مملكة العظام

مملكة العظام

13 0

سقوطٌ بلا نهاية.

كأن الأرض تخلّت عن الجاذبية، والسماء نسيت أن تعانق من يسقط.

جاك كان يهوي داخل نفقٍ من العتمة، لا يرى شيئًا سوى ومضاتٍ خاطفة لذكريات لم يعشها... لكنه يعرفها.

صوت بكاء رضيع...

يد تمسك بقلمٍ وتكتب اسمه على جدار...

صرخة امرأة وسط عاصفة من النيران...

وجهُ رجلٍ يشبهه تمامًا، يبتسم داخل مرآة مكسورة...

ثم...

ارتطام.

جاك وجد نفسه مستلقيًا فوق أرضٍ ناعمة كالرمل، لكنها دافئة كأنها تنبض.

فتح عينيه، فوجد السماء فوقه... لكنها لم تكن سماءً.

كانت قِبة حجرية سوداء، مغطاة بنقوش قديمة تتحرّك ببطء... كأن الجدران تتنفس.

نهض ببطء، يتفحّص المكان حوله.

جاك (يهمس):

"أين أنا الآن...؟ أهذا جزءٌ من البيت؟ أم من... روحي؟"

الضوء خافت، لكنه كافٍ لرؤية ممر طويل أمامه، محفوف بأعمدة مكسورة، وبينها صور معلّقة... صور لأشخاص لا يعرفهم، لكنّ عيونهم تنظر إليه كأنه يعرفهم.

صوت خافت (من بعيد):

"تابِع يا جاك... ما زالت الجولة في بدايتها."

تقدّم بخطواتٍ ثقيلة، وكلما مشى خطوة، همسُ الأرواح يزداد.

وجوههم تهمس له، بعضها يبكي، بعضها يضحك بجنون، وآخرون يتمتمون باسمه وكأنه دعاء.

جاك (يخاطب نفسه):

"هذا ليس مجرد بيت... هذا قبرٌ ضخم... أو كتابٌ من لحم."

وقبل أن يواصل خطاه، وقف أمام مرآة طويلة في نهاية الممر.

اقترب منها ليرى وجهه... لكنه لم يرَ نفسه.

رأى رجلاً مسنًا بعينين فارغتين، يقف على سرير طبّي، تحيط به أجهزة غريبة، وعلى جانبيه طبيبتان تعملان بصمت.

وبالقرب منه... رجل بثلاثة رؤوس، يتحدث بصوت واحد متحد:

الرجل ذو الثلاثة رؤوس:

"هل وصل؟"

"هل بدأ البيت يبتلعه؟"

"هل استيقظت الذكريات داخله؟"

الطبيبة (بصوت قلق):

"نعم، لكن سيندو... أصبح خطيرًا جدًا. وجوده يدمّر توازن البيت. يجب أن يُوقف."

الرجل العجوز (يتنفس بصعوبة):

"جاك... سيعرف طريقه. إن اختاره البيت، فسيبارك له... أو يلعنه."

الرأس الأوسط (بصوت حازم):

"إذا فشل جاك... نحن جميعًا سنسقط."

الرأس الأيسر:

"وسيندو... لن يتوقّف حتى يستعيد كل ما سُلِب منه."

جاك (بصوت مرتعش، وهو ينظر حوله في رعب وارتباك):

"من تكون أنت؟ ماذا يحدث هنا؟! أين أنا؟!"

صوت أنفاس ثقيلة ملأ الغرفة قبل أن يجيبه الرجل العجوز بصوت أجشّ، يحمل نبرة حكمة ممزوجة بحزن دفين:

الرجل العجوز:

"أنا شخصٌ يعرفك أكثر مما تعرف نفسك...

شخصٌ كان شاهدًا على ماضيك، ورافقك في حاضرك...

وعاش في مستقبلك قبل أن تولد."

جاك يتراجع خطوة إلى الخلف، تعلو وجهه دهشة مربكة، بينما يدا الطبيبَتين تتوقفان عن العمل لحظة، كأن الزمن تعثّر.

جاك (بذهول):

"هذا... هذا مستحيل. أنا لا أعرفك. لا أتذكرك!"

الرجل العجوز (يغمض عينيه، وكأنه يتذكّر شيئًا عظيمًا):

"لا بأس، النسيان نعمة... حتى يأتي الوقت الذي يتحول فيه إلى لعنة.

