الفصل الثاني والثلاثون : حين كان العالم بسيطًا
ظل وليد واقفًا أمام المدير، لكن الكلمات التي سمعها عن طارق لم تترك ذهنه.
كان يشعر بالحيرة.
كيف يمكن لشخص أن يكون قاسيًا إلى ذلك الحد، وفي الوقت نفسه يحمل داخله كل ذلك الألم؟
رفع وليد عينيه نحو المدير وسأله:
- هل طارق شخص جيد... أم شخص سيئ؟
لم يجب المدير مباشرة.
ظل صامتًا للحظات، وكأنه يبحث عن إجابة دقيقة، ثم قال:
- هو نفسه لا يعرف.
رمش وليد باستغراب.
- كيف؟
تنهد المدير، ثم اتكأ إلى الخلف.
- طارق يسير حسب اللحظة.
كانت نبرته هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الحزن.
- لا يهتم كثيرًا بما حدث في الماضي... لأن ما حدث قد حدث.
ثم رفع إصبعه قليلًا.
- ولا يلقي بالًا للمستقبل، لأن ما سيأتي... سواء كان خيرًا أو شرًا، فكلام الناس لن يصنعه.
توقف لحظة، ثم نظر مباشرة إلى وليد.
- القدر هو من سيأتي بما هو قادم.
ثم قال:
- أما الحاضر... فهو بيده.
ساد الصمت.
أكمل المدير:
- ولذلك يفعل طارق ما يريد فعله في اللحظة التي يعيشها.
خفض وليد رأسه قليلًا.
قال المدير:
- هكذا يرى طارق العالم.
ثم تغير المشهد في ذهن وليد...
وعاد الزمن إلى الوراء.
إلى ستة عشر عامًا مضت.
قبل ستة عشر عامًا
كان القصر غارقًا في أجواء احتفالية هادئة.
أصوات الخدم تتحرك في الممرات، ورائحة الطعام والحلوى تنتشر في أرجاء المكان.
في إحدى الغرف، كانت امرأة شابة مستلقية على سريرها.
كانت متعبة، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها.
إنها فتيحة آل زهرمان، اخت قائد المجلس .
وبجانبها وقف طفل صغير لم يتجاوز الثالثة من عمره.
كان طارق.
نظر إلى والدته بقلق، ثم اقترب منها بخطوات صغيرة.
- هل أنت بخير يا أمي؟
نظرت إليه فتيحة وابتسمت.
- لا تقلق، أنا بخير.
ثم أشارت إلى المهد الصغير بجانبها.
- هيا... رحب بأختك.
اقترب طارق بفضول.
حدق في الطفلة الصغيرة التي كانت تتحرك داخل المهد.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، ورفع صوته بحماس:
- مرحبًا أختي!
فجأة بدأت الطفلة بالبكاء.
تجمد طارق في مكانه.
ثم قال بسرعة:
- آه... أنا آسف! لم أقصد!
ضحكت فتيحة بخفة.
- لا داعي للقلق.
ثم نظرت إلى طفلتها بحنان.
- إنه أخوك الأكبر.
اقترب طارق أكثر، وظل ينظر إلى أخته وكأنه يحاول فهم هذا الكائن الصغير الذي جاء إلى حياته.
قالت فتيحة:
- طارق...
التفت إليها.
- ماذا سنسمي أختك؟
وضع طارق يده على ذقنه، وبدأ يفكر بجدية مبالغ فيها.
- مممم...
ثم اتسعت عيناه فجأة.
- حسنًا!
قال بفخر:
- سنسميها محمد!
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجرت فتيحة بالضحك.
- محمد؟
ضحكت وهي تنظر إليه.
- هذا اسم رجل يا طارق! فكر باسم فتاة.
عقد طارق حاجبيه، وكأنه أخذ الأمر على محمل الجد.
- إذن...
فكر طويلًا.
ثم قال:
- مممم... مريم!
توقفت فتيحة عن الضحك.
نظرت إلى طفلتها، ثم ابتسمت.
- يا له من اسم جميل.
اقتربت من الصغيرة.
- هل يعجبك يا مريم؟
وكأنها فهمت كلمات أمها، توقفت مريم عن البكاء.
ثم أطلقت ضحكة صغيرة وسعيدة.
اتسعت ابتسامة فتيحة.
أما طارق، فظل ينظر إليها بدهشة.
وفي زاوية الغرفة كان المدير يقف، وقد شاهد ضحكة الطفلة.
ابتسم دون أن يتحدث.
كانت لحظة بسيطة...
لكنها كانت واحدة من أجمل اللحظات التي عاشها طارق في طفولته.
وضعت فتيحة يدها على رأس ابنها.
- طارق، أنت أخوها الأكبر.
نظر إليها باهتمام.
- ماذا يعني ذلك؟
ابتسمت فتيحة.
- يعني أنه عليك حمايتها.
رفع طارق يده ووضعها فوق رأسه، ثم رسم على وجهه تعبيرًا مضحكًا، وكأنه أصبح قائدًا عظيمًا.
قال بكل فخر:
- مادمت الأخ الأكبر...
رفع صدره إلى الأمام.
- فهذا بالتأكيد مسؤولية لا يقدر عليها سوى الأخ الأكبر!
ضحكت فتيحة بشدة.
وضغطت على خديها وهي تقول:
- يا لك من طفل مضحك!
أما طارق فظل واقفًا بتلك الهيئة الفخورة، وكأنه أصبح بالفعل حامي أخته.
مرت السنوات.
أصبحت مريم في الثانية من عمرها.
لكن حياة العائلة لم تكن كما تبدو من الخارج.
كانت فتيحة مصابة بمرض عضال، وبدأ المرض يأخذ من جسدها شيئًا فشيئًا.
ومع ذلك...
كانت تحاول دائمًا أن تبتسم أمام أطفالها.
في أحد الأيام، دخل طارق الغرفة وهو يحمل وعاءً صغيرًا بكلتا يديه.
كان وجهه مليئًا بالفخر.
- أمي!
رفعت فتيحة رأسها بصعوبة.
- نعم يا طارق؟
اقترب منها بحماس.
- لقد حضرت لك الحساء!
نظر إلى الوعاء وكأنه قدم أعظم طبق في العالم.
كان الحساء في الحقيقة سيئًا للغاية...
رائحته غريبة، ولونه لم يكن مطمئنًا.
لكن فتيحة لم تهتم.
ابتسمت، وأخذت الملعقة.
ارتشفت قليلًا.
تغير وجهها للحظة بسبب الطعم المر.
لكنها أخفت ذلك بسرعة.
ابتسمت بسعادة.
- يا له من حساء جميل!
اتسعت عينا طارق.
- حقًا؟
- نعم.
قالت وهي تأخذ ملعقة أخرى:
- إنه لذيذ جدًا.
ابتسم طارق بفخر.
- لقد حضرته أنا والخادمة.
ثم اقترب منها أكثر.
- كلي... وستشعرين بتحسن.
كانت فتيحة تنظر إليه بحنان.
أما الخادمة التي كانت تقف في الخلف، فكانت تراقبها بنظرة غريبة.
كانت عيناها تحملان شيئًا لم يستطع طارق فهمه.
لم تكن نظرة إعجاب...
ولا اهتمام.
بل شيء أقرب إلى الكراهية.
لكن طارق لم يلاحظ ذلك.
كان كل اهتمامه منصبًا على والدته.
في ذلك اليوم، وصل والد طارق.
لمين من آل ريام.
دخل الغرفة، ثم رأى ابنه.
- مرحبًا يا أبي.
نظر إليه لمين.
- ماذا تفعل؟ ألم تذهب إلى الدراسة؟
أجاب طارق ببساطة:
- كنت عند والدتي.
نظر لمين نحو فتيحة، ثم قال ببرود:
- هناك خدم كثيرون يهتمون بها.
لم يجب طارق.
فقد كان معتادًا على نبرة والده القاسية.
خرج لمين من غرفة فتيحة وذهب الى مكتبه واستمر حديثه وكأنه يتحدث عن أمر عادي:
- بالمناسبة...
التفت إلى أحد رجاله.
- المدير لديه حفيد في مثل سن مريم .
توقف قليلًا.
ثم قال:
- هل أزوجه إيها حين تكبر؟
سمع طارق مصادفة .
لم يفهم تمامًا ما كان والده يتحدث عنه.
أما الرجل والذي كان كبير الخدم الذي كان يقف بجانب لمين فقال باحترام:
- إنك ذو بصيرة مذهلة، سيدي.
ثم أضاف:
- لكن أذكرك أن حفيده، والمدير كذلك، من العوائل الفرعية... وليسا من العائلة الرئيسة.
هز لمين رأسه.
- أنت محق.
اما مريم
فكانت الطفلة الصغيرة تلعب بهدوء بالقرب من والدتها.
قال لمين ببرود:
- ابنتي سلعة أغلى من ذلك.
تجمد طارق.
نظر إلى والده باستغراب.
ثم سأل بصوت بريء:
- سلعة؟
- ماذا تعني يا أبي... سلعة؟
كانت تلك الكلمة أول شرارة جعلت طارق يبدأ في فهم عالم الكبار...
عالم لا يرى الناس كما يراهم الأطفال.
عالم تُقاس فيه قيمة الإنسان باسم عائلته ومكانته...
حتى لو كان ذلك الإنسان مجرد طفل لم يعرف بعد معنى القسوة.
أيمن صلاح الدين