بعد أن غادرت سيريا وجاجا الغرفة، بقي سيندو وحيدًا، يتحرك ببطء بين أركان المكان كمن يبحث عن شيء خفي. كان يشعر بوجود قوة أعمق، كيان لم يرفضه البشر فحسب، بل حتى جهنم لفظته. توقفت خطواته فجأة، ثم ضرب الأرض بكفه بقوة، فاهتز المكان وتشققت الأرضية.
خرجت من بين الشقوق قوقعة بيضاء مصنوعة من الفولاذ النادر، منقوشة بجواهر متلألئة وجماجم عملاقة تلمع كأنها نُحِتت من الماس الأسود. تراجع سيندو مذعورًا إلى داخلها، كجرذ خائف من مخالب هرّ جائع، وهو يصرخ:
سيندو:
"ماذا تريد؟! لم يحن وقتك بعد! ما زال أمامي فرصة لتحطيم السلسلة!"
لكن الصمت كان مخيفًا أكثر من أي جواب. فجأة، شعر بأسهُمٍ مصنوعة من شظايا نجوم ميتة تخترق القوقعة وكأنها قلعة من الرمل أمام أمواج تسونامي. اهتز المكان بصوت غليظ، عميق، كأنه صادر من أعماق الأرض:
الصوت الغامض:
"أعلم... لن تستطيع، ولا أحد قادر على تغيير إرادة المنزل، مهما بلغت قوتك."
ارتجف جسد سيندو، وتصبب العرق من جبينه وهو يهمس بخوف:
سيندو:
"إذاً... ماذا تريد؟ ما سبب زيارتك؟"
تكون الضباب الأحمر من جديد، تتخلله ست عيون سوداء متوهجة كالياقوت الأسود، قبل أن يأتيه الجواب:
الصوت الغامض:
"أحتاج التحدث مع جاك."
حاول سيندو التماسك، وتحدث بصوت مرتجف:
سيندو:
"لا داعي لأن تقابله... أخبرني رسالتك، وأنا أوصلها إليه."
لكن قبل أن يكمل، اخترق سهم مضيء إحدى الجماجم في القوقعة، كاد أن يصيب عينه، فصرخ بألم:
سيندو:
"حسنًا! فهمت الرسالة... توقف عن تعذيبي هكذا!"
ساد الصمت للحظة، قبل أن يتلاشى الضباب شيئًا فشيئًا، تاركًا وراءه صدى صوته وهو يتردد في أرجاء المكان:
الصوت الغامض:
"سوف أعود... هيّئه لي."
جلس سيندو على الأرض، يلهث ويضع يده على صدره، والذعر يسيطر على ملامحه. لم يشعر يومًا بقوة كهذه، ولا تهديد أشد خطورة من هذا.
تحطّمت القوقعة أخيرًا تحت قبضته، وتناثر بريق الجواهر على الأرضية كأنها قطرات من ضوء مكسور. سقط سيندو على ظهره، يحدق في السقف بعينين شاردتين، يهمس لنفسه بصوت متعب:
سيندو (مهمهمًا):
"لم يعد لدي الكثير من الوقت... يجب أن أُسرع في خطتي قبل أن يفوت الأوان."
لكن فجأة، ارتجت الأرضية تحته، وتشكلت شقوق طويلة قبل أن تخرج منها جذور نباتية سميكة، تلتف حول جسده وتجرّه نحو الأعماق. صرخ وهو يحاول التملص، لكن الجذور ازدادت تشبثًا به:
سيندو (يصرخ):
"تبا لكِ يا إيفي! لست في مزاج يسمح برؤيتك الآن!"
ومع آخر محاولة يائسة، بصق بصقة صغيرة على الأرض، فتحولت على الفور إلى سحابة بيضاء مضيئة أخذت تطفو نحو السقف ببطء، كأنها تحمل رسالة. رفع سيندو رأسه بصعوبة، يحدّق بالسحابة وهي ترتفع بعيدًا عنه، ثم صرخ بصوت متقطع بينما الجذور تجره إلى القاع:
سيندو:
"اذهبي إلى جاك... أخبريه أنني في قاع إيفي... لا يتأخر!"
اختفى جسده أخيرًا داخل الأرض، ولم يتبقَّ سوى الهدوء الثقيل، والسحابة الصغيرة التي توهجت للحظة قبل أن تتلاشى في الهواء كأنها تذكرة عاجلة بالمصير الذي ينتظرهم.
بخطوات سريعة، اندفعت سيريا تجري نحو غرفة ميلينا، والوقت يكاد ينفد. كان جاجا يجري فوق السقف بخفة، متفاديًا الفخاخ والأعداء الذين يقطعون الطريق. سيريا، وهي تلوّح بسيفها، كانت تترك خلفها أجساد الممرضات بلا رؤوس، على عكس جاجا الذي كان يلتهم الأقزام في طريقه دون أي اكتراث.
وأخيرًا وصلا إلى باب غرفة ميلينا، ليجدا كلبًا ضخمًا ذا ثلاثة رؤوس، يحدّق فيهما بشغف وكأنه عثر على وجبته القادمة.
تراجعت سيريا بضع خطوات إلى الوراء، ليلحقها جاجا ويهبط من السقف، واقفًا بجانبها. قال بنبرة ساخرة:
جاجا:
"ماذا الآن؟ ماذا سنفعل بحيوانها الأليف؟"
ابتسمت سيريا بخبث وبرودة قاتلة، وأجابت بهدوء:
سيريا:
"الأمر بسيط... نلتهمه وكأنه لم يكن موجودًا."
ثم بصقت في كف يدها، وحركت البصقة بحركة سحرية قبل أن تضرب الأرض بيدها بقوة، فاهتزت الأرض وخرج منها ثعبان أناكوندا هائل الحجم، عيناه تتوهجان بضوء أخضر مرعب، يرفع رأسه عاليًا ناظرًا إلى سيدته بانتظار الأمر.
ابتسمت سيريا وقالت بصوت هادئ مخيف:
سيريا:
"عزيزي... طعامك في انتظارك."
اندفع الثعبان بسرعة خاطفة نحو الكلب، الذي حاول الهجوم أولًا، لكن الأناكوندا التفّت حوله بقوة هائلة حتى شُلّت حركته، ثم فتح فمه الضخم وابتلعه دفعة واحدة.
ومع آخر ارتعاشة للكلب، انفتحت بوابة سحرية في منتصف الغرفة دون أي إنذار، ابتلعتهما معًا في لحظة، قبل أن تُغلق فجأة وتختفي كأن شيئًا لم يكن.
لكنها تركت خلفها رائحة خضراء باهتة تملأ المكان، كأنها ضباب سام يتراقص في الهواء.
وقفت سيريا تنفض يديها ببرود، بينما جاجا يبتسم ابتسامة متوحشة.
جاجا:
"حسنًا... الطريق أصبح مفتوحًا."
أومأت سيريا برأسها، واندفعا معًا نحو غرفة ميلينا دون تردد.
دفعت سيريا الباب برجلها، فانفتح كليًا بصوت حاد، لتجد مشهدًا لم تكن تتوقعه:
ميلينا معلّقة مشنوقة، ملفوفة باللحاف الذي بالكاد يغطي عورتها، وكأن الموت نفسه قرر أن يسكتها إلى الأبد.
تقدّمت سيريا بخطوات بطيئة نحو السرير، قلبها يخفق بقوة، لتجد جاك مستلقيًا عليه، نائمًا بعمق، بينما ملابسه مرمية على الأرض بلا اكتراث. بجانبه، على كرسي خشبي، جلس شاب وسيم يشبه جاك إلى حدّ كبير، يدخّن سيجارًا بهدوء، وعلى وجهه ابتسامة سحرية فاتنة.
شعرت سيريا بحرارة وجهها تشتعل خجلًا، وكادت أن تقع في سحره وتستسلم لجاذبيته، لكنّها قبضت على سيفها، شدّت أنفاسها، وتقدّمت نحوه بخطوات هجومية وهي تصرخ بحزم:
سيريا:
"لا! لن أقع في سحرك... قلبي اختار جاك!"
ابتسم الرجل بهدوء، وأطفأ سيجاره بيده العارية دون أن يتأثر، وقال بصوت رخيم:
الرجل الغريب:
"أحسنتِ يا ابنتي... لقد نجحتِ في الاختبار."
تجمّدت سيريا في مكانها، عيناها تتسعان بدهشة:
سيريا:
"ابنتك؟! هل... أنت متزوج؟"
وفجأة، ظهرت امرأة من العدم، تشبه سيريا في ملامح وجهها لكن بجسد أكثر قوة وضخامة، وعينين حادتين كعيني محاربة مخضرمة.
المرأة:
"نعم، أنا زوجته. وقد أخبرته مرارًا أن يتوقف عن استخدام ذلك السحر اللعين الذي جعلني أقع في حبه منذ أول يوم التقيته فيه."
ضحك الرجل الغريب بخفة وهو يمد يده إليها:
الرجل الغريب:
"نعم... ومنذ ذلك الحين أصبحت تراقبني ليل نهار. لهذا بنيت هذا المنزل، ليكون فقط لي ولزوجتي."
ابتسمت المرأة بحنان وأكملت:
الزوجة:
"لكن الوحدة كانت قاتلة، فقررنا جلب كل الكائنات المميزة إلى هنا، لنملأ هذا المكان بالحياة."
في تلك اللحظة، تقدم جاجا وهو يربط خيوط القصة بسرعة مذهلة، مظهرًا ذكاءه المعتاد، وقال بنبرة واثقة:
جاجا:
"إذاً... أنتِ هي الجدة الكبرى لسيريا، لونا، التي أسست مملكة بوجاروس الملعونة في الغرب.
وأنتَ... لا بد أنك الجد الأكبر لجاك."
ابتسم الرجل بفخر:
جاك الكبير:
"نعم، أنت حقًا ذكي مثل جدك الأكبر."
جاجا وهو ينفخ صدره فخورًا:
"أعلم ذلك. لكن... هل أستطيع أن أطلب منك معروفًا؟"
جاك الكبير:
"قل يا جاجا."
جاجا: "أشعر بالوحدة هنا، لا يوجد من هو من نوعي... ليس لدي صديقة."
جاك الكبير يربّت على رأسه بابتسامة مطمئنة:
"فهمتك... لا تقلق. ستظهر زوجتك بعد سقوط سيندو وظهور المخلوق الثاني."
ابتسم جاجا بسعادة طفولية وقال بحماس:
"إذن... سأصبر."
جلست سيريا بجانب جاك، تمسك يده بحنان، وفجأة بدأ جسده يرتعش وكأنه يتعرض لنوبة صرع حادة. ارتبكت سيريا، بينما جاجا حوّل نظره إلى جثة ميلينا، محاولًا أن يتلصص عليها بنظرة سريعة قبل أن يفاجأ بمكتب صغير يطير نحوه ليطرحه أرضًا.
سيريا بغضب:
"توقف! قبل أن أشنقك بجانبها."
ضحك جاك الكبير بخفة وهو ينهض من مقعده:
جاك الكبير:
"هل ترغبين حقًا في معرفة كل شيء؟ لماذا وضعت هذه القوانين؟ ولماذا هذا المنزل موجود أصلًا؟"
لونا تبتسم وتقول:
"سأحضر لكم بعض المقرمشات والحلويات، فالقصة طويلة."
ابتسم جاجا بعينين لامعتين وقال بحماس طفولي:
"جيد! أحب القصص كثيرًا."
سيريا بصوت حازم:
"أخبرني بكل شيء، أريد الحقيقة."
التفت جاك الكبير ببطء نحوك، أيها القارئ، وحدّق فيك بعينين باردتين وقال:
"ستعرف كل شيء... لكن عليك أن تنتظر حتى الفصل القادم."
Imad chelloufi