ألم تسأل نفسك يومًا، لمَ ترى الكوابيس ذاتها؟

لماذا ناداك المنزل؟

ولماذا لم يقتلك باروس عندما امتلك الفرصة؟"

جاك (بصوت خافت):

"... باروس؟ المخلوق؟"

الرجل العجوز (ينظر إليه بثبات):

"ذاك الذي يقطع، لا يُمهل. إلا إذا أمره من فوقه."

جاك:

"مَن فوقه؟ أأنت؟!"

ابتسامة مريرة ارتسمت على وجه العجوز، ثم همس:

الرجل العجوز:

"أنا مجرد خادم للحقيقة... وأنت جزء منها.

منذ اللحظة التي عبرت فيها عتبة المنزل، بدأت عجلة الأقدار بالدوران."

الرجل ذو الثلاثة رؤوس (يتدخّل بصوتٍ واحدٍ):

"جاك، سيندو خرج من منفاه.

وبخروجك من غرفتك... خُرق التوازن.

إن لم تُعده، لن يبقى شيء يُسمى هذا البيت."

جاك (بعصبية):

"ما علاقتي بكل هذا؟! لماذا أنا؟ لمَ لا تُمسكون بسيندو وتُنهوه فحسب؟!"

الرجل العجوز:

"لأنك المفتاح، جاك... المفتاح الذي أغلق ذات يوم الباب أمام الظلال، ونسي أنه فعل."

سكون ثقيل خيّم على المكان، قَطَعه صفيرٌ حادّ آتٍ من أحد الأجهزة الطبية... ثم خفت.

الرجل العجوز (يهمس):

"سنرى إن كان البيت سيباركك... أو يرفضك."

فجأةً… ارتجّت المرآة التي تقف في زاوية الغرفة. سطحها لم يعد يعكس صورة جاك بل تحوّل إلى بُحيرةٍ سوداء تتراقص فوقها أنفاس من دخان بارد. الأضواء خفتت، وصوت أنينٍ خفيّ بدأ يتسرّب من داخل الزجاج، كأن أحدهم يتنفس ببطء خلف جدار هشّ يفصل بين عالمَين.

جاك حدّق في المرآة مذهولًا… ثم خطا نحوها دون وعي، عينيه تتسعان مع كل تفصيلة تظهر في ذلك البُعد الآخر خلف الزجاج.

لم يكن انعكاسًا... بل نافذة لعالمٍ مختلف.

من خلال الضباب المتكسّر، رأى مملكةً مروّعة، ممتدة بعمق الأفق... مبنية بأكملها من عظام مخلوقات عملاقة. القصور ترتفع من جماجم، الجدران مصفوفة من أضلاع متشابكة، والشوارع مُعبّدة بعمودٍ فقريّ مفلطح، يئنّ كلّما خُطِيَ عليه.

السماء فوق تلك المملكة ملوّثة بلون رمادي قاتم، تسكنها كائنات مجنّحة تحوم بصمت، لا تطير بل تنزلق في الهواء كالأرواح المقيّدة.

وفجأة، خرجت يد من داخل المرآة.

يد بيضاء مائلة إلى الرماد، أصابعها طويلة جدًا بشكل غير طبيعي، وأظافرها كالمخالب. أمسكت بذراع جاك بشراسة وسحبته بقوة هائلة.

صرخ، حاول التمسك بأي شيء حوله... الكرسي، الحافة... لا فائدة. المرآة ابتلعته!

وسقط جاك.

سقط كأنه هوى من العالم... لا أرض، لا هواء، لا صوت. فقط صدى أنفاسه المذعورة وهو يهبط نحو المجهول.

ثم... اصطدم فجأة بشيء ناعم.

فتح عينيه، فوجد نفسه واقفًا فوق ساحة ضخمة... الأرض مصنوعة من جماجم مطحونة، وكل خطوة يصدر عنها أنين باهت، وكأن العظام تتذكّر الألم.

أمامَهُ يقف عرشٌ شاهق، مصنوع من أعمدة فقرية متشابكة، تتصاعد نحو السماء كأنها تحاول الهروب من هذا المكان.

وجالسٌ عليه كيان لا يُشبه شيئًا رآه جاك من قبل.

كائن طويل، مغطى برداء أسود يشبه الليل السائل، لا يُرى وجهه بوضوح، فقط عينان من نار تتّقدان من خلف القناع، وصوتٌ يشبه ارتطام الصخور في أعماق الأرض يعلو:

الكيان (بصوتٍ عميق):

"أهلًا بك يا جاك... في مملكة الأجساد المنسية.

لقد تأخرت."

جاك (يلتفت حوله، يرتجف):

"ما هذا المكان؟! لِمَ أنا هنا؟! مَن أنت؟!"

الكيان:

"أنا سيدُ هذه العظام، من حُرموا من الرحيل، من تم التهامهم دون أن يُذكَروا.

وهذا هو منزلك الجديد... حتى تُكفِّر."

جاك (يصرخ):

"أكفّر عن ماذا؟! لم أفعل شيئًا!"

الكيان (يهمس):

"بل فعلت... نسيتَ. وستتذكّر قريبًا.

لكن أولًا... عليك أن تنجو."

وفجأة، تهتز الأرض من تحته، وتشقّها أذرع سوداء عملاقة تخرج من بين العظام...

كائناتٌ بلا وجوه، بلا أسماء، تهتف بصوتٍ واحد:

"العائد... العائد... المفتاح عاد!"

جاك يركض، لا يعرف إلى أين... لكن الأصوات تطارده، والأرض لا تنتهي.

ركض جاك بين الأزقة المتشابكة، والجماجم تئنّ تحت قدميه كأنها تتألّم مع كل خطوة، والهواء يزداد ثِقلاً، يحرق رئتيه كدخان جهنّم. من بعيد، صدى صراخٍ لا يشبه البشر… صراخٌ يذكّر بنحيب الأرواح التي لم يُسمح لها بالمغادرة.

ثم، توقّف كلّ شيء.

الصمت.

كأن العالم قد حبس أنفاسه.

من بين الضباب، ظهر مخلوق… لا يمشي، بل يزحف فوق العظام كأفعى بشرية. كان طويلاً جدًّا، جسده مكوّن من أطراف بشرية ملتفّة حول بعضها، وجمجمة يتدلّى منها لسانٌ أسود طويل ينبض كقلبٍ مكشوف.

المخلوق (بصوتٍ متداخل بين امرأة وطفل):

"جاك… جاك… جاك… لم نرك منذ زمنٍ بعيد."

جاك (يتراجع قليلًا، يحدّق):

"من أنت؟ ما الذي تريده؟"

المخلوق (يدور حوله ببطء):

"أنا ما تبقّى من ضميرك… من ذنوبك… من خطايا جدك…

أنا كل ما تخلّيتَ عنه عندما قررتَ أن تنسى."

جاك (بصوت مرتعش):

"هذا ليس حقيقيًّا… أنتم لستم حقيقيّين!"

المخلوق (يضحك ضحكة متقطّعة كصرير مفاصل صدئة):

"بل نحن الحقيقة التي لا يريد عقلك تقبّلها…

ألا ترى كيف تحوّل هذا المنزل إلى كابوس؟

ألم تتساءل لماذا اختارك أنت؟"

جاك (يتراجع أكثر):

"توقّف عن هذا الهراء… ابتعد عني!"

المخلوق (بصوت غليظ مفاجئ):

"أنت لن تهرب، جاك… ليس بعد الآن."

وفجأة… مدّ المخلوق ذراعه المتكوّنة من أذرع أخرى، كلّ يد تمسك بيد، لتتحوّل إلى سوطٍ ممدودٍ يضرب الأرض بقوة، فانفجرت الجماجم وتطايرت العظام.

جاك أغلق عينيه في لحظة خوف.

لكن... شيئًا غريبًا حدث.

شُقّ الهواء أمامه، وظهر سيف طويل، أسود اللون، تحيط به شُعلة خضراء قاتمة… كأنّه استُدعِي من بُعدٍ آخر.

امتدّت يده إليه بلا إرادة، كأن السيف ناداه باسمه.

جاك أمسك بالسيف.

شعر بقوّة تتدفّق من خلال ذراعيه، نبضٌ جديد يضرب في صدره، وصوتٌ داخلي يقول له:

"أنت لست ضحيّة هنا… بل أنت الحكم."

رفع جاك السيف، نظر إلى المخلوق بعينين مختلفتين… لا رعب فيهما، بل قرار.

جاك (بصوتٍ ثابت):

"لن أهرب بعد الآن."

المخلوق (يزأر):

"إذن… فلتقاتلني!"

انطلق جاك بكلّ ما يملك من غضبٍ وشجاعة، والسيف يشتعل في يده كنيزك ساقط من السماء. وفي اللحظة ذاتها، قفز المخلوق صوْبَه، وأذرعه تتمايل كسياطٍ جهنّمية.

واصطدما...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة