الفصل السادس والثلاثون: أرض الأحلام
- طارق!
دوّى صوت المدير في أرجاء الكهف.
كان صوته مليئًا بالخوف، وهو يندفع نحو المدخل، لكن شيئًا هائلًا ظهر أمامه فجأة.
موجة من الطاقة!
انفجرت من جسد طارق، وانتشرت في جميع الاتجاهات، فاصطدمت بجدران الكهف ودفعت كل من حاول الاقتراب منه إلى الخلف.
توقف المدير بصعوبة.
- ما هذه الطاقة...؟!
كان طارق في منتصف المنصة الحجرية، وجسده يرتجف بعنف.
قبض على معصمه المجروح، ثم سقط على ركبتيه.
- آآآآآه!
صرخة مؤلمة خرجت من أعماقه.
كانت الطاقة تتدفق داخل جسده كأنها تحاول تمزيقه من الداخل.
ثم أغمض عينيه.
وفجأة...
اختفى الكهف.
كان طارق يقف في مكان مظلم.
رفع رأسه.
- أمي؟
ظهرت أمامه فتيحة.
كانت واقفة وسط الظلام، ووجهها يحمل ابتسامتها القديمة.
ابتسامة لطالما أحبها.
اقترب منها طارق.
- أمي...
لكن شيئًا تغير.
اشتعلت النيران حولها.
تراجعت ابتسامتها.
ثم بدأت النار تلتهم جسدها.
- أمي!
صرخ طارق، لكن فتيحة لم تتحرك.
ثم رأى شيئًا آخر.
مريم.
كانت أخته الصغيرة واقفة في مكان قريب.
وفجأة اشتعلت النيران حولها أيضًا.
- مريم!
ركض طارق نحوها.
لكن المسافة بينهما كانت تزداد.
- مريم!
صرخ بأعلى صوته.
- أمي!
- مريم!
لكن النار ابتلعتهما أمام عينيه.
سقط طارق على ركبتيه.
- لا...
وضع يديه على رأسه.
- لا، لا، لا!
تغير المشهد.
ظهر أمامه يوم جنازة والدته.
السماء رمادية.
الناس واقفون حول القبر.
وفتيحة تحت التراب.
لكن الشيء الذي أثار رعبه لم يكن القبر...
بل مريم.
كانت تبحث بعينيها بين الناس.
- أين أنت؟
نظر طارق حوله.
كان والده غائبًا.
ثم قال:
- ماذا تفعل؟!
- أمي تحتاجك!
تقدم طارق خطوة.
- أختي تحتاجك!
ثم نظر إلى المكان الذي كان من المفترض أن يقف فيه والدهم.
- وأنا أحتاجك!
تجمد طارق.
كان يسمع صدى كلماته داخل رأسه.
ثم بدأت أصوات أخرى تظهر حوله.
أصوات الطلاب.
أصوات المتقدمين إلى اختبار التسخير.
ضحكاتهم.
أحلامهم.
طموحاتهم.
لكنه لم يعد يسمعها كما يسمعها الآخرون.
بل كأنها أصوات أشخاص يطلبون منه أن يستسلم.
رفع طارق رأسه.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
ثم قال:
- أرفض أن أموت!
ارتج المكان من حوله.
- أختي تحتاجني!
بدأت الطاقة تتجمع حول جسده.
- سأحقق أحلام أمي!
صرخ:
- سأجعل أختي تعيش أحلامها!
وفي تلك اللحظة...
خرج كائن الفيج من أعماق المنصة.
اندفع نحو طارق.
ثم اندمج في جسده.
دخلت الطاقة إلى قلبه مباشرة.
دَوِيٌّ هائل!
توقف جسد طارق للحظة.
ثم سقط مغشيًا عليه.
في الخارج...
تغير كل شيء.
فتح المدير عينيه على اتساعهما.
- ماذا يحدث؟!
انفجرت الطاقة من داخل الكهف.
ثم انتشرت حول طارق.
وفجأة...
اختفى الجميع.
المدير.
الأستاذ.
الطلاب.
حتى جدران الكهف نفسها.
فتح المدير عينيه.
لم يعد في الكهف.
كان يقف في عالم غريب.
سماء غير مألوفة.
أرض لا تشبه أي مكان يعرفه.
ومشاهد تتغير من حولهم باستمرار.
حدق المدير بدهشة.
- ما هذه القدرة...؟
ثم أدرك الحقيقة.
- أرض الأحلام!
نظر إلى طارق المغمى عليه.
- لقد استخدم قدرته دون وعي...
ثم قال بصوت منخفض:
- سلسلة الزمن.
بدأت الطاقة الزمنية تتجمع حول يده.
كانت قدرة المدير تسمح له بالعودة في الزمن ضمن نطاق لا يتجاوز خمسمئة متر.
لكن العودة لم تكن مفتوحة بلا حدود.
كان أقصى ما يستطيع الرجوع إليه هو دقيقة واحدة فقط.
ومع ذلك...
حتى هذه القدرة لم تكن قادرة على العمل الآن.
أغلق المدير قبضته.
- لا يمكنني العودة...
نظر حوله.
- أثناء التسخير، هذه خارج حدود قدرتي.
ثم أدرك السبب.
كانت طاقة التسخير تلغي تأثير قدرات الفيج الأخرى داخل دائرة قطرها ألف متر.
أي محاولة للعودة الآن كانت بلا فائدة.
نظر المدير إلى طارق.
كان جسده ساكنًا.
- يا له من أحمق...
ثم تغيرت ملامحه.
- بل...
اقترب منه.
- يا لها من معجزة أنه ما زال حيًا.
مر الوقت.
يوم...
ثم يوم آخر.
حتى مرت سبعة أيام كاملة.
فتح طارق عينيه ببطء.
كان كل شيء ضبابيًا.
حدق في السقف.
ثم تحرك قليلًا.
- أين أنا؟
كان المدير جالسًا بالقرب منه.
ما إن رأى عيني طارق مفتوحتين حتى وقف.
- استيقظت!
نظر إليه طارق.
- كم بقيت نائمًا؟
تردد المدير للحظة.
ثم قال:
- حوالي أسبوع.
اتسعت عينا طارق.
- ماذا؟
جلس بسرعة، ثم شعر بدوار شديد.
- أسبوع كامل؟!
أمسك المدير بكتفه.
- اهدأ.
لكن طارق لم يسمعه.
تذكر شيئًا.
- اليوم...
نظر إلى المدير.
- اليوم ميلاد مريم!
حاول النهوض.
- يجب أن أذهب.
ثم توقف.
شيء غريب كان يحدث داخله.
نظر إلى المدير.
- انتظر...
خفض عينيه.
- لماذا...
صمت.
- لماذا لست سعيدًا؟
رفع المدير حاجبه.
- ماذا تقصد؟
وضع طارق يده على صدره.
- اليوم ميلاد أختي.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
- من المفترض أن أكون سعيدًا.
لكن شيئًا لم يكن موجودًا.
الشعور الذي كان يجب أن يأتي لم يأتِ.
- أو بالأحرى...
رفع عينيه.
- لقد نسيت شعور السعادة في تلك اللحظة.
اقترب المدير منه.
- طارق...
- ماذا يحدث لي؟
ساد الصمت.
ثم قال المدير:
- قدرتك هي أرض الأحلام.
ظل طارق صامتًا.
- لكنها تحمل سلبية قاسية.
رفع المدير عينيه إليه.
- نسيان شعور السعادة المرتبط بذكرى معينة.
تجمد طارق.
- ماذا يعني ذلك؟
قال المدير بهدوء:
- ستتذكر الذكرى...
- لكن الشعور الذي كان يرافقها سيختفي.
بدأ صوت طارق يرتجف.
- ماذا؟
ثم تذكر والدته.
وتذكر أخته.
- أمي...
ابتلع ريقه.
- مريم...
ثم سأل بصوت متقطع:
- هذا يعني أنني سأنسى شعوري بالسعادة مع أمي وأختي؟
سكت لحظة.
- أنا لن أكرههما...
أليس كذلك؟
نظر المدير إليه بحزن.
- لا.
ثم قال:
- لن تكرههما.
اقترب منه.
- لكنك ستنسى سعادتك معهما.
انخفض رأس طارق.
كانت الكلمات أثقل من أي ألم شعر به أثناء التسخير.
عاد طارق إلى المنزل.
كان القصر هادئًا.
وفجأة ظهرت مريم أمامه.
ابتسمت.
- أخي!
ثم اقتربت منه.
- لقد تأخرت!
نظر إليها طارق.
لم يجب.
ثم تجاوزها ومضى.
توقفت مريم في مكانها.
- أخي؟
لكن طارق لم يلتفت.
كان يمشي في الممر، وفي داخله فكرة واحدة:
لا بد أن هناك ثغرة.
يجب أن أجدها.
وإلا...
توقف للحظة.
ثم سمع صوت مريم.
- سأذهب إلى أبي.
التفت إليها.
- هذا جيد.
قالها ببرود شديد.
ثم أكمل طريقه.
كانت لديه ذكريات سعيدة معها.
يتذكرها.
لكن الشعور الذي كان يرافق تلك الذكريات بدأ يختفي.
وكأنه يُنتزع من داخله ببطء.
ثم فكر:
ما دامت مرتبطة برئيس العائلة... فستعاني.
وأبي لن يتغير.
إذن عليّ أن أفعل شيئًا.
أغمض عينيه.
ما دمتِ لن تكرهي والدك...
فعليك أن تكرهيني أنا.
خفض رأسه.
أنا آسف يا مريم.
بسبب قدرتي... لا يمكنني حمايتك كما يجب.
لذلك يجب عليك حماية نفسك.
سمع خطوات صغيرة خلفه.
استدار.
كانت مريم تقف أمامه.
- أخي...
اقتربت منه.
- لماذا تتصرف هكذا؟
لم يجب.
- هل أنت غاضب مني؟
نظر إليها طارق.
كانت ابتسامتها بريئة.
رفع يده.
ثم...
صفعها.
تجمدت مريم.
سقطت دمعة من عينها.
لم تفهم.
- أخي...؟
كان طارق يشعر وكأن يده لم تكن يده.
لكن وجهه بقي جامدًا.
قال ببرود:
- اسمعي.
خفضت مريم رأسها.
- أنا الآن مسخر.
ثم تابع:
- لا وقت للعب الأطفال.
رفعت مريم عينيها إليه، وكانت الصدمة واضحة في وجهها.
أما طارق...
فكان يتألم أكثر منها.
لكنه لم يسمح لنفسه بالتراجع.
في تلك اللحظة ظهرت الخادمة.
نظر إليها طارق.
ثم قال ببرود:
- من اليوم، عليك أن تعلميها الآداب.
توقفت الخادمة.
أكمل:
- وإلا...
ثم ترك الجملة معلقة.
استدار ورحل.
وبقيت مريم في مكانها، تضع يدها على خدها، غير قادرة على فهم كيف تحول أخوها الذي كان يضحك معها...
إلى شخص لا تعرفه.
أما طارق، فكان يسير بعيدًا.
كل خطوة كانت تؤلمه.
لكنه كان يكرر في داخله:
إذا كرهتني... ربما ستنجين.
وكانت تلك بداية القسوة التي اختارها بنفسه...
حتى يحمي الشخص الوحيد الذي بقي له.
أيمن صلاح الدين