المقدمة:
يُقال إن بعض الأماكن لا تختار سُكّانها... بل تَختار ضحاياها.
على أطراف بلدة هادئة، تقف تلةٌ مغطاة بالأشجار، لا يراها الناس سوى مُجرَّد تلٍّ خالٍ من الحياة. لا أبواب، لا شبابيك، لا شيء يُثير الشكوك. .
لكنّ مَن يقع عليه الاختيار، يرى شيئاً مُختلفاً تماماً. يرى البابَ، يرى النوافذَ، ويسمع الهَمَسات...ومُنذ قرون، لا أحد دخل ذاك المنزل وعاد.
جاك سميث، شاب هادئ لا يحمل في قلبه كراهيةً لأحد. يعمل بجدٍّ، يُحب الكتب القديمة، ويحلم بحياةٍ بسيطة بعيداً عن المتاعب. لكن قَدَرَه تغيّر في لحظة.
عندما ظهر له المنزل لأول مرة، لم يكن يعلم أن جَدَّه الأكبر هو مَن شيّد ذاك الكيان المشؤوم... ولم يكن يعلم أنه قد تمَّ اختياره..
النجوم تتلألأ في سماءٍ صافية، والبرد يلفح وجهي كأنما يُنذرني بشيءٍ قادم. زاد الليلُ رهبةً... ذلك البدر المضيء المتدلّي في الأعالي كمصباح زيتي، يشعُّ في عتمةٍ صامتة.
أسيرُ على طريقٍ مهجورةٍ تحفُّها أشجارٌ كثيفة، تخنق الضوءَ وتبتلع الأصواتَ. لا شيء سوى هَمَسات الريح... أو لعلها ليست رِيحًا.
صوتٌ خافتٌ (يتردّد في رأسي):
"اِذهب إلى الغابة... هناك ستجد ما تبحث عنه..."
صوتٌ يَصدر كأنه من قاع العالم. لم يكن غريبًا عنّي، بل مألوفًا حَدَّ الرُّعب، كأنني سمعته في ألف حلمٍ أو كابوس.
الصوتُ يتواصل :
سيأتي مَن يُعيد إلينا الحياة... مَن سيكسر اللعنة..."
عن مَن يتحدّثون؟ ومَن هم أصلًا؟*
أنا "جاك سميث"، لا أؤذي أحدًا، أعيش بسلام... فلماذا أشعر أنني وسط قصةٍ لا تخصّني؟
صراعٌ يشتعل داخلي... قلبي يندفع نحو التلة أمامي، بينما عقلي يسخر منّي. أريد الوصول، لكن لا أعلم السبب. شيءٌ ما هناك يُناديني.
أتقدّم بخطى متردّدة، والخوف يتسلّل إلى أضلُعي كأفعى باردة.
كل شيء حولي صامت، سوى صَدَى ذكرياتي:
كوابيس عن منزلٍ ضخم، مخلوقاتٍ بأشكال لا تصفها الكلمات، وجدّي... الذي اختفى منذ عقود، دون أن يُعثر على جثته.
"صوتٌ مألوفٌ (يخترق السكون):
"جاك! أسرِع... كلُّنا نحتاجك... لا تنظر خلفك!"
صرخة مألوفة اخترقت سكون الطريق، لم أُعرِها اهتمامًا. اعتدت هذه الأصوات، أصبحت كأنها جزء من حياتي... أو من جُنوني..
لكني — ولِغَباءٍ غريزيٍّ — نَظرتُ خلفي.
انفتح الباب.
ليس بابًا عاديًّا، بل بَرزخًا بين العالمين.
ومن خلاله، خرج مخلوقٌ يعرفني جيدًا
ضخم، له جسد أسدٍ لكن أطولَ وأقوى، على ظهره أشواك، وأربع عيونٍ حمراء تُضيء الظلام. يبتسم... إن كانت تلك ابتسامة.
المخلوق(بصوتٍ يشبه هدير الأرض):
"أنا قادمٌ من أجلك، جاك... جئتُ لأخذ روحك
،
تجمَّدْتُ. شُلَّتْ أطرافي.
كل خلية في جسدي تصرخ: اِهرَب!
لكنني وقفتُ كالصنم، أحدّق في عينيه حتى فقدتُ القدرةَ على التفكير.
صوتُ صديق طفولتي (يصرخ في رأسي):
"اِهرَب أيها الأحمق!"
ركضتُ كما لم أركض من قبل.
كل خطوة حربٌ بين الحياة والموت.
كل نفسٍ تحدٍّ للقدر.
لكنه كان أسرع... وأقوى.
تعثّرت بغصنٍ خبيثٍ كُتِب عليه أن يُسقِطني.
وَقَعْتُ. تحركت زاحفًا، لكن أين المفر؟
كان فوقي.
يبتسم بأنيابه الضخمة، حارسة جهنم بعينيه، والموت في مخالبه.
*لقد انتهى كل شيء...*
لكنه لم يقتلني. بل حملني كأنني جائزة.
وانطلق بي نحو التلة.
ابتسمتُ بسخرية:
جاك (في داخله):
"سأزور التلة أخيرًا... لكن بطريقةٍ لم أتمنَّها."
في ذهني، تدافعت كلمات والدتي قبل وفاتها:
صوت الأم:
"ستجده هناك، يا جاك... أنا بانتظارك معه."
جاك(بصوتٍ داخليٍّ مُرتعش):
ماذا يحدث لي؟ إلى أين أنا ذاهب؟ هل اقتربت ساعتي؟"
أسئلةٌ تلتهمني كاللهيب، بينما هذا المخلوق المريع يجرّني كذبيحةٍ نحو مذبحةٍ مجهولة، كأنني خروفٌ ينتظر سكينه.
مَن أنادي؟ مَن يملك الخلاص؟*
أنادي الله؟ لكنني هجرته منذ زمن...
أتراه يسمع صوتي الآن وأنا لم أناجه في وقت الرخاء؟
أليس هذا نفاقًا؟ أن تطلب الرحمة في الشدّة وتكون غريبًا في الطمأنينة؟
ربما يجب أن أواجه مصيري كما هو، أن أموت كرجلٍ يتحمّل تبعات اختياراته.
صوت الريح يخترق صمته... يرفع رأسه، التل تبتعد كأن الأرض تمشي للخلف
جاك (يصرخ والمخلوق يُسرع الخطى):
"اقتربنا من النهاية، فلماذا تبتعد التلة؟ أرجوك... اقتلني وارتح!"
ضحك المخلوق ضحكةً ساخرةً كسخرية الوجود من ضعفي.
*حتى هذا الوحش يستهزئ بي؟! أين كرامتي؟ أين جبروت الإنسان؟*
آه نعم... نحن جبابرة فقط على بعضنا.
لكن حين نواجه ما يتجاوز قوانيننا، نصير حشراتٍ ترتعد.
نظرت حولي... أرواحٌ باهتةٌ تطير قربي، بعضها يبتسم، بعضها يلوّح... كأنها ترحّب بي.
جاك (بصوتٍ خافت):
لا... لا أريد أن أموت. ليس الآن. ليس هكذا."
توقف المخلوق عند ضفاف نهرٍ أحمر، مياهه كدماء فائرة، والجثث تطفو فوقه كأوراق خريف خائنة.
المخلوق (بصوته الغليظ):
"اُنظر إليهم... كانوا مثلك، دُعوا إلى المكان المقدّس... لِيُبارَكوا.
لكنهم اختاروا فتات الدنيا، فرفضوا الخلود.
وكان جزاؤهم الموت."
جاك (بتهدّج):
وما شأني أنا؟ لماذا أنا؟"
انحنى المخلوق نحوي، وهمس بنبرةٍ تُذيب العظام:
لأن جدّك... في انتظارك.
اتسعت عينا جاك، وارتعد قلبه.
ذكرياتٌ تعصف به: صورة الجدّ، صوته، غيابه، قبر لم يُعثر عليه.
جاك (بصدمة):
جدّي؟! لكنه ميت منذ سنوات!
لم نجد حتى جثته!"
المخلوق (ببرود القبور):
ولذلك هو هنا. ينتظرك...
أنت المفتاح الأخير.
إمّا أن تنهي اللعنة... أو تلتحق بهم."
جاك(يكتم رعشة صوته):
ماذا تقصد بأنه ينتظرني؟ أين؟ وكيف؟"
المخلوق:
الاختفاء لا يعني الغياب، يا جاك.
بعض الأرواح تتراجع... إلى أماكن لا يجرؤ البشر على دخولها."
جاك(يُحاول السيطرة على أنفاسه):
تتكلّم بألغاز! ما دخل هذا كله بي؟
وما شأن ذلك المنزل؟"
توقّف المخلوق فجأة، محدّقًا بأربع عيونٍ تشعّ بنارٍ قديمة:
المنزل هو البداية.
وكل بداية تترك خلفها ظلالًا، وجدرانه تحفظ كل ظلّ...
حتى ظل جدك."
جاك(قلقه يتحوّل إلى هوس):
ذلك المنزل كان فارغًا مُنذ قرون!
لماذا الآن؟ لماذا بعد كل هذه السنوات؟"
ابتسم المخلوق ابتسامةً تذكّر بالموت:
لأن الظلال لا تموت، بل تنتظر...
وكل شيء هنا ينتظر عودتك، يا جاك."
جاك(يخطو إلى الوراء):
"ولماذا أنا؟ ما الذي يربطني بهذا؟"
اقترب المخلوق حتّى لمستُ حرارته، وهمس:
"لأنك من دمه...
ولأنك دخلت المنزل، حتى لو لم تفتح بابه."
سكتَ فجأةً كأنه قال أكثر مما ينبغي... ثم استدار، ومضى على ضفاف النهر.
جاك (يتبعه بصوتٍ مكسور):
"إذا رأيته... إذا رأيت جدّي...
هل سيتعرف عليّ؟ هل ما زال... هو؟"
أجاب دون أن يلتفت:
"هذا... ما ستعرفه قريبًا.
لكن تذكّر: بعض الأبواب إذا فُتحت، لا تُغلَق أبدًا."
.
Imad chelloufi