الخصم الأول من بين الاثني عشر

الخصم الأول من بين الاثني عشر

9 0

لم يكن جاك يعرف كم من الوقت استغرق سقوطه في ذلك الظلام… لحظة؟ ساعة؟ أم دهراً كاملاً؟

لكن ما إن اصطدمت قدماه بأرضٍ صلبة، حتى وجد نفسه في قاعةٍ هائلة يلفّها صمت كأن العالم ابتلع أنفاسه.

تقدّم بخطوات حذرة، وعيناه تتسعان بدهشة لم يعرفها منذ زمن بعيد.

اثنا عشر تمثالاً مصطفّين على الجانبين—ستة عن اليمين، وستة عن اليسار كلّها بلا ملامح، بلا وجوه، كأن الزمن تراجع عن نحتها… أو كأن شيئاً ما مُنع من الظهور.

وفي مقدّمة القاعة، كان يقف التمثال الثالث عشر، أطولهم وأكثرهم غموضاً، ينتظر… أو يراقب.

الهواء نفسه بدا وكأنه يعترف بجلال المكان؛ كل حجر، كل ظل، وكل فراغ كان يحمل معنى أكبر مما يستطيع العقل إدراكه.

وجاك… لم يكن يعلم بعد أنه يقف في قلب سرّ لم يُفتح منذ بداية اللعنة.

هنا، تبدأ الحكاية من جديد.

كان جاك يتقدّم ببطء نحو التمثال الأول على اليمين، خطواته ثقيلة كأن شيئًا في داخله يحذّره… أو كأن القدر ذاته لم يكشف بعد كل أوراق لعبته.

وحين وقف أمام التمثال الخالي من الملامح، لاحظ نقشًا دقيقًا يلمع تحت الغبار. انحنى قليلًا، ومدّ يده ليمسح السطح… فظهر الاسم واضحًا، محفورًا بأحرف من ذهب:

سيندو.

تراجع جاك خطوتين… ثم ثلاث.وفي اللحظة التالية، شقّ نورٌ ساطع السقفَ، أعقبه صوت لزج يتدفّق ببطء. مادة سوداء هابطة كأنها نفط حيّ، تتراكم على الأرض حتى شكّلت بركةً متماوجة.

ثم تحرّكت.

خرجت منها فتاة… أو مخلوقة، يغطيها السواد بالكامل، شعرها، بشرتها، قدماها—كل شيء فيها يلمع كالبترول تحت الضوء. كانت تحمل سيندو بين ذراعيها، تضمّه كأنه كنز عائد من حرب طويلة، ثم وضعت شفتيها على شفتيه في قبلة طويلة قبل أن تُنزله برفق على الأرض وهي تهمس بنبرة دافئة:

"استمتع يا حبيبي… ولا تُطل هذه المرة. أنت تعلم كم أشتاق إليك كلما غبتَ عني."

نهض سيندو، ومسح شيئًا من السائل الأسود عن كتفيه، قبل أن يستدير نحو جاك وهو يسحب سيفًا طويلًا ويتدرع بدرع داكن:

"لا تقلقي… سأتولى الأمر بسرعة، ثم أعود إلى أحضانك."

أما جاك فكان جامدًا في مكانه.

لم يفهم كيف وصل سيندو إلى هنا… ولا من تكون تلك الفتاة السوداء التي خرجت من الظلام كأنها إحدى أساطير الطوفان.

كل ما أدركه… أن هذه القاعة لم تُظهر أسرارها بعد.

بنبرةٍ تحمل التساؤل ونظرةٍ مملوءة بالشك والريبة، حدّق جاك نحو سيندو قائلًا:

جاك:

"إذًا… هل هي حبيبةٌ أخرى؟ أم ضحيةٌ جديدة؟"

ابتسم سيندو ابتسامة خفيفة وهو يهز كتفيه:

سيندو:

"بل مُعجبة. ولتعلم يا جاك… لستُ أنا وحدي من يحظى بالشهرة هنا. نحن جميعًا مختارون."

جاك (متجهمًا):

"عمّ تتحدث؟"

سيندو:

"أوه… إذًا يبدو أن جدك لم يخبرك شيئًا."

جاك:

"وماذا كان سيخبرني؟ تكلّم…"

أشار سيندو بيده نحو صف التماثيل المصطفّة بظلالها الثقيلة.

سيندو:

"نحن جميعًا مختارون… من أجل هذا. هذه الغرفة يجب أن تكتمل بنا."

قطّب جاك حاجبيه:

جاك:

"أنت… ومَن أيضًا؟"

تنفّس سيندو بعمق، وصوته يهبط إلى نبرة أكثر ظلامًا:

سيندو:

"أنا… واثنا عشر مخلوقًا آخر. أقوى مني… وأسوأ مني. وإن هزمتني، فستنتقل رحلتك مباشرة إلى التالي."

جاك:

"وأين هم الآن؟"

سيندو:

"في غرفة سرّية، محروسة بحراس المنزل. سيخرج التالي بعد… أو إذا هزمتني."

ساد صمت قصير، قبل أن يقول جاك بنبرة حزينة تحمل أثر خيبة قديمة:

جاك:

"إذًا… هكذا تكون النهاية. يبدو أن صداقتنا تنتهي هنا."

ضحك سيندو ضحكة قصيرة باهتة:

سيندو:

"لم تكن هناك صداقة أصلًا… على الأقل ليس في هذا الجانب من المنزل. وأنت تعرف ما أعنيه."

أخفض جاك رأسه قليلًا:

جاك:

"نعم… أعرف."

سيندو:

"هل أنت مستعد؟"

رفع جاك نظراته بثبات، صوته بارد كحدّ السيف:

جاك:

"سأجعل موتك سريعًا… بلا ألم."

ابتسم سيندو بفخر قاتم:

سيندو:

"هذه الروح المطلوبة."

اشتعل الهواء بينهما توترًا قبل أن ينطلق سيندو أولًا، يداه تلتفّان بظلالٍ سوداء تنفلت كألسنة دخان حيّة. ضرب الأرض بقدمه بقوة، فاهتزت البلاطات تحت جاك وانشقت موجة من الظلام اندفعت نحوه كرمحٍ ممتد.

انحرف جاك بخفة، جسده ينزلق جانبًا قبل أن يقفز عاليًا. أخرج خنجرًا فضّيًا من حزامه، يلمع تحت ضوء القاعة، وضرب به الظلّ لينفلق نصفين قبل أن يعود للالتئام.

ضحك سيندو بخفة وهو يندفع للأمام، قبضته تتحول إلى كتلة من الظلام المضغوط.

التقت قبضته بضربة جاك، وارتفع صوت الانفجار الهوائي كصاعقة، دافعًا الاثنين إلى الخلف بقوة.

تدحرج جاك على الأرض ثم نهض بسرعة، بينما مسح سيندو خطًا من الدم الأسود نزل من فمه، وعيناه تزدادان توهجًا.

سيندو (بابتسامة مشتعلة):

"أرِني… لماذا اختارك جدك."

جرة واحدة بخطوة سريعة جعلت جسديهما يندفعان نحو بعضهما مرة أخرى.

اصطدم الضوء بالظلام، السيف بالظل، اللمعان بالقتامة… قبل أن يبتلع المكان وميضٌ حادّ ملأ القاعة كلها.

وفي ذلك الوميض، أدرك جاك حقيقة واحدة فقط:

هذه ليست معركة لإنهاء صداقة… بل بداية مواجهة طويلة مع مصيره.

فخلف الباب السرّي، ينتظره اثنا عشر مخلوقًا… كل واحد منهم أكثر فتكًا من الآخر.

وما حدث الآن… لم يكن سوى البداية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة