حين يبتلعك المنزل

حين يبتلعك المنزل

13 0

كان جسده ممددًا بلا رأس، والدماء تتساقط من عنقه كما لو كانت تبحث عن شيءٍ تضمه، لكنها لم تلامس الأرض... بل تجمّدت في الهواء، قطرات حمراء ساكنة، تتوهّج بنبضٍ أخضر باهت، كأنها تنتظر أمرًا بالتحرّك.

ثم، ومن دون سابق إنذار، ارتجّت الأرض تحته مرةً أخرى، لا كاهتزاز عادي، بل كأنما الكون نفسه يتنفس بصوتٍ عميق. تشققت التربة تحت جثّته، لكنها لم تبتلعه... بل امتصّت ما تبقى منه، طيفه، صدى صراخه، وظله الذي كان يرتعش بصمت.

وجد جاك نفسه فجأة في فراغٍ أسود، لا أرض تحته ولا سقف فوقه، لا اتجاهات ولا حدود، فقط هو... وروحه التي تمزقت ثم اجتمعت لتقف مجددًا، متردّدة، كأنها تحاول تذكّر ملامحها.

ظهر أمامه وجهٌ شفاف، يتوهج بلمعان رماديّ، صوتُه لم يكن غريبًا، بل مألوفًا إلى حدٍ موجِع.

كان الجد.

"جاك..."

تردد الصوت في الفضاء المحيط كصدى صلاةٍ قديمة.

"إن كنت تسمعني، فأعلم أن موتك لم يكن نهاية... بل بداية. نحن لا نُولد لنعيش، بل نُولد لنُكمل ما بدأه أجدادنا. البيت اختارك... وأنا وافقت."

صرخ جاك، مكسورًا من الداخل، مثقوبًا بالأسئلة:

"لماذا؟! لماذا لم تُخبرني من قبل؟! لماذا تركتني أموت؟!"

ردّ الجد بهدوء، كمن يعرف أن الكلمات لا تُطفئ الغضب، لكنها تزرع فيه بذرة فهم:

"لأن الموت أحيانًا... هو الوسيلة الوحيدة لتفتح العيون."

ثم تلاشى الظلام فجأة.

المكان: غرفةٌ ضخمة داخل القصر، لا تُشبه أي شيء أرضي.

الجدران مزخرفة بنقوشٍ متحرّكة، تُشبه عروقًا من ضوءٍ حيّ.

الهواء كثيف، مشبعٌ برائحة معدن قديم... كأن الزمن ذاته يتحلل داخل هذه الغرفة.

في وسطها، يجلس رجل مسنٌّ على سريرٍ شبه طبيّ، حوله أجهزة لا يمكن تحديد عملها. على يمينه طبيبتان ترتديان لباسًا أبيض ناصعًا بلا رموز، وعلى يساره مخلوق ذو ثلاثة رؤوس متصلة بعنقٍ واحدٍ عريض، لكل رأس تعبيرٌ خاص:

رأسٌ غاضب، رأسٌ هادئ، ورأسٌ كأنّه طفلٌ يضحك.

الرأس الغاضب هو أول من تكلّم، نبرته تشبه الاحتراق:

"إنه يستيقظ... روحه لم تنكسر. سيندو لم ينجح."

ردّ الرأس الهادئ بنبرة كأنها تأتي من مكان بعيد:

"لقد عاد... ولكن ليس كما كان. عاد ومعه شيء آخر."

ابتسم الرأس الطفولي، وغمز للطبيبتين:

"إنه جميل الآن... أظنه سيُفاجئنا جميعًا."

الطبيبة الثانية نظرت نحو شاشةٍ بلورية تُظهر طيف جاك يتحرك في خطوطٍ ضوئية:

"نشاط الروح يتضاعف... هو لا يعود كجاك فقط، بل كخليفة... أو وريث."

الطبيبة الأولى همست، وكأنها تخشى أن تسمعها الجدران:

"لكن هل سيكون قادرًا على مواجهة سيندو؟"

الرجل المسنّ الذي كان صامتًا طوال الوقت، رفع نظره نحو السقف:

"المنزل باركه... لكن البركة وحدها لا تكفي. عليه أن يختار."

صمتٌ مرّ، ثم نطق الكائن ذو الرؤوس الثلاثة بصوتٍ واحد، مرعب في انسجامه:

"وإن اختار الفوضى؟"

أجاب العجوز، بنبرةٍ تجمع الحكمة بالخوف:

"فسنضطر أن نقف ضده... حتى لو كان من دمي."

فتح جاك عينيه ببطء.

الضوء كان ناعمًا، لا يؤذي العين، بل يُربّت عليها كما تُربّت يد أمٍ على خدّ ابنها بعد كابوس.

كان مستلقيًا على سريرٍ واسع، بلونٍ رمادي مائل للفضي، غطاؤه من قماش ناعم يشبه الحرير لكن ملمسه أبرد... كأنّه خُيّط من ظل الغيوم.

تلفّت حوله.

الجدران من خشبٍ قاتمٍ لامع، محفور عليها نقوشٌ تتحرّك بهدوء، تشبه أوردةً تنبض.

في الزاوية اليمنى، خزانة صغيرة، بابها مفتوح، وقد وُضعت فيها جميع أغراضه: ملابسه القديمة، كتبه، محفظته، وحتى صور قديمة له مع والدته.

قرب السرير، على طاولة جانبية دائرية من زجاجٍ أسود، علبة سجائرٍ بيضاء أنيقة، وبجانبها مرمدة معدنية بلمعة خفيفة.

مدّ يده بتردّد، أمسك سيجارة، أشعلها…

الوهج البرتقالي عند الطرف، الدخان المتصاعد…

كل ذلك بدا حقيقيًّا بشكلٍ مخيف.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم نفث الدخان ببطء، وهو يهمس لنفسه بصوتٍ مبحوح:

"هل... متّ؟ أم أنني أحلم؟"

نظر إلى سقف الغرفة، حيث كانت خطوط الضوء تُرسم وتُمحى كأنّ الزمن يتدفّق عليه:

"أنا متأكد أنني... رأيت رأسي يُفصل. رأيت الدم. رأيت ذلك الشيء يقتلهم.

فلماذا أنا هنا؟ ولماذا كل شيء يبدو... طبيعيًّا؟"

طرقٌ خفيف على الباب، لم يُمهله كثيرًا قبل أن يُفتح بهدوء.

دخلت الفتاة... تلك نفسها.

نفس العيون النارية، نفس الابتسامة الغامضة، لكن هذه المرة كانت ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، وتحمل صينيةً عليها فطورٌ أنيق: خبز، فاكهة، عصير بلونٍ أزرق غريب.

وراءها، كان "هو"...

الكائن العنكبوتي الذي مزّقه الوحش سابقًا، يمشي الآن على قدمين، دون أرجلٍ إضافية، وبوجهٍ بشريٍّ نسبيًّا.

حتى هيئته بدت أقل وحشيّة، كأن أحدهم ضغط زرّ "تعديل" عليه.

وقفت الفتاة بجانب السرير، وضعت الصينية أمام جاك، وقالت بابتسامة دافئة:

"صباح الخير، جاك. نِمت جيدًا؟"

لم يجب. فقط حدّق فيهما كمن يرى شبحين خرجا من قبرين نسي العالم إغلاقهما.

"أنتم..."

همس بصوتٍ مُتحشرج، "أنتم كنتم... ميتين. رأيت رقبتك تُكسر، ورأيتك تتمزق..."

ضحكت الفتاة برقة، وجلست على طرف السرير:

"أوه، لا تكن دراميًّا، جاك. هذه لم تكن نهاية، بل مجرد تصحيح... لتوازنٍ اختل."

تحدّث الكائن، بصوته الغليظ لكن دون عدوانية هذه المرة:

"ما رأيتَهُ حقيقي، لكنه ليس كل الحكاية. هناك جانب أسود لهذا المنزل، جانب يتغذّى على الفوضى واللعنات. منذ هروب سيندو من منفاه، تغيّر كل شيء."

رفع جاك حاجبيه:

"سيندو... من هذا الآن؟!"

أجاب المخلوق، وعيناه تتوهجان لحظةً:

"شيء وُلد من داخل هذا البيت، لكنه لم يُخلق ليبقى فيه. كان منفيًّا، مقيدًا، إلى أن حدث... ما لم يكن يجب أن يحدث."

الفتاة أومأت برأسها، وبدا عليها القلق لأول مرة:

"ما حدث لم يكن مخططًا له، لم يكن وقته. لقد خرج قبل الأوان، وهذه الفوضى... لم نكن مستعدّين لها."

تسلّل الصمت إلى الغرفة، دخان سيجارة جاك يتراقص في الهواء، يُشكّل دوائر تتلاشى سريعًا.

قال، بصوتٍ حائر:

"وما شأني أنا بكل هذا؟ لماذا جئت؟ ولماذا يبدو أنكم... تنتظرونني؟"

نظر المخلوق إليه، بنظرةٍ مزيج من الاحترام والخوف:

"ربما... لأن وجودك هنا لم يكن صدفة. وربما، لأن ظهورك... هو ما حرّك سيندو من نومه."

قالت الفتاة وهمست وهي تُحدّق في عينيه:

"ربما، يا جاك... ظهورك أنت من أعاد النبض لهذا المكان. أنت مرتبط به أكثر مما تتصور."

حدّق جاك في وجهها، ثم في وجه المخلوق، ثم إلى سيجارته التي بدأت تنطفئ.

نفث دخانًا أخيرًا، وتمتم:

"أنا لا أفهم شيئًا... لكن إن كان هناك جانب مظلم... فأين الجانب الآخر؟"

ضحك المخلوق ببطء، وقال بنبرةٍ مشؤومة:

"الجانب الآخر؟ ما زال نائمًا... والسؤال الحقيقي هو: هل تُريد أن توقظه؟"

وفجأةً… وقبل أن ينطق جاك بكلمة، اهتز السرير بعنفٍ تحته، كأن زلزالًا صغيرًا وُلد في أعماقه.

"ما ال—؟!" لم تكتمل الجملة.

خرجت من تحت السرير يدان ضخمتان مغطّاتان بقشورٍ سوداء لامعة، قبضتا على جسده في لحظة، سحبته نحو الأسفل بقوةٍ هائلة، فارتطم رأسه بالوسادة، وارتفع جسده عن المرتبة كدميةٍ محاصرة في يدِ وحشٍ غير مرئي.

جاك (يصرخ):

"دعوني! أخرجوني من هنااا!"

الفتاة صرخت، تراجعت خطوة، ثم رفعت كلتا يديها أمامها، وانفجرت منهما طاقة زرقاء متوهجة تشبه الصواعق، ارتطمت بالذراعين بقوة، فصدر عنها دويّ عنيف ورائحة احتراق... لكن اليدين لم تتأثرا.

المخلوق اقترب بسرعة، أخرج لسانًا طويلًا كالثعبان، لمس الذراع القابض، ثم بصق مادةً حامضية لزجة بلونٍ فضيّ داكن، كأنها خليط من النار والزئبق.

لكن لا شيء تغيّر.

اليد ما تزال ممسكة بجاك، أقوى، أعمق، وكأنها لم تشعر بأي هجوم.

ثم...

ارتجّت الغرفة كلها.

صوتٌ غليظ، خشن، يشبه صرير الحديد تحت التراب، تردّد في أرجاء الغرفة، وارتجف له قلب جاك:

؟؟؟ (بصوت عميق):

"مرحبًا بك في المنزل... يا جاك."

تجمّد كل شيء.

الفتاة خفضت يديها ببطء، والمخلوق تراجع دون كلمة.

الصوت يواصل...

"ألم تسأل نفسك من قبل؟ من بنى هذا المكان؟ من صمّم أحلامك وكوابيسك؟ من نسج ليلك من رماد؟"

اليد بدأت تسحب جاك ببطء… السرير انفتح من المنتصف كفمٍ جائعٍ يتوسّل فريسته.

"جاك..."

"أنتَ لم تأتِ بالصدفة... هذا البيت اختارك. روحك كانت تناديه قبل أن تتكلم، قلبك دقّ باسمه قبل أن تعرف الأبجديّة."

جاك (يصرخ):

"من أنت؟! ماذا تريد مني؟!"

الصوت يضحك، ثم يقول:

"دعني... آخذك في جولة..."

"ليس حول البيت فقط، بل داخلك أنت. إلى حيث تُخزّن الأسرار، وتُدفن الذكريات، وتُخبّئ الظلال..."

جاك يحاول التملّص، يضرب بقدميه، يصرخ، لكن بلا جدوى.

الفتاة (بهمسٍ مرتبك):

"هذا... ليس وقته... هذا مبكّر جدًا..."

المخلوق (بخوف):

"البيت... يُحرّك نفسه. لا أحد يستطيع إيقافه الآن."

وفجأة، غُمر كل شيء بالظلام.

السرير ابتلعه، وجاك سقط داخله كأنما سقط من السماء إلى أعماق نيزكٍ فارغٍ.

قبل أن يصطدم بالأرض، سمع صوتًا جديدًا...

مختلفًا... لكن أكثر قسوة من كل الأصوات التي سمعها من قبل.

الصوت (يهمس ببطء قرب أذنه):

"عندما يكون سيندو بجانبك... فلن نتخلى عنك."

"حتى لو تخلى عنك الكون كلّه."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيت الملعون : لعنة التلة الصامتة

المؤلف Imad chelloufi
2025/11/30 مكتملة
قائمة الفصول (23)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة