أخيراً، تحقَّق ذلك الحلمُ المشؤوم.
وَصَلْتُ إلى التلَّةِ الملعونة التي سأخسرُ حياتي من أجلِها. لولاها، لما انتهى بي المطافُ مُرمىً على الأرضِ كقمامةٍ تنتظرُ أن تُحمَلَ وتُطرَحَ بعيداً.
قَلْبي يخفقُ بِسُرعةٍ شديدة، والعرقُ يَسيلُ غزيرًا من جبيني، والموتُ يُرفرِفُ فوق رأسي، يَتَحيَّنُ لحظةً ينتزعُ فيها روحي بِأَمْرٍ من قوَّةٍ عظيمةٍ... تِلْكَ التي خَلَقَتْ كلَّ شيءٍ. لكنَّها في عُيُونِنا، نحنُ البشرَ، لم تُوَحِّدْنا بل فَرَّقَتْنا.
بِسَبَبِها اشتعلتِ الحروبُ، وتنازعَتِ الأديانُ، واختلفتِ التفسيراتُ. ومع ذلك، شيءٌ واحدٌ اتَّفَقَ عليه الجميعُ: أنَّ هُناكَ ربًّا وُجِدَ.
صوتُ خُطواتٍ ثقيلةٍ** يَتقدَّمُ نحوي على وَقْعِ موسيقى غريبةٍ... ليست من هذا العالم. موسيقى لا تُعزَفُ إلا في اللَّحظاتِ الفاصلةِ، حين لا يفصلُ بينك وبينَ الموتِ سوى خيطٍ رفيعٍ. كانت تقتربُ منّي، تَلْمَسُ روحي المرتعشةَ، وأنا في حالةٍ يُرثى لها.
جاءتني فُرَصٌ كثيرةٌ من قبلُ. كان يُمكِنُني أن أعودَ، أن أستمعَ لذلكَ الصوتِ الذي لطالما ناداني. لم يكن يُذِلُّنا، بل يُحبُّنا. يُريدُ لنا النجاةَ.
ذلك هو الإيمانُ... دَواءُ القلبِ من أمراضِهِ، نُورٌ من اللهِ.
لكنّني فقدتُهُ منذُ زمنٍ بعيدٍ.
لم أَكفُرْ باللهِ، كلا. لكنّي لم أعد أتبَعُهُ.
فالإيمانُ دَرجاتٌ.
أَدناها أن تؤمنَ بوجودِهِ، وأعلاها أن تُحبَّهُ لِدَرجةِ التخلِّي عن كلِّ شيءٍ من أجلِهِ.
ويا حسرتاه... كَمْ ضيَّعتُ.
أَبي كان قِسًّا معروفًا، وأُمِّي امرأةً أسلَمَتْ قَبلَ رَحيلِها.
كانت لديَّ كنوزٌ من الحكمةِ، وطُرُقٌ مُختلِفةٌ للبحثِ عن النورِ، لكنّني خُنْتُها.
اتبعتُ الشهواتِ، وانزلقتُ في ظُلُماتِ المعاصي، وها أنا اليومُ... أدفَعُ الثمنَ.
ليس ثمنًا لهذهِ الحياةِ فقط، بل لما بعدَها أيضاً.
صوتٌ غليظٌ وَرِجْلٌ كالصخرِ تُثْقِلُ صَدري. شَهقتُ، وانفجرتْ بداخلي صرخةٌ:
جاك(بصوتٍ ممزوجٍ بالدموع):
"يا ربّ... أنقِذْ عبدَكَ! أعدُكَ... سأعودُ لطريقِكَ. فقط لا تترُكْني الآنَ."
كان دُعاءً من بَقَايا قلبٍ مكسورٍ، لكنَّهُ صادقٌ.
فَجْأةً، تكلَّمَ الكائنُ:
المخلوق(بنبرةٍ تشبهُ احتكاكَ الصخورِ):
"جاك... بَلِّغْ جدَّكَ، وقُلْ لهُ إنَّ باروسَ أوصلني. لقد أتممتُ مهمَّتي. والآن... حانَ دورُهُ. يجب أن يُلغي تلكَ المعاهداتِ... المعاهداتِ التي حَرَمَتني من عائلتي."
ارتجف لساني، اِرتَعَشَ لِسانِي، ولم أَجِدْ ما أقولُهُ سوى:
جاك(بصوتٍ أجشَّ):
"سأفعلُ."
ثُمَّ غادرَ. سريعاً... كأنَّ الأرضَ ابتلعتهُ.
لا أعلمُ إلى أينَ ذهبَ، ولا أهتمُّ.
المُهِمُّ... أنَّني لا أزالُ على قيدِ الحياةِ، مُؤقَّتاً.
بِصُعوبةٍ بالغةٍ، وقفتُ. قَدَمَايَ شبهُ مشلولتينِ من الخوفِ.
ليسَ كلَّ يومٍ ترى كائناً لا يشبهُ البشرَ، كائناً يتحدَّثُ عن معاهداتٍ وجدِّي ومعانٍ أكبرَ من قُدْرَتي.
أدركتُ حينها أنَّنا لسنا وحدَنا في هذا العالمِ.
لطالما ادَّعَيْنا مِلكيَّتَهُ، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ غيرَنا يَدَّعِي الشيءَ نفسَهُ.
نعم، الإسلامُ هو الدينُ الوحيدُ الذي تَحَدَّثَ بالتفصيلِ عنِ الجِنِّ، عن معاركِ آخرِ الزمانِ، عنِ النورِ والظلماتِ.
لكنّني شعرتُ أنَّ ثمَّةَ فَجوةً... لماذا لا يتحدَّثُ عُلَماءُ المسلمينَ عنِ الروحانيَّاتِ بشكلٍ أوسعَ؟ لماذا يُحارِبُ بعضُهُمُ الفلسفةَ؟
لقد شعرتُ بنفسِ الطاقةِ التي يتحدَّثُ عنها خبراءُ الروحِ، والتي يقولونَ إنَّ الصلاةَ الإسلاميَّةَ تُطلِقُها داخلكَ.
أنا لستُ شيخاً ولا فيلسوفاً، فقط رجلٌ ضائعٌ... يتمنَّى لو فهمَ كلَّ ذلكَ من قبلُ، قبلَ أن يُحَاصَرَ بالموتِ والخوفِ.
وفجأةً... اِرتَجَّتِ الأرضُ.
كِدْتُ أن أسقُطَ، ظننتُ أنها نهايةٌ جديدةٌ، أو زلزالٌ سيبتلعني.
لكنَّ الحقيقةَ كانتْ أغربَ.
من تحتِ الترابِ... خرجَ منزلٌ.
منزلٌ ضخمٌ، بواجهاتٍ لا تشبهُ أيَّ شيءٍ رأيتُهُ من قبلُ.
أضواؤُهُ مُشتعلةٌ، وضحكاتٌ تتعالى من داخلهِ، كأنَّ الحياةَ فيهِ لا تشبهُ الموتَ الذي كنتُ أعيشُهُ.
اقتربتُ منهُ مَدْفوعاً بشيءٍ خفيٍّ.
طَرقتُ البابَ...
وإذا بي أسمعُ صوتاً عَذْباً...
صوتَ امرأةٍ.
نبرتُها كانتْ كأنَّها مأخوذةٌ من حلمٍ...
صوتٌ أيقظَ قلبي من سُباتِهِ، وتركَ جسدي مُشَلَّلاً في مكانهِ، ليس خوفاً هذه المرة... بل شوقاً لم أستطع تفسيرَهُ.
ثوانٍ لاحقة... فُتِحَ البابُ بهدوءٍ، ليظهرَ أمامي ملاكٌ بشريٌّ... لا، بل شيءٌ أسمى من ذلك.
كان وجهُها بَرَّاقًا كجمرةٍ مُشتعلةٍ، بشرتُها حمراءُ بلونِ الحممِ البركانيَّةِ المتجمِّدةِ، بِعَيْنَيْنِ واسعتَيْنِ تتوهَّجُ من داخلهما شراراتٌ سحريَّةٌ، وشعرُها الأسودُ الطويلُ يتمايلُ كألسنةِ لهبٍ تحتَ نَسيمٍ لا أشعرُ به.
الفتاة** (بنبرةٍ ترحيبيَّةٍ تلامسُ الأعصابَ كالحريرِ):
"جاك... مرحبًا بك. لقد كُنَّا ننتظرُك، تفضَّلْ، الجميعُ بانتظارِك."
دخلتُ المنزلَ بتردُّدٍ، وأنا أنظرُ من حولي باستغرابٍ إلى الجدرانِ المضيئةِ بأنماطٍ غريبةٍ كأنَّها تتنفَّسُ.
جاك(بدهشةٍ):
"مَن... مَن ينتظرُني؟ هل كُنتُمْ تتوقَّعونَ قُدومي؟"
الفتاة(بابتسامةٍ عريضةٍ تُكشِفُ عن أنيابٍ صغيرةٍ):
"نعم... لدينا هنا شابَّةٌ صغيرةٌ تستطيعُ أن تتنبَّأَ بالمستقبلِ."
جاك(مازحًا وهو يُحدِّقُ في الزخارفِ التي تتحرَّكُ على الجدرانِ):
"شابَّةٌ صغيرةٌ؟ أتمنَّى فقط ألا تكونَ قاصرًا..."
الفتاة(تضحكُ برقَّةٍ، حتَّى اهتزَّتِ الأرضيَّةُ كأنَّ زلزالاً خفيفاً مرَّ تحت قدميَّ):
"لا، عزيزي... هي الأصغرُ بيننا... عُمرُها فقط مئةُ سنةٍ."
تَجَمَّدْتُ في مكاني، شاحبَ الوجهِ، عاجزاً عن إدراكِ هذا الجنونِ.
وفجأةً...
بدأتِ الأرضُ تهتزُّ من جديدٍ، ولكن هذه المرَّة، لم تكن ضحكةً...بل خُطُواتٌ.
شيءٌ يزحفُ في الممرِّ خلفي... صريرُ مفاصلَ، وطَقْطَقَةُ أرجلٍ كثيرةٍ تحتكُّ بالأرضِ الرخاميَّةِ.
استدرتُ ببطءٍ، والعرقُ يتصبَّبُ من جبيني، فإذا بي أرى كائناً يشبهُ البشرَ في ملامحِ وجهِهِ، لكن لهُ ثماني أرجلَ طويلةٍ تخرجُ من ظهرِهِ، تتحرَّكُ مثلَ أرجلِ العنكبوتِ، يزحفُ على الجدرانِ والسقفِ، يُحدِّقُ بي بعينينِ مثلَ عدساتِ كاميرا سوداءَ.
جاك(مُرتَعِبًا، يهرولُ نحو البابِ):
"افتحي! افتحي اللَّعنةَ عليكِ! ما هذا المكانُ؟!"
يسحبُ المقبضَ بقوَّةٍ... يضربُ البابَ بكتفِهِ... لا جدوى.
الفتاة(تقفُ بهدوءٍ عند المدخلِ، وابتسامتُها لم تفارقها):
"ما الذي تخشاهُ يا جاك؟ ألم تكُنْ تبحثُ عن الحقيقةِ؟"
جاك(يصرخُ):
"لا أريدُ هذه الحقيقةَ! افتحي البابَ! دَعيني أخرجُ!"
ولكن... قفزَ الكائنُ فجأةً عليهِ... جَثَمَ فوقَهُ أرضًا، أربعٌ من أرجُلِهِ تُثبِّتُ يديهِ، وأربعةٌ أُخرى على قدميهِ، بينما وجهُهُ اقتربَ من وجهِ جاك حتَّى لم تَعُدْ تفصلُ بينهما سوى أنفاسٌ ساخنةٌ ذاتُ رائحةِ رمادٍ.
كان فمُهُ يتفتَّحُ ببطءٍ، ليكشِفَ عن طبقاتٍ من الأسنانِ الحادَّةِ، ولسانٍ طويلٍ كالسوطِ يهتزُّ في الهواءِ.
جاك(بصوتٍ مخنوقٍ):
"لا... لا... ابتعدْ عنّي!"
الفتاة(تضحكُ بصوتٍ منخفضٍ يشبهُ نغمةً كريستاليَّةً ملتويةً):
"هذه ليستِ النهايةَ... هذه البدايةُ فقط."
جاك يُحاوِلُ التملُّصَ من بينِ أرجلِ الكائنِ، لكنَّهُ عاجزٌ، أنفاسُهُ تتسارعُ، وصوتُهُ يرتجفُ:
جاك(بِهَمْسٍ مضطربٍ):
"مَن... مَن أنتم؟ ماذا تريدونَ منّي؟ أنا لا أفهمُ... أرجوكم..."
الفتاة(تتقدَّمُ بخُطواتٍ بطيئةٍ، وصوتُها لا يزالُ ناعماً):
"جاك، أنت تبدو مشوشًا... هل يُخيفُكَ شكلُ صديقِنا الجميلِ؟"
تبتسمُ ابتسامةً واسعةً كأنَّها تتلذَّذُ بخوفِهِ.
جاك(يُحاوِلُ التراجعَ برأسِهِ):
"صديقِكُمْ؟ هذا؟ أنتم تمزحونَ معي، صحيح؟ هذا كائنٌ من كوابيسِ جهنَّمَ!"
الفتاة(بغمزةٍ ناعمةٍ):
"أوه، لا تكنْ قاسيًا... إنَّهُ حساسٌ جدًّا بشأنِ مظهرِهِ..
في هذه اللَّحظةِ... يبدأُ الكائنُ بالتكلمِ، صوتُهُ عميقٌ، مجوَّفٌ كأنَّهُ قادمٌ من باطنِ كهفٍ، لكنَّ نبرتَهُ تحملُ سخريةً خفيةً:
المخلوق(يُقرِّبُ وجهَهُ أكثرَ):
"أنتَ... تبدو لذيذًا... أعني... لذيذَ الحضورِ."
يتوقَّفُ لحظةً، ثمَّ يَميلُ برأسِهِ كأنَّهُ يدرُسُهُ بفضولٍ طفوليٍّ:
"هل جِئْتَ من أجلِ الاحتفالِ؟ أم... لإضافةِ نكهةٍ جديدةٍ للمجلِسِ؟"
جاك(يرتعدُ، يُحاوِلُ دفعهُ):
"احتفالٍ؟! أيُّ احتفالٍ هذا بحقِّ الجحيمِ؟ أنا إنسانٌ! لا علاقةَ لي بأيِّ شيءٍ هنا!"
المخلوق(يَمُدُّ إحدى أرجُلِهِ ويُلَفُّها حولَ كتفِهِ بلُطفٍ مفاجئٍ):
"أوه، لا تُقَلِّلْ من شأنِ نفسِكَ يا جاك... كلُّ شخصٍ هنا لهُ 'نهايةٌ' تليقُ بهِ... أعني 'قِصَّةٌ' تليقُ بهِ..."
الفتاة(تضحكُ، تضعُ يدَها على خدِّها بتظاهرٍ بالدهشةِ):
"اُنظر إليهِ، ما أروعَهُ عندما يُربِكُ ضيوفَنا الجُدُدَ! لديهِ روحٌ مرِحةٌ... ألا تَعتقدُ؟"
جاك(يصرخُ):
"توقَّفوا! توقَّفوا عن اللَّعبِ بي! ماذا تريدونَ منّي؟!"
المخلوق(يُخفِضُ رأسَهُ بجانبِ أُذُنِ جاكَ، يَهمسُ بنبرةٍ ساخرةٍ):
"نريدُكَ أن تشاركَ... أن تنفتحَ... أن تكونَ جزءًا من شيءٍ... أكبرِ..."
الفتاة(تُقاطعُ بلطفٍ):
"جاك، لم يَفُتِ الأوانُ بَعدُ لتُقرِّرَ... هل أنتَ من مُحِبِّي المُفاجآتِ؟"
ثمَّ تَهمسُ لنفسِها بِمَرَحٍ:
"أظنُّهُ من النوعِ الذي يصرخُ أوَّلاً، ثمَّ يسألُ لاحقًا."
Imad chelloufi