاف:
- أعطيه لمريم.
ترددت الخادمة.
- وما فائدته؟
نظر إليها لمين بنظرة جعلتها تخفض رأسها.
- من المفترض أن يجعلها واهنة وغير قادرة على المقاومة.
لم يكن يعلم أن شخصًا كان يقف بالقرب منه ويسمع كل كلمة.
طارق.
تجمدت ملامحه.
لم يظهر على وجهه أي شيء.
لكن قبضته انغلقت ببطء.
دواء يجعلها ضعيفة؟
لم يقل شيئًا.
غادر لمين المكان، وبقي طارق واقفًا للحظات.
بعد وقت قصير، جاءت مريم.
توقفت عندما رأت طارق واقفًا أمام الخادمة التي كان بحوزتها الدواء.
شعرت بالخوف.
- أخي...
لم يلتفت إليها.
قال للخادمة:
- اسمعي جيدًا.
رفعت الخادمة رأسها.
- هناك ثلاث قواعد مهمة إذا أردتِ البقاء هنا.
ساد الصمت.
- القاعدة الأولى...
تقدم طارق خطوة.
- احترام المواعيد.
ثم قال ببرود:
- أي تأخر ستكون عواقبه قاسية.
ابتلعت الخادمة ريقها.
تابع:
- القاعدة الثانية...
نظر إليها مباشرة.
- لا تسألي عن أي شيء.
ثم أضاف:
- ما آمرك به تنفذينه فقط.
خفضت الخادمة رأسها.
- حاضر.
أما مريم فكانت تراقب بصمت.
قال طارق:
- والقاعدة الثالثة...
توقف للحظة.
ثم نظر إلى مريم.
- تربيتك لمريم.
ارتجفت مريم.
قال طارق للخادمة:
- عليك ان تعلميها الاداب يجب ان تنزل رأسها للاسفل عندما أمر
ثم قال :
- يمكنكي ان تصفعيها عقابا كي تتعلم.
ساد الصمت.
كانت مريم تنظر إلى طارق بعينين مرتجفتين.
قالت الخادمة انت تمزح يا سيدي فهيا ابنت رئيس العائلة .
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
- أرض الأحلام.
تغير المكان من حولهم في لحظة.
تلاشت الأصوات.
وغرق المكان في عالم غريب.
لم تفهم الخادمة ما حدث.
وفي اللحظة التالية...
سقطت على الأرض، ولم تعد قادرة على الحركة لقد ماتت .
خرج طارق من عالمه، وعاد المكان إلى طبيعته.
نظر إلى الخادمة بلا تعبير.
- خالفتِ القاعدة الثانية.
صرخت مريم:
- أخي!
كانت ترتجف بشدة.
لم تقترب منه.
لم تعد تعرف ماذا تفعل.
بعد لحظات، تجمع عدد من الخدم في المكان، وما إن رأوا ما حدث حتى تجمدوا في أماكنهم.
نظر طارق إليهم.
كان صوته هادئًا بشكل مخيف.
- هناك قواعد.
لم يجرؤ أحد على الكلام.
- وعليكم جميعًا اتباعها.
ثم أضاف:
- ومن يرفضها... يعرف ما سيحدث.
نظر إليهم واحدًا تلو الآخر.
- من يريد الاستقالة، فليستقل.
ساد الصمت.
ثم ابتسم طارق ابتسامة باردة.
- لكنني لا أضمن أن تبقوا أحياء بعد ذلك.
ارتجفت وجوه الخدم.
ثم قالوا بصوت واحد:
- حاضر.
استدار طارق وغادر.
أما مريم، فبقيت واقفة في مكانها، تحدق فيه بعينين مليئتين بالخوف.
بعد ذلك بوقت قصير...
وصل الخبر إلى رئيس العائلة.
تم إرسال طارق إلى سجن العائلة، ولم يبدُ عليه أي اعتراض.
جلس داخل زنزانته بهدوء.
كان المكان باردًا ومظلمًا.
ثم سُمعت خطوات تقترب.
رفع طارق عينيه.
ظهر لمين أمام القضبان.
توقف الأب أمام ابنه.
- سمعت ما حدث.
ظل طارق صامتًا.
قال لمين:
- أخبرني السبب.
رفع طارق عينيه إليه.
- ببساطة...
- خالفت قواعد وضعتها.
- واعتبرت ذلك تمردًا.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
- لذلك عاقبتها.
ظل لمين ينظر إليه.
ثم قال:
- أعتقد أنك تفهمني يا رئيس العائلة.
كانت العبارة ساخرة.
نظر الأب إلى ابنه.
وكانت نظراتهما متشابهة بشكل غريب.
نظرة باردة...
لا تحمل خوفًا ولا حنانًا.
وكأن كل واحد منهما كان يرى انعكاسًا لنفسه في الآخر.
رفع طارق حاجبه.
- أم...
ثم ابتسم بسخرية.
- هل أصبحت عاطفيًا؟
لم يتغير وجه لمين.
- لا.
- أردت فقط أن أعرف الأسباب.
سكت للحظة.
ثم أضاف:
- وأعتقد أن عقاب التمرد هذا مناسب.
أومأ طارق.
- نعم.
ثم قال ببرود:
- هذا هو جزاء المتمردين.
استدار لمين.
بدأ يبتعد عن الزنزانة.
لم يحاول طارق منعه.
ظل يراقب ظهر والده حتى ابتعد.
وعندما اختفى عن الأنظار، تغيرت ابتسامة طارق.
قال بصوت منخفض:
- أبي...
توقف لمين للحظة، لكنه لم يلتفت.
قال طارق:
- أنا سأكون كابوسك.
ظل الممر صامتًا.
ثم واصل لمين طريقه دون أن يجيب.
أما طارق، فبقي داخل زنزانته، وحده مع أفكاره.
كان قد اختار أن يكون قاسيًا.
اختار أن يجعل مريم تخاف منه.
واختار أن يواجه والده بالطريقة نفسها التي يواجه بها العدو.
لأنه في نظره...
إذا كان عليه أن يصبح الوحش الذي يحمي أخته من الوحوش الأخرى، فسيفعل ذلك.
حتى لو أصبحت مريم نفسها تخشاه.
أيمن صلاح الدين