جاك شعر بقوة السيف تعبر من يده إلى جسده كما لو كانت نارًا مقدسة، تحرق الخوف وتوقظ شيئًا نائمًا بداخله.
والمخلوق... تراجع قليلًا، كأنه لم يتوقّع مقاومة.
جاك (بغضب خافت):
"أنت من بقايا شيء ميّت... وأنا من إرادة حية."
زمجر المخلوق، وهاجمه بأذرعه الطويلة، لكن جاك أصبح أسرع...
قطع ذراعين، تفادى الثالثة، وغرز السيف في صدره.
المخلوق (يتقيأ مادة سوداء):
"أنت لا تعرف من نحن... لن تنجو."
فجأةً، تشققت الأرض أسفلهم… وابتلعتهما.
سقط جاك وسط دوامة من الظلال، لا يدري أين الأعلى من الأسفل، حتى ارتطم بجدار حجري وسقط في قاعة عملاقة.
أضاءت القاعة من تلقاء نفسها، وكأن الجدران تحترق بضوءٍ داخلي.
في المنتصف... عرش ضخم من عظام متداخلة.
وفوقه جلس... رجل عجوز بلحية بيضاء، وجسد شبه شفاف، وعيون لا تحمل بؤبؤًا.
الرجل العجوز (بصوت رخيم):
"أهلًا بك، جاك... أخيرًا وصلت."
جاك (ينهض ببطء، يلهث):
"من أنت؟ وماذا تريدون مني؟!"
الرجل (يبتسم):
"أنا كنت البداية... وسأكون النهاية. أنت الآن في النواة، حيث تُخلق القرارات وتولد اللعنات."
جاك:
"ماذا تعني؟"
الرجل (ينهض من العرش، يخطو نحو جاك):
"أنت وريث لعهد لم تفهمه بعد، وسيندو... ذاك الذي ظنوا أنه منفى، قد عاد."
جاك يتراجع، ويده لا تزال تقبض على السيف.
جاك:
"من هو سيندو؟ ولماذا الجميع يخشاه؟"
الرجل (يضع يده على كتف جاك):
"سيندو هو وجهك الآخر... الجزء الذي خُلِقَ منك ليحكم مكانًا لا يجب أن يوجد. والآن… هو حر."
صمت ثقيل.
جاك (بهمس):
"هل... هو أنا؟"
الرجل:
"أنت نصف القصة، يا جاك. والنصف الآخر... على وشك أن يستيقظ."
وفجأة، تهتز الأرض، وصوتٌ بعيد يقترب بسرعة...
ضحكة مشوّهة، وصوت خطوات معدنية تقرع على الحجارة.
الرجل العجوز (بنبرة أكثر توترًا):
"لقد أتى... نحن لسنا مستعدّين بعد!"
جاك (يصرخ):
"من الذي أتى؟!"
الصوت (من الظلال):
"من كنت تتهرّب منه، أيها النصف... سيندو لم يعد في المنفى."
وهنا…
يظهر جسد ضخم مغطّى بسلاسل محترقة، وجهه مزيج من جاك وشيطان، وصوتُه يمزق الهواء.
"أنت تأخرت يا جاك… واللعنة لا تنتظر أحدًا."
وقف جاك في منتصف القاعة العظمية، قلبه ينبض كطبول الحرب، والهواء من حوله بدأ يثقل وكأنه يُنذر بشيء أكبر من الفهم البشري. ارتدت الأرض صدى صوت ذلك الكيان المتحوّل، نصفه نار، ونصفه ظلّ، يتقدّم نحوه بخطى تُحطّم الحجارة.
جاك، بخطوة دفاعية، كأنّه محارب مقدّس دخل ساحة معركة لا عودة منها، تراجع بضع خطوات، ثم قبض على السيف بكلتا يديه.
فجأة... انفجر السيف لهبًا، شعلة مقدّسة اشتعلت من تلقاء نفسها، وامتدّت على نصله كأنها تعرف لمن تُقاتل، تصاحبها صيحة من أعماق روحه:
> جاك (بصوتٍ يهزّ أركان المكان):
"إذا كنت أنا سيندو… فسوف أقتلك، وأُنهي هذا الكابوس الآن!"
ضحك المخلوق بصوتٍ جعل الجدران ترتجف، والهواء يرتدُّ إلى الخلف كصفعة.
> المخلوق (بسخرية مرعبة):
"كيف تجرؤ… على مقارنتي بذلك الحقير الفاشل؟!
سيندو؟ مجرد ظلّ... وأنا؟ الأصل.
أنا الجوع… أنا الموت… أنا من سيجعل وجودك نكتة مملة في كتب اللعنات!"
لم ينتظر لحظة.
المخلوق اندفع للأمام، أسرع من الصراخ، ويده الوحشية اخترقت صدر جاك دفعةً واحدة!
صرخة مكتومة خرجت من فم جاك، عينيه اتسعتا كأن الزمن توقف، والدم بدأ يتدفّق من فمه بغزارة، بينما جسده يرتفع ببطء في الهواء، مسمّرًا في كفّ المخلوق كدميةٍ معلّقة بخيط الموت.
> المخلوق (يبتسم وهو يبصق الدم):
"اللعنات لا تُهزم... النور لا ينتصر… والحقيقة؟ لا أحد يحتملها."
لكن قبل أن يجهز عليه…
يد ضخمة تخرج من العدم.
سوداء، مشققة، تنزف بخيوط رمادية، كأنها خرجت من بطن العالم نفسه.
اخترقت صدر المخلوق من الخلف، بكل سهولة… وأمسكت بقلبه النابض!
صوتٌ خفيّ، خشن، يُشبه الغليان في فم بركان:
"كيف تجرؤ على الحديث عن سيندو… بهذه الطريقة؟"
شهقة مرعبة أطلقها المخلوق، واليد نزعت قلبه كمن يقطف ثمرة فاسدة، ثم التهمته في لقمة واحدة من دون أن يظهر الجسد… فقط تلك اليد وحدها، تحكم العالم للحظة.
نار جحيمية انفجرت فجأة.
القاعة امتلأت باللهيب، وجثة المخلوق احترقت ككومة قش، تتحوّل إلى رمادٍ لا وزن له.
الصوت (من خلف البوابة السوداء التي ابتلعت اليد):
"أراك في العالم السفلي... أيها الخقير."
اختفى كل شيء.
اليد… الصوت… النار.
وبقي جاك…
معلّقًا في الهواء، كجثةٍ فقدت الأمل والحياة.
عيناه مفتوحتان، تحدّقان في سقف لا يرى، وسيفه قد انطفأ، وأمله معه.
صمتٌ ثقيل لفّ المكان، لا يُكسره سوى رنين رمادٍ يتهاوى من جثة جاك المُعلّقة في الفراغ.
لكن… لم يكن موتًا عاديًّا.
فقاعة صغيرة خضراء تشكّلت في الهواء، عند صدره المثقوب. تبعتها أُخرى، وثالثة…
ثم فجأة، تكوّنت كتلة لزجة، خضراء داكنة، تتلوى كأنها كائنٌ حيّ، وتبدأ في الزحف على جسد جاك بهدوء.
بدأت تلتهمه…
أولاً الجلد، ثم اللحم، كأنها تعرف طريقها جيدًا.
جاك لم يصرخ، لم يتحرّك…
لكن وجهه كان كأنّه يُراقب مصيره حتى بعد موته.
في لحظاتٍ قصيرة، لم يتبقَّ منه سوى هيكل عظمي هشّ، مُتفحّم ببقع خضراء،
كأن روحه نفسها قد تعفّنت.
ثم...
اختفى كل شيء.
منزل الظلال – غرفة جاك
كانت الغرفة غارقة في هدوء مصطنع.
الجدران اللامعة تنبض بنقوشٍ غريبة تتغيّر كل بضع ثوانٍ،
والسرير مُرتَّب بعناية،
كأنّ أحدًا لم يُقتل فيه قبل يومين.
الخادمة – شابة صامتة، ذات ملامح باهتة وشعر مجدول بلون الفحم – كانت تنظّف الغرفة.
بحركات ميكانيكية تمسح الغبار، تعيد ترتيب الكتب، وتجمع الملابس القديمة.
لكن ما لفت نظرها كان دفترٌ جلدي موضوع على الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
عليه اسم واحد: جاك سميث.
فتحته…
الصوت الداخلي لجاك (من المذكرات):
"لقد خسرنا كل شيء في تلك الليلة.
اختفوا… جميعهم.
أمي، أبي، أختي الصغيرة، وحتى الكلب لم يُعثر عليه.
لا دماء… لا جثث… فقط عطر غريب ظلّ في الهواء لأيام،
ورسم غامض ظهر على جدار المطبخ، ثم اختفى كما جاء."
الخادمة رفعت حاجبها ببرود،
صفحات المذكرة تتابعت بين يديها كأنها تشاهد فيلمًا ممنوعًا من العرض.
"كنت وحيدًا… حتى ظهر لي ذلك الاسم لأول مرة.
سيندو."
عيناها توسّعتا للحظة.
همست ببطء:
"سيندو... إذًا هذا ما بدأ كل شيء."
وضعت الدفتر على صدرها،
وهمست كأنها تحادث أحدًا خلف الجدران:
"سيدي، لقد بدأ الحصاد… أظن أن سيندو وجد المفتاح الأخير."
ثم نظرت إلى السرير… وابتسمت.
Imad chelloufi