حين تنزف الجدران

حين تنزف الجدران

10 0

ساد الصمت المريب الغرفة بعد خروج بابرز، كأن جدرانها ابتلعت كل الأصوات، ولم يبقَ سوى أنين الريح المتسلل من بين الشقوق. جلست سيريا منهارة على الأرض، والدموع تنهمر من عينيها كوديان لا تنتهي، حزناً على أختها مارشا التي سقطت في خزانة مورتوس العظيم، وعجزها عن إنقاذ جاك من لعنته التي تزداد عمقًا يوماً بعد يوم.

رفعت رأسها ببطء لتجد جاجا واقفًا على قدميه، ملامحه جامدة على غير عادته. اقترب من جثة ميلينا الملقاة على الأرض، وانحنى ليلتقطها برفق، كأنه يحمل عروسًا في ليلة زفافها. سار بها بخطوات هادئة حتى وضعها على السرير بعناية، ثم سحب الغطاء ليغطي جسدها العاري، وقال بصوت خافت، تتخلله نبرة حزن لم تعهدها سيريا فيه:

"ربما كنتِ أكبر ساقطة عرفتها في حياتي…

لكنك جزء من هذا المنزل، منّا.

ولن نتركك وحدك، مهما كانت الظروف."

تلك الكلمات البسيطة اخترقت قلب سيريا كطعنة ناعمة، وأيقظت فيها مشاعر كانت تظنها ماتت منذ زمن. رأت في ذلك المخلوق الغريب والمجنون منطقًا لا يخلو من الإنسانية، ودفئًا لم تعرفه حتى بين البشر. اشتعلت في صدرها نيران العشق القديمة التي خمدت برحيل حبيبها، وازداد وجهها صلابة وهي تمسح دموعها وتقبض على سيف سيرفيابل.

وقفت بثبات وقالت بصوت متهدّج لكنه حازم:

"أيها الأخرق، دعنا نذهب وننقذ جاك."

رفع جاجا رأسه نحوها وقال باعتراض طفولي:

"وماذا عن ميلينا؟ يجب أن يحرسها أحد."

ابتسمت سيريا بخفة، وهي تنظر إليه بنصف عين:

"لا تقلق، لن تسقط بسهولة… لكن خف فقط على من يقترب منها."

قفز جاجا كطفلٍ مدلّل، متشبثًا برأيه:

"لن أتركها وحدها! إن أردتِ أخذي معك… فخُذيني بالقوة، إن استطعتِ!"

ارتسمت على وجه سيريا ابتسامة ماكرة، وقالت بصوت خفيض:

"أمنيتك تحققت يا جاجا."

تقدمت نحوه بسرعة البرق، وأمسكته من قميصه، ثم رفعته بسهولة فوق كتفها كما يُرفع كيس قطن، بينما سيف سيرفيابل يتدلّى على كتفها الآخر. كان جاجا يركل الهواء ويصرخ بجنون:

"أنزليني! أنا بالغ! أنزليني حالاً وإلا أذيتك!"

ضحكت سيريا ضحكة قصيرة، ساخرة ومليئة بالثقة، وهي تتجه نحو الباب دون أن تلتفت:

"أنت أجبن مخلوق في مملكة جزرايا التي تنتمي إليها."

ثم دفعت الباب بقدمها، وأغلقته خلفها بقوة، تاركة الغرفة تغرق في ظلالها وصدى ضحكها يذوب في الممر الطويل.

صمت ثقيل يخيم على المكان... ثم ظهر مخلوق ضخم يجلس بالقرب من ميلينا، مبتسمًا بخبث، تتلألأ عيناه بلون رمادي مائل للزرقة.

المخلوق (بصوت خافت متهكم)

ألم أخبرك أن تسيطري على شهوتك؟

لو أنك فقط طبقتِ ما قاله سيدنا "سيندو"، لما انتهى بك الحال هكذا...

يمسك بيدها برفق غريب، كأن في لمسته شيئًا من الحنان المشوه.

المخلوق (بهدوء)

لن أتركك وحدك يا ميلينا... مهما كانت الظروف.

في هذه الأثناء، كانت سيريا تشق طريقها عبر الرواق الطويل، تتقدم بخطى حذرة وهي تلوّح بسيفها اللامع. رؤوس الممرضات تتطاير، وأجسادهن تسقط تباعًا، فيما  جاجا مستلقي على كتفها يحرسها من الخلف، يفتح فمه ويقذف سائلاً حامضًا يذيب لحم الممرضات كالشمع في النار.

جاجا (متذمرًا وهو يضع يده على خده)

هل أنتِ سعيدة الآن؟

سيريا (وهي تلوّح بالسيف بقوة)

عن أي شيء تتحدث؟ ليس الوقت المناسب لفلسفتك التافهة!

جاجا (يتنهد وهو يطلق دفعة حامض أخرى)

لقد قتلتِ ممرضات كنت أعتاد النوم معهن...

سيريا (تتوقف لحظة وتنظر إليه باشمئزاز)

أنت مريض يا جاجا... وتحتاج إلى علاج عاجل.

جاجا (بابتسامة ساخرة)

وكيف تصفين بالمريض من أحبّ العمل الخيري؟

تتجاهله سيريا ثم ترميه نحو ، لكنه فجأة يسقط من السقف بعدما قذفته، فيرتد ويصطدم رأسه بالحديد قبل أن يهبط فوق كتفها متألمًا.

جاجا (يتأوه)

لو كنتِ حبيبتي... لانفصلت عنك منذ زمن بعيد.

تدفعه سيريا بعنف وهي تتابع طريقها، بينما يواصلان شجارهما الساخر وسط الدماء والجثث المتناثرة، كأن القتال صار لعبة بين أخوين يختلفان على من يبدأ الجولة التالية.

ساد صمت غريب في المكان، صمت يسبق الانفجار عادة، صمتٌ يجعل القلب يرتجف قبل أن تدرك سببه.

توقفت سيريا فجأة، والسيف في يدها يلمع بخفوت، بينما أخذ الرواق من حولهما يتنفس كما لو أنه كائن حيّ يحتضر.

تشققت الجدران ببطء، تساقطت منها طبقات الطلاء كجلد ميت يتقشر، لتظهر تحتها جذور حمراء داكنة تلتف حول الجدران كالأفاعي، تنبض بإيقاع بطيء يشبه دقات قلبٍ مريض.

من السقف راحت تتساقط قطرات دماء ثقيلة، تترك أثرًا داكنًا على الأرض، حتى تحولت تلك الأرض نفسها إلى صفائح حديد صدئة متوهجة بحرارة خافتة، كأن الجحيم بدأ يزحف إلى هذا المكان بصمت.

ارتجف جاجا خطوة إلى الوراء وهو يحدق في الفوضى بعينين متسعتين وقال بصوت متلعثم:

ما هذا الجحيم مجددًا؟ هل دخلنا بطن الوحش؟

نظرت إليه سيريا بحدة وهي ترفع سيفها وترد ببرود:

لا تتحدث كثيرًا... إنه قادم.

قبل أن ينهي كلماته، انبثق من أعماق الظلال مخلوق مشوَّه ضخم، يسير على يديه بينما قدماه مرفوعتان فوق كتفيه بشكل مقلوب. من أطراف قدميه خرجت سيوف معدنية طويلة تصدر صريرًا حادًا كلما لامست الأرض، وصدره المفتوح ينبعث منه بخار أحمر كثيف.

كان فمه مفتوحًا على اتساعه، ومن داخله تتطاير نبالات معدنية صدئة، تندفع في الهواء بسرعة جنونية.

انحنى جاجا متفاديًا إحداها وهو يصرخ ساخرًا:

رائع! مخلوق يطلق سهامًا من فمه... هل سيتبقى لنا بعد ذلك تمساح يعزف الكمان؟

صرخت سيريا وهي تتدحرج أرضًا لتتفادى وابلًا من النبال:

أغلق فمك وابتعد قبل أن يثقبنا معًا!

زحف المخلوق بسرعة مدهشة، وصوت الحديد على الأرض أحدث شررًا أحمر ينعكس على وجه سيريا. عيناه كانتا مغلقتين بلوحين معدنيين ملتحمين بالجلد، ومن بينهما سال الدم كأنهما تبكيان صدأً.

رفع رأسه فجأة وأطلق صرخة حادة، امتد صداها في المكان كأنها نواح من عالم آخر، نواح يغرس الرعب في العظام قبل أن يصل إلى الأذن.

شدّت سيريا قبضتها على مقبض السيف، عيناها تلمعان بعزم غريب، وقالت بصوت خافت:

إذا كان الجحيم قد فتح بابه... فسأكون أول من يغلقه.

اندفعت نحوه بخفة النمر، والسيف في يدها يقطع الهواء كوميض برق، بينما جاجا يقفز من خلفها بين النبال، يضحك ويصرخ بجنون كأنه فقد آخر ذرة عقل.

كل شيء من حولهما بدأ يهتز. الجدران تتقشر أكثر، الدماء تنهمر من السقف كالمطر، والضباب الأحمر يبتلع الرؤية ببطء...

حتى لم يبقَ سوى صوت السيوف، والصرخات، ورائحة الحديد الممزوجة بالدم.

المخلوق يزحف بسرعة غير بشرية، أطرافه المعدنية تضرب الأرض بصوت كالرعد.

لم تمضِ سوى لحظة حتى التفت خلف سيريا، قبض على قدميها بيديه الحديديتين، وسحبها أرضًا بقوة جعلت صرخة الألم تخنق صوتها.

سقط سيفها بعيدًا، يتقلب على الحديد الصدئ حتى استقر في بركة من الدماء المتخثرة.

ارتفع المخلوق فوقها، ظلّه يغطي وجهها، فمه الممزق يتسع أكثر فأكثر حتى بدا وكأنه بوابة نحو الهاوية.

رفع أحد أطرافه، ومن بين شقوق جلده البارد خرجت النبال، تتجه جميعها نحو رأسها...الزمن تجمّد.

حتى دقات قلبها بدت كأنها تختفي في الضباب الأحمر الذي بدأ يبتلع المكان.

نظرة سيريا الأخيرة كانت مزيجًا من تحدٍ وخوفٍ خامد، كأنها فهمت أخيرًا أن هذا البيت لا يمنح النجاة لأحد... بل يبتلع الجميع ببطء، باسم الرحمة.

ثم ارتفع صوت صفير النبال، حادًا كطعنة في الصمت—وانتهى كل شيء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